انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

عبد القادر فيدوح: حامل المشعل الذي جاب ليل المعنى باحثا في الهناك

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

13 دقائق للقراءة
64 مشاهدة1 تعليق
عبد القادر فيدوح: حامل المشعل الذي جاب ليل المعنى باحثا في الهناك
مشاركة:

المشعل الأول: فتى غريس يطرق باب الحكاية

بلغني، أيها الساهر بين رفوف الكتب، أن المعرفة كانت في الأزمنة البعيدة مدينة مسوّرة بسبعة أسوار، وأن أبوابها لم تكن تفتح لمن حمل مفاتيح الذهب، بل لمن أوقد في قلبه مشعلا، ثم مضى به في دروب المنايا، غير هيّاب من ريح تطفئه، ولا من ليل يطول حتى يخال السائر أن الفجر خرافة اخترعها المتعبون. وكان في مدينة غريس، من أعمال ولاية معسكر الجزائرية، فتى يدعى عبد القادر فيدوح، لم يولد وفي يده خريطة الطريق، ولم تهبط عليه المعرفة مكتملة من سماء صافية، بل عرف منذ مطلع حياته أن الطريق إلى المعنى لا يُمنح، وإنما يُنتزع من صخر الأيام. ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره، دخل مدرسة التعليم الابتدائي مدرسا، فوقف أمام الأطفال لا بوصفه مالكا للحقيقة، بل أول تلميذ في مجلسها؛ يهبهم الحروف، وتهبه عيونهم الدهشة الأولى، ويعلّمهم كيف تُفتح الكلمات، فيما كانوا يعلّمونه أن المعرفة لا تبلغ تمامها إلا حين تصير خبزا مشتركا بين الأرواح. هناك، بين سبورة وطبشورة ووجوه صغيرة تحدق في العالم كأنه يولد لتوه، أدرك أن الجهل ليس غياب المعلومة وحدها، بل عتمة تحجب عن الإنسان قدرته على تسمية الأشياء، وأن من يمنح طفلا حرفا إنما يفتح في جدار الليل نافذة لا تستطيع الممالك إغلاقها. لكنه لم يرض أن يقيم عند أول بئر، ففي داخله كان صوت بعيد يناديه من وراء الجهات، صوت لا يدل على موضع بعينه، بل على ذلك الهناك الذي يسكن الباحثين ويمنعهم من الاطمئنان إلى ما بلغوه. قصد كلية الحقوق في جامعة وهران، كأنه يريد أن يتعلم كيف تُوزن أفعال البشر في ميزان العدالة، غير أن الكلمات كانت تناديه من الجهة الأخرى، وكانت القصيدة ترسل إليه رسلها في المنام، وكان المجاز يلوّح له من شرفة لا يبلغها القانون وحده. فغادر طريق الحقوق إلى كلية الآداب، لا فرارا من نظام إلى فوضى، بل انتقالا من عدالة النصوص القانونية إلى عدالة المعنى، ومن مواد تضبط أفعال الناس إلى بلاغة تكشف ما تخفيه النفوس. وفي عام 1980 نال الليسانس، ثم مضى نحو الماجستير حتى ناقش عام 1984 أول رسالة ماجستير في كلية الآداب بجامعة وهران. ولم يكن ذلك التاريخ رقما في سجل جامعي، بل كان بابا من أبواب المدينة المسوّرة قد انفتح، فدخل منه الفتى الذي بدأ معلما، وخرج باحثا يحمل مشعلا أكبر من يده. عين أستاذا في الجامعة، وصار يسير في الممرات التي دخلها ذات يوم طالبا، لكنه لم ينس أن المعرفة لا تمنح صاحبها عرشا، بل تكلفه بحراسة النار. ومنذ تلك الساعة ابتدأت حكايته الحقيقية: حكاية رجل أدرك أن الناقد ليس شرطيا يقف على حدود النصوص، ولا قاضيا يوزع صكوك البراءة والإدانة، بل رحالة يدخل غابات الدلالة، ويصغي إلى خفقان المعنى تحت قشور الألفاظ، ثم يعود إلى الناس وفي يده شيء من الضوء، وعلى ثيابه غبار الأسفار.

