حين يغدو المكان في الرواية أكثر من مجرد مسرح جغرافي محايد وتتحول جدرانه وأزقته وأنهاره إلى كائنات ناطقة بالخراب ومستودعات للدم المهدور، تصبح أدوات النقد السردي الكلاسيكي عاجزة عن الإحاطة بفيض الدلالة ما لم تستنجد بـ سيميائيات الفضاء (Semiotics of Space) ونظريات الذاكرة الثقافية (Cultural Memory). في رواية "سؤال النار" للكاتب علي لفته سعيد، لا نلتقي بمدينة بغداد بوصفها حيزا مدينيا مألوفا، بل بوصفها "حقلا دلاليا جريحا" تتراكب فيه طبقات التاريخ وتتصادم في أزقته شواهد الحضارات، لتتحول كل عتبة، ورصيف، وحافة نهر إلى علامة مشحونة بالصراع بين المحو والتدوين، والموت والانبعاث.
ينعقد هذا البحث عبر منهج السيميائيات السردية والثقافية؛ وهو منهج يتيح تفكيك العلاقات البنائية التي تشد دوال المكان إلى شبكة المعنى الكلي في النص. وفي إطار هذا المنهج، تنهض المقاربة السيميو-فضائية والذاكرة الثقافية كمسار تحليلي يتقصى كيفية تنظيم السرد للمجال الجغرافي واستنطاق الحدود والفواصل المكانية بالاستناد إلى أطروحات "يوري لوتمان" (Yuri Lotman) حول "سميوسفير الثقافة" والحدود الفضائية الفاصلة بين الفضاء الداخلي الحميم والفضاء الخارجي المعادي، ومفاهيم "غاستون باشلار" (Gaston Bachelard) في جماليات المكان وألفة البيت وانغلاقه، جنبا إلى جنب مع نظرية "يان أسمان" (Jan Assmann) في التمييز بين الذاكرة التواصلية الحية والذاكرة الثقافية المؤسسة على النصوص والآثار. ويوجه هذا العمل منظور الجغرافيا الرمزية ونقد المركزيات المكانية؛ لقراءة حركة البطل بين فضاءات الاحتجاز والتجوال، وكشف الكيفية التي استحال بها المكان العراقي إلى مرآة عاكسة لاحتراق الوعي تحت وطأة "سؤال النار".
1. عتبات المكان المغلق: سيمياء "المكتبة المنزلية" وانحباس الوعي التراثي
يفتتح النص مجاله الجغرافي بحركة انكماش وانحباس قاسية؛ حيث يلوذ البطل بـ "غرفة المكتبة" داخل البيت العائلي، ليصنع منها فضاء مغلقا ومعزولا عن حركة العالم الخارجي. إن هذا الفضاء ليس مجرد ركن للقراءة، بل هو غرفة تحصين واحتجاز أنطولوجي، يفرش فيها السارد أزمته المعرفية فوق البلاط، محولا الأرضية إلى جغرافيا من الكتب المتناحرة.
تتبدى هذه المعمارية المكانية في المشهد الحفري الذي يدشن به البطل عزلته: "دخلت غرفة المكتبة وأغلقت الباب بالمفتاح. تحرّكت بهدوء حتى لا تثير خطواتي انتباه أمّي وزوجتي.. فرشت على الأرض أكثر من عشرين كتابا تبدأ عناوينها بكلمة (تاريخ) مثلما وضعت قبالتها عشرين كتابا في التفسير، ومثلها وضعت في الجهة الثالثة كتبا في التحليل والتدقيق. أبقيت ضلعا في المربّع لأقف فيه.. هذا الكتاب يعاكس هذا، وذاك ينسف ما جاء في الاثنين، وآخر يكذّب، وذاك يشذّب ويضيف ويحذف.. كتمت صرخة كادت ترجّ البيت" (ص 12).
تُشير هندسة هذا الحيز إلى تشكيل مكاني مغلق على هيئة "مربع ناقص ضلعا"؛ حيث تحاصر الكتب البطل من ثلاث جهات، في حين يمثل الضلع الرابع الشاغر موقع وقوفه كذات محاصرة بالأرشيف. إن إغلاق الباب بالمفتاح هو ترسيم سيميائي حاسم لحدود "السميوسفير" الداخلي المعزول وفصله عن فضاء البيت العائلي حيث الأم تصلي والزوجة تنتظر. غير أن هذا المكان، بدلا من أن يمنح السكينة الحميمية بحسب تصور باشلار للغرفة المغلقة، ينقلب إلى فضاء للاختناق والتشظي؛ فالكتب المفروشة على الأرض تفقد وظيفتها المعرفية لتتحول إلى جدران وهمية تصد الضوء وتمنع الهواء، ويغدو البلاط ساحة معركة رمزية تشتعل فيها نصوص التاريخ المتناقضة.