عبد القادر فيدوح:

حامل المشعل الذي جاب ليل المعنى باحثا في الهناك

القاهرة ومرآة الأربعين: الفارس الذي سبق الزمن

وتقول الليلة الثانية من هذه الملحمة إن جامعة وهران، حين رأت في أستاذها الشاب توقا لا تهدأ ناره، بعثت به إلى جمهورية مصر العربية ليطلب الدكتوراه، وكان واحدا من أربعين باحثا جزائريا حملوا حقائبهم نحو امتحان العلم. غير أن عبد القادر فيدوح لم ينظر إلى الأربعين بوصفهم متنافسين على قصب السبق، بل رآهم قافلة تعبر صحراء واحدة، لكل واحد منهم نجمه ودليله وبئره البعيدة. دخل القاهرة، والمدينة آنذاك مكتبة تسير على قدمين؛ في شوارعها ظل طه حسين، وفي مقاهيها أصداء العقاد، وفي جامعاتها جدل المناهج القديمة والوافدة، وعلى ضفاف نيلها كانت البلاغة العربية تحدق في صورتها، متسائلة: هل ما زالت قادرة على قراءة الإنسان الجديد؟ هناك لم يطلب فيدوح شهادة تعلق على الجدار، بل أراد أن يختبر المشعل: هل يصمد أمام رياح المناهج، وهل يستطيع أن يدخل دهاليز النفس دون أن يفقد صلته بجمال العبارة؟ انكب على البحث حتى صار الليل عنده غرفة أخرى من غرف النهار، وصارت الكتب كائنات تنهض من رفوفها لتجادله، فإذا أغلق كتابا فتح في ذهنه عشرة أبواب، وإذا أمسك بمفهوم رآه يتشظى إلى أسئلة لا يحصيها إلا من ذاق عذاب المعرفة. وكان الزمن يظن أنه قادر على إخضاع الباحث لقوانينه، غير أن الباحث سبقه؛ فناقش أطروحته قبل انقضاء المدة الرسمية المتاحة، وكان أول أفراد البعثة إنجازا لهذه المهمة، ثم نال الدكتوراه عام 1990 بمرتبة الشرف الأولى. يومها لم تدق الطبول، ولم تنحن له أبواب المدينة، لكن مشعله صار أصلب عودا وأبعد ضوءا، وعرف أن الظلام لا يُبدّد بضربة واحدة، وأن كل جواب لا يلبث أن يصير سلما إلى سؤال أعلى. عاد إلى وهران، لا كمن رجع بغنيمة شخصية، بل كمن حمل من رحلته ماء يريد أن يوزعه على العطاش. درّس، وأشرف، وشارك في إدارة الجامعة، ثم تسلم عمادة كلية الآداب عام 1994، فصار مسؤولا عن بيت كامل من بيوت المعرفة. ولم تكن الإدارة في نظره كرسيا مرتفعا، بل بابا واسعا تمر منه مصائر الطلاب والأساتذة والكتب والمشروعات؛ لذلك حمل إليها حس المعلم، ودقة الباحث، وقلق الناقد الذي يعرف أن المؤسسة إذا لم تتحول إلى فضاء للأسئلة صارت مخزنا للشهادات. وفي تلك المرحلة كانت الجزائر تدخل ليل العشرية السوداء، وقد أخذ الرصاص يكتب على الجدران لغة لا تعترف بالمجاز، وصار الموت يجوس الأزقة، يطرق الأبواب بلا موعد، ويضع على موائد الناس صحنا من الفقد. لكن فيدوح ظل يحمل المشعل بين قاعات الدرس، كأن المعرفة فعل مقاومة، وكأن شرح قصيدة أو تدريب طالب على قراءة العلامة دفاع عن حق الإنسان في ألا يختصره العنف إلى رقم. كانت المنايا تمر قريبة منه، وكان يرى البلاد التي أحبها تتشح بسوادها، ومع ذلك لم يساوم على معنى العقل، ولم يضع النار في خدمة الصراخ. وحين اشتد الليل، عرف أن الرحيل قد يكون أحيانا صورة أخرى من صور البقاء، وأن إنقاذ المشعل ليس خيانة للمكان، بل وعد بالعودة إليه محملا بضوء أبعد.

عبد القادر فيدوح:

حامل المشعل الذي جاب ليل المعنى باحثا في الهناك

من وهران إلى الخليج: المنافي التي صارت جسورا

وفي الليلة الثالثة، لما توحشت الطرق، خرج الناقد من الجزائر متجها إلى ليبيا سنة 1994، ونزل جامعة الفاتح في طرابلس، غير أنه لم يمكث فيها أكثر من شهر. رأى بعين الباحث أن الطريق القائم هناك لا يأتلف مع قناعاته، وأن المعرفة إذا أُكرهت على الوقوف في ظل السلطان فقدت قدرتها على إضاءة الوجوه، فعاد إلى وهران، مفضلا قلق الموقف على طمأنينة لا تشبهه. لم يكن الرجل ممن يبيعون المشعل لقاء غرفة آمنة، لأن النار التي حملها لم تكن زينة لمجلس، بل عهدا أخلاقيا. ثم جاءه نداء من زميل في جامعة البحرين، فيما كانت الأوضاع الأمنية في الجزائر تضيق حتى تكاد السماء تنطبق على الأرض، فغادر عام 1995 إلى جزيرة بدت له، من بعيد، كفانوس معلّق على حافة الخليج. هناك لم يدخل منفاه مكسورا، ولم يعامل البحرين كمحطة انتظار، بل جعلها جسرا جديدا للمعرفة، وأقام فيها ثمانية عشر عاما امتلأت بالتدريس والتأليف والإشراف وصناعة المؤسسات. كان يدخل قاعة الدرس وفي يده سؤال، ويخرج منها وقد وزعه على طلابه جمرا صغيرا، حتى تخرج على يديه عشرات الباحثين في مرحلتي الماجستير والدكتوراه. ولم يكن يريد منهم أن يكرروا صوته، لأن المعلم الذي يصنع نسخا منه يطفئ المشاعل ولا يوقدها؛ كان يريد لكل واحد أن يجد صوته، وأن يدخل النص من بابه الخاص، وأن يتعلم أن احترام الأستاذ لا يعني السكن في ظله، بل القدرة على مغادرته نحو أفق جديد. وفي البحرين شارك في تأسيس المشهد الذي لا يكتفي بإنتاج المقالة، بل يبني الوعاء الذي يحفظها ويمنحها شروط الحياة. أسهم في الندوات والمؤتمرات والمشروعات الثقافية، وشارك في الصحف والدوريات، وانخرط في الجمعيات والملتقيات، من الملتقى الثقافي الأهلي إلى فضاءات الفكر التي التقت فيها أصوات الخليج والمغرب العربي. وكانت مجلة ثقافات، التي صدرت في البحرين بين عامي 2004 و2013، واحدة من القناديل التي أسهم في إيقادها، فقد آمن بأن المجلة العلمية ليست أوراقا تجمع بين غلافين، بل سفينة تنقل المعرفة من جزيرة الباحث إلى قارة القراء. ثم جاءت مجلة سمات SEMAT، فكانت في تجربتها المبكرة محاولة عربية جادة للانخراط في معايير التأثير والقياس والتصنيف الدولي منذ عام 2011، وكأن فيدوح أراد للمقالة العربية ألا تبقى أسيرة الغرف المغلقة، بل أن تدخل خرائط العالم بثقة واستحقاق. وحين انتقل إلى جامعة قطر عام 2013، لم يخلع عنه ذاكرة غريس ولا وجع وهران ولا خبرة البحرين؛ حمل المدن كلها في حقيبة واحدة، ودخل الدوحة كمن يدخل فصلا جديدا من كتاب لم يعرف خاتمته بعد. درّس في جامعة قطر، وأسهم في إدارة المشاريع البحثية ودار نشر الجامعة، ثم أسس مجلة أنساق وفق معايير دولية، لتكون اسما على مسمى: بحثا في الأنساق التي تنتظم النصوص والثقافات، وفضاء يعبر فيه النقد العربي من المحلية الواثقة بذاتها إلى العالمية القادرة على الحوار. هناك حصل عام 2017 على وسم التميز الأكاديمي، لكن الوسام الحقيقي كان أولئك الطلاب الذين حملوا أسئلته إلى جامعات أخرى، وتلك الكتب التي عبرت من مخطوطات وحيدة إلى قراء متعددين، وتلك المجلات التي صارت بيوتا يلوذ بها الباحثون من وحشة الطريق. وهكذا لم يعد المنفى في سيرته اقتلاعا من الجذر، بل امتدادا له؛ فالشجرة التي غادرت أرضها حملت ترابها في الذاكرة، ومدت أغصانها من الجزائر إلى البحرين وقطر، حتى صار الخليج والمغرب جناحين لطائر واحد اسمه الثقافة العربية.