ويتضاعف هذا التوتر المكاني حين تنكسر وظيفة الأشياء المؤثثة للغرفة، لتصبح علامات على الموت المؤجل والتربص: "أغلقت عيني، وجدته يقف أمام المكتبة ويفتح بابا من أبوابها ويستلّ الرسالة بجلدها الأسود وبحجمها الكبير.. وقف متخصّرا أمام الكتب الحديثة.. تضاء الفسحة التي أمامي فيجلس في داخلها القرفصاء، ممسكا بكتاب لا أعرف ما عنوانه.. استغرق في القراءة من فتحة عينيه.. ضحكت كمن وجدها فرصة لصيد ولو كان غير سمين.. انطفأ من حدّته بقعة الضوء، وبان ظلّانا طويلين، حيث تسلّلت أشعة الشمس من حركة الستارة" (ص 21، 22).
يكشف هذا الحضور الطيفي لشخصية "ذا الأسماء" داخل الغرفة عن تحول المكتبة من حيز مادي واقعي إلى "مكان طيفي هيتيروتوبي" تتلاشى فيه الفواصل بين الحلم واليقظة. إن الخزانة التي تُستل منها المجلدات السوداء تصبح بوابة لعبور أشباح الماضي، وتتحول حركة الظلال على الجدران وتسلل الضوء من شقوق الستارة إلى لغة سينوغرافية تعكس تآكل الأمان الداخلي. تصبح الغرفة سجنا مزدوجا: سجن الأوراق القديمة التي تأبى أن تموت، وسجن العقل الذي عجز عن مغادرة عتبة السؤال، مما يجعل كل خطوة داخل هذا الحيز الضيق بمثابة دوران عبثي في متاهة نصية مقفلة.
2. جغرافية الفجيعة في "شارع المتنبي": تقاطب الحبر والدماء على أرصفة الورّاقين
حين يغادر البطل احتباس الغرفة، ينفتح السرد على الفضاء الخارجي الأكثر التهابا في الذاكرة الجمعية البغدادية: "شارع المتنبي". لا يحضر هذا الشارع في النص كمعلم سياحي أو تجاري عابر، بل يتشكل سيميائيا بوصفه "بؤرة الصدمة" ومركز الفجيعة؛ فهو المكان الذي شهد تفجير عام 2007 الذي استشهد فيه والد البطل واختلطت فيه أشلاء الأجساد بأوراق المخطوطات والكتب المحترقة.
يصف النص خروج البطل وتردده على عتبات هذا الشارع المأزوم: "لم تكن خطواتي باتجاه شارع المتنبي يسيرة، بل كانت صعبة. كنت تحت رحمة أعصاب لم أتحكّم فيها. أخذتني الخطوات إلى مدخل الشارع من حيث كنت أتجنّب المرور طوال الزمن الماضي الذي تلا الانفجار.. لم أنتبه إلى طبع خطواتي على مكان الانفجار. كان كلّ باعة الرصيف باعة كتب، والمكتبات تمدّ ألسنتها نحوي بطرق مختلفة.. أردت الاستقلال ولو لفترة محدودة لأرى موضع رزقي.. أن أكون على بسطيتي في شارع المتنبي" (ص 63).

تؤسس هذه العودة إلى الشارع ما يمكن تسميته بـ "طوبوغرافيا الندبة"؛ فالأقدام التي تخطو بحذر وتتجنب موضع الانفجار تعكس رعب الجسد من ملامسة الأرض المحروقة. تتحول "البسطية" الخشبية التي يضعها البطل على الرصيف إلى عتبة وجودية ومهنية ملتبسة؛ فهي وسيلته لكسب العيش بعد انسداد أبواب التوظيف الحكومي، لكنها في الوقت ذاته منصة تُعيده إلى قلب المحرقة التراثية. إن امتداد واجهات المكتبات كـ "ألسنة" نحو المارة يشحن الشارع بصفات كائن أسطوري مفترس يقتات على عقول رواده ويستدرجهم نحو صراعات الماضي.
ويتعمق هذا التشكيل السيميو-فضائي حين تتصادم وظيفة الشارع الثقافية الأصيلة مع طوفان التزييف والاضطراب الذي طرأ عليه بعد الاحتلال: "شارع المتنبي عالم غريب.. شارع حافل بالنشاطات والمتناقضات. جيل يسلّم جيلا والأزقة ذاتها التي تفوح منها رائحة الكتاب ليست الأزقة المتفرعة منه، بل حتى الأزقة البعيدة عنه وهي الأكثر غرابة في عالم الكتب. فقد تحوّلت بيوتات الحيدرخانة القديمة إلى مكتبات لبيع الجملة، ومستودع الكتب القديمة.. أمكنة تعيش تقلبات التاريخ مثلما تمتزج بها تقلبات الحياة اليومية بتنافرات أصحابها، حتى لكأن هذه البيوت أو المكتبات التي استغلّت البيوت القديمة الآيلة للسقوط والتي تفوح منها رائحة الجص، والعث، والرطوبة، والطين لا تلتقي مع فروع شارع الرشيد" (ص 184).