عبد القادر فيدوح:

حامل المشعل الذي جاب ليل المعنى باحثا في الهناك

دلائلية النص: حين دخل الناقد مغارة العلامات

أما الليلة الرابعة، فهي ليلة الكتب؛ وفيها تبدو مكتبة عبد القادر فيدوح مثل قصر من قصور الحكاية، له خمسة وأربعون بابا ظاهرا، وخلف كل باب ممرات من البحوث والمقالات والمداخلات تجاوزت المئة والخمسين. غير أن الداخل إلى هذا القصر لا يجد المؤلفات مصطفة كجنود صامتة، بل يسمع بينها جدلا لا ينقطع: علم النفس يسائل القصيدة، والسيمياء تلاحق العلامة، والبلاغة تسترد كنوزها من غبار الشروح، والتأويل يفتح النوافذ في جدران العبارة، والفلسفة تسأل الإنسان عن معنى وجوده، والتصوف يمد سلّما من الحرف إلى الغيب. بدأ فيدوح بكتاب الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، كأن أول مغامراته كانت النزول إلى البئر التي يختبئ فيها الشاعر داخل قصيدته، لا ليرد الإبداع إلى علة نفسية ضيقة، بل ليفهم كيف تتحول التجربة الباطنة إلى إيقاع وصورة ورؤيا. ثم جاء دلائلية النص الأدبي في مطلع التسعينيات، فكان من الكتب العربية المبكرة التي لم تكتف بتعريف المنهج السيميائي، بل حملته إلى النصوص الشعرية واختبرته في ميدان التطبيق. يومها كانت السيمياء في الثقافة العربية أشبه بطائر وافد لم تألف العيون ألوانه، وكان بعضهم يردد مصطلحاتها كالتعاويذ، فيما دخل فيدوح مغارة العلامات بمصباحه، يميز بين الاسم وما يدل عليه، وبين اللفظ وظله، وبين ظاهر النص والمسالك السرية التي تقود إلى طبقاته العميقة. لم يتعامل مع المنهج بوصفه سيفا مستوردا يقطع به النص، بل آلة إنصات تساعده على سماع ما لا يقوله الكلام صراحة. ثم توالت كتبه: الرؤيا والتأويل، شعرية القص، الجمالية في الفكر العربي، نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية، إراءة التأويل ومدارج معنى الشعر، معارج المعنى في الشعر العربي الحديث، التجربة الجمالية في الفكر العربي، أيقونة الحرف وتأويل العبارة الصوفية، تأويل المتخيل، الخطاب الواصف ومؤولاته، مجازات المضمر وظلاله، وتسريد الذاكرة. وفي كل عنوان كان ثمة باب نحو الهناك؛ نحو المعنى الذي يلوح ولا يُمتلك، ويقترب بقدر ما يبتعد، كأن الحقيقة شهرزاد أخرى تؤجل خاتمة الحكاية كي يبقى العقل حيا. ولم تكن اهتمامات فيدوح جزرا متباعدة، فالنفس عنده تفضي إلى العلامة، والعلامة إلى التأويل، والتأويل إلى الجمال، والجمال إلى سؤال الإنسان، وسؤال الإنسان إلى الفلسفة والدين والتصوف والذاكرة والثقافة. حتى مشاركاته في موسوعة الفلسفة الإسلامية، ومدخل إلى فلسفة الدين، والمعرفة والإبستمولوجيا، والأنسنة العربية المعاصرة، والفكر الخلدوني ومنابع الحداثة، لم تكن مغادرة للنقد الأدبي، بل توسيعا لحدوده؛ لأن النص عنده لا يعيش خارج التاريخ، ولا تنفصل بلاغته عن أسئلة الوجود والسلطة والهوية. لقد رأى أن القصيدة ليست زخرفة معلقة في الهواء، بل كائنا يسكن العالم، وأن المجاز لا يخفي الحقيقة دائما، بل قد يكون الطريق الوحيد إليها. لذلك ظل يجوس بين المضمر والظاهر، يزيح عن العبارة حجابا بعد حجاب، حتى إذا حسب القارئ أنه بلغ الغرفة الأخيرة، وجد بابا صغيرا يفتح على فلك آخر. تلك هي دلائلية فيدوح: ليست مطاردة باردة للإشارات، بل إصغاء إلى ارتعاش الكينونة داخل الحرف، ومحاولة لرد الاعتبار إلى النص بوصفه عالما لا تنفد خرائطه.