يُرسم الشارع هنا كطبقات جيولوجية متراكمة تتصارع فيها الذاكرة مع النسيان؛ فالبيوت العتيقة في أزقة الحيدرخانة تفقد هويتها المعمارية والسكينة الأسرية لتستحيل مخازن رطبة تتكدس فيها أطنان الورق المهترئ وتفوح منها روائح الجص والعث والبارود القديم. هذا التداخل بين المعمار التاريخي المنهار وحركة البيع الفوضوية يكشف عن تحول الفضاء الثقافي إلى "سوق هجين" يمتزج فيه البحث الصادق عن المعرفة بمشاريع التزييف وإعادة تدوير المرويات الطائفية؛ حيث يصبح الرصيف مكانا مكشوفا يمارس فيه العابرون لعبة التنازع على الهوية تحت مراقبة بنادق العسكر وأعين المخبرين.
3. سيمياء النهر والجسور: دجلة بين ذاكرة الإغراق واستعادة البراءة
يمثل نهر دجلة المحور الهيدروغرافي والرمزي الأعمق في الرواية؛ فهو الشريان الطبيعي الذي يشطر بغداد إلى كرخ ورصافة، لكنه في المتن السردي يتحول إلى "ذاكرة مائية سائلة" تحتفظ بكل ما أُلقي في جوفها من أسرار وضحايا ومخطوطات منذ سقوط الخلافة العباسية عام 658هـ حتى التفجيرات المعاصرة.
تتجلى هذه الرمزية النهرية في وقوف البطل مع طيف "ذا الأسماء" على ضفة النهر المشرفة من شارع المتنبي: "أشار إلى النهر، إلى دجلة.. كان فضاء القشلة ينفتح على الماء. قال لي بصوت جهوري: تعال معي إلى غرناطة لأدلّك على قبر نبش وعلى خدّ صفع؟ تعال وأنت تسأل عن السماء التي أوحت أو هكذا أخبروا المقاتلين.. لم يكمل قولته، كانت الساعة قد وصلت إلى عمر الفجر، ينظر إلى المدينة يتفحّص طرقها، وشوارعها، وأرصفتها المأكولة.. فاجأته بسؤال: هل حقا صار لون ماء دجلة أسود حين أغرق هولاكو الكتب فيه؟ لم يضحك، وظلّ محتفظا بهدوء عجيب.. كأنه لم ينزعها منذ آخر حرب" (ص 36، 72).
يتحول ماء دجلة في هذا المشهد إلى وثيقة تاريخية بصرية؛ فسؤال السارد عن اسوداد مياه النهر بحبر المخطوطات زمن الغزو المغولي ليس استفسارا ماضويا، بل هو استنطاق لمأساة الحاضر؛ حيث استحال النهر مجددا إلى مدفن للضحايا ومصب للدموع والبارود. إن انفتاح فضاء القشلة على مجرى الماء يضع الذاكرة المعمارية في مواجهة السيولة المائية؛ فبينما تحاول المباني تخليد سلطة الحكام، يواصل النهر جرف الأكاذيب وتذكير المدينة بأن كل ما شُيّد على ضفافه من عروش وقصور قد انتهى إلى العدم.
وعلى خلاف وظيفة النهر كمقبرة للأرشيف المغدور، ينقلب فضاء الضفاف في المنعطف الأخير من الرواية إلى أفق للخلاص واسترداد الطمأنينة: "جلست عند حافة النهر.. رأيت النوارس تطير من وسط النهر تذهب إلى الجهة الأخرى وتعود إلى الجسر تحلّق هناك مداعبة مَنْ يقدّم لها الطعام كما اعتاد زوار شارع المتنبي أن يفعلوا.. انفتحت كل نوافذ العالم أمامي، رأيت القشلة تحتضن هارون الرشيد فيما كانت الجواري تحطّ عند قدميها.. رمى حجرا صغيرا في الماء، فتحرّك الغرين الذي حوّل الماء إلى لون طيني، فلم يكن ضوء النهار ينعكس عليه.. قلت له: لن أحرق عقلي في رماد الموتى، سأتمسك بالماء والضوء" (ص 99، 100، 132).