عبد القادر فيدوح:

حامل المشعل الذي جاب ليل المعنى باحثا في الهناك

الباحث في الهناك: ألف ليلة من الضوء

وفي الليلة الخامسة، حين دنا الفجر وخشي شهريار الصمت، وقفت شهرزاد على حافة الحكاية وقالت: يا ملك الزمان، إن الرجل الذي حمل المشعل لم يكن يبحث عن مدينة يصل إليها، لأن الهناك الذي قصده لم يكن جهة ترسمها الخرائط، بل منزلة من منازل العقل؛ كلما بلغها تحولت إلى أفق أبعد. لقد انتقل عبد القادر فيدوح من غريس إلى وهران، ومن وهران إلى القاهرة، ومنها إلى طرابلس، ثم عاد إلى الجزائر، وعبر إلى البحرين، واستقر في قطر، غير أن رحلته الكبرى لم تكن بين المطارات والجامعات، بل بين طبقات المعنى. كان يسير في الكتب كما تسير الكواكب في أفلاكها، يحمل في قلبه شيئا من حزن الجزائر، وفي ذاكرته أصوات تلاميذ المدرسة الأولى، وفي عينيه بريق المدن التي آوته، وعلى كتفيه مسؤولية ناقد يعرف أن الثقافة العربية لا ينقصها الماضي العظيم بقدر ما ينقصها الحاضر القادر على محاورته. انضم إلى اتحاد الكتاب الجزائريين، وإلى جمعيات وملتقيات ثقافية في وهران والبحرين وقطر، ثم أصبح عضوا في الجمعية الدولية للدراسات السيميائية وعضوا في لجنتها التنفيذية بين عامي 2012 و2022، فكأنه كان يمد جسرا آخر بين العربية ولغات العالم، ويقول إن العلامة لا وطن نهائيا لها، وإن الإنسان، أينما كان، يترك على الأشياء أثره ثم يمضي. كُرّم في الجزائر والبحرين وقطر، وحصل على شهادات وجوائز وأوسمة، غير أن التكريم، في ميزان الحكاية، لا يقاس بما يلمع على الصدور، بل بما يبقى في العقول بعد انفضاض الاحتفال. بقي منهج درّبه، وطالب أشرف عليه، ومجلة أسسها، ومخطوط ساعده على الخروج إلى النور، وفكرة أرسلها في مؤتمر فالتقطها باحث مجهول في مدينة بعيدة، ثم بنى عليها نافذة أخرى. هكذا تتكاثر المشاعل: لا بأن يحتفظ حاملها بالنار لنفسه، بل بأن يقربها من فتائل الآخرين. ولم يكن فيدوح، في هذه الملحمة، بطلا يصارع تنينا واحدا ثم يعود إلى قصره؛ كان خصمه أشد مراوغة: الجهل الذي يتخفى في هيئة يقين، والجمود الذي يلبس ثوب الوفاء للتراث، والحداثة التي تتحول أحيانا إلى أسماء بلا معرفة، والمؤسسة التي تقيس العلم بعدد الأوراق ولا ترى أثره في الإنسان. لذلك لم تنته معركته عند كتاب، ولم تتوقف عند جامعة، ولم يقل إن المصباح بلغ غايته. ظل يفتح للتأويل معارج، وللجمال مقامات، وللمضمر دروبا، وللذاكرة سراديب يدخلها كي يستخرج منها ما نسيه الزمن. وحين كانت المنايا تجوس حوله، في سنوات الجزائر المظلمة أو في قلق المنافي، لم يجعل من الموت بطل الحكاية؛ كان يرده إلى الهامش كلما فتح كتابا، ويؤجله كلما خرّج باحثا، ويهزمه كلما وضع اسما جديدا على غلاف مجلة. فالذي يعلّم لا يغيب دفعة واحدة، والذي يكتب يوزع عمره على قراء لم يولد بعضهم بعد، والذي يؤسس منبرا للمعرفة يبني لنفسه بيتا في المستقبل.

وعندما لاح خيط الصبح، سكتت شهرزاد لحظة، لكنها لم تقل إن الحكاية انتهت. نظرت إلى آخر الليل فرأت عبد القادر فيدوح يمضي وحده بين خزائن هائلة، والمشعل في يده يرسل ضوءا أزرق يشبه حبر الكتب. كانت الرفوف تمتد أمامه حتى تلامس مدارات النجوم، وكانت المخطوطات تفتح أجنحتها كطيور نجت من حريق قديم، وكانت الحروف تتساقط حوله ثم تنهض في هيئات لم يعرفها القارئ من قبل. لم يلتفت وراءه ليرى الأوسمة، ولا توقف ليحصي مؤلفاته، لأن الباحث الحقيقي لا يقيس الطريق بما قطعه، بل بما بقي منه مجهولا. كان يجوس الظلام بقدم ثابتة، وكلما وجد بابا مغلقا رفع المشعل إلى نقشه، فبانت علامة تقوده إلى باب آخر. سأله حارس المكتبة الأبدية: إلى أين تمضي، وقد عبرت كل هذه البلاد، وقرأت كل هذه النصوص، وأشرفت على كل هؤلاء الباحثين؟ فأجابه من غير أن يبطئ خطوه: أمضي إلى الهناك. قال الحارس: وأين الهناك؟ فرفع فيدوح مشعله نحو فضاء لم تطأه العبارة بعد، وقال: هو المعنى الذي لم نمنحه اسما، والنص الذي ما زال ينتظر قارئه، والسؤال الذي يخشاه الجهل لأنه إذا وُلد تبدد نصف الظلام. ثم مضى، وتبعته كتبه كقافلة من النور: دلائلية النص في المقدمة، والرؤيا والتأويل عن يمينها، والجمالية عن يسارها، ومعارج المعنى ترفع سلّمها نحو الأفلاك، وأيقونة الحرف تنثر حوله غبارا صوفيا، وتأويل المتخيل يفتح في الهواء أبوابا لا تُرى. وعندئذ أدركت شهرزاد أن بعض الرجال لا تُروى سيرتهم في ليلة واحدة، لأن كل كتاب لهم ليلة، وكل طالب فجر، وكل فكرة نجمة، وكل مدينة فصل من ملحمة لا تعرف الخاتمة. وسكتت عن الكلام المباح، لا لأن الحكاية نفدت، بل لأن المشعل ابتعد في أقصى الهناك، وبقي ضوؤه، مثل وعد لا يشيخ، يجوس في الظلام.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٣:٢٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د
بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري

المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني
قراءات

بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني

/ المغرب مقدمة تشكل قصيدة الحداثة المغربية المعاصرة بنية دينامية، تسعى باستمرار إلى تكسير الأنماط اللغوية الجاهزة واستبدالها برؤى شعرية تتأرجح بين اليومي والكوني، والواقعي والصوفي. ويندرج ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المغربي المصطفى حناني (الصادر عن دار الدراويش للنشر والترجمة) ضمن هذا الأفق…

· 12 د