تُمارس "النوارس وحركة الأمواج" وظيفة سيميائية تطهيرية تكسر قتامة المشهد التاريخي؛ فتحليق الطيور بحرية فوق مجرى دجلة يُمثّل علامة على البراءة الفطرية العابرة للحروب والمذاهب. إن حركة إلقاء الحجر في الماء وتحريك الغرين الطيني ترمز إلى رغبة البطل في كشف القاع الراكد للتاريخ، لكنه سرعان ما يدرك أن الخلاص الحقيقي لا يكمن في البقاء داخل عتمة الطين المائي، بل في معانقة الضوء المتكسر على السطح والانحياز إلى الحياة الحاضرة التي ترمز إليها النوارس البيضاء المتسامية فوق ركام الفجائع.
4. طوبولوجيا الذاكرة وسلطة الأثر: سيمياء القشلة والمآذن والأزقة البغدادية
تنتظم في الرواية شبكة من الآثار والمعالم المعمارية التاريخية التي تؤثث فضاء بغداد القديمة: (مبنى القشلة وساعتها البرجية، جامع الحيدرخانة، منارة الإمام أبي حنيفة النعمان في الأعظمية، وقباب الإمام موسى الكاظم في الكاظمية). هذه الأمكنة لا تحضر كأوابد سياحية جافة، بل كـ "علامات مكانية مشحونة بالأيديولوجيا" وصراع الهويات.
يرصد النص كيف تتجاور هذه المعالم وتتصارع في وعي البطل أثناء تجواله المذعور في المدينة: "تبادلنا الجهتين لأرى ما رآه، ويشاهد ما شاهدته.. كان ينظر إلى جهة اليسار فيرى المنائر الأربع للإمام الكاظم، وأنظر إلى جهة اليمين فأشاهد منارة الإمام أبي حنيفة النعمان بساعتها الشاهقة.. حاولت الابتعاد بالاقتراب من بوّابة جامع الحيدرخانة؛ لعلّ الخليفة الناصر لدين الله يخرج من صومعته ويذود عن الحرية.. أرى سواحل تمتدّ من باب المراد إلى باب المدينة، ومن باب الرجاء إلى باب السماوات السبع، ومن باب الشام إلى شارع المغرب" (ص 127، 170).
يُفكك هذا المقطع الطوبوغرافي جغرافية الانقسام المذهبي والرمزي في الفضاء البغدادي؛ فالوقوف بين منارات الكاظمية ومئذنة الأعظمية الشاهقة يختزل التمزق التاريخي الذي حوّله تجار الطائفية بعد 2003 إلى متاريس للموت وتصفية الحسابات. إن رصد حركة "الأبواب" التاريخية (باب المراد، باب الشام، باب المعظم) يوضح كيف تحولت المدينة في وعي السارد إلى "جغرافيا مقدسة ومحاصرة" في آن واحد؛ حيث تتنازع الرموز الدينية السيادة على الفضاء العام، وتتحول المآذن من منابر للدعوة إلى أبراج مراقبة ترصد حركات العابرين وتُحصي أنفاسهم.
وتكتسب "ساعة القشلة" العثمانية دلالة سيميائية خاصة ترتبط بضبط الزمن السلطوي ومحاولة ترويض المجتمع: "وقفنا عند درجات السلّم الموصل إلى ساعة القشلة، وراح ينظر إلى بنائها مفتّشا عن أمر في العهد العثماني، ربما تخيلها مئذنة لجامع، أخبرني شخص بأنها ساعة تراثية تعمل باليد.. ضحكت وأخبرته بما قاله مدوّن آخر من أن نامق باشا العصملي بناها لتكون مقرا للولاية ودوائرها الرسمية وثكنة عسكرية للجيش العثماني المسؤول عن حماية أمن بغداد واختير مكانها المحاذي لضفاف دجلة وسط المنطقة المركزية" (ص 235-236).
تُمثّل القشلة وساعتها في الرواية رمزا لـ "المكان الإمبريالي المنضبط"؛ فهي البناية التي شُيدت لتجمع بين الإدارة البيروقراطية، والثكنة العسكرية، وبرج المراقبة الزمني الذي يُلزم الأهالي بالانضباط لقوانين الوالي. إن التباس وظيفة البناء في ذهن الطيف بين "المئذنة" و"الساعة العسكرية" يفضح التحالف التاريخي المستمر بين المؤسسة الدينية والآلة الحربية الحاكمة؛ فالمكان شُيّد لترسيخ الهيمنة وتطويع الفضاء المديني لخدمة الجيوش الغازية، مما يجعل وقوف البطل في باحتها بمثابة وقوف في مركز الثقل الاستبدادي الذي تتابع على حكم العراق منذ قرون.
5. الجسد بوصفه فضاء عابرا: من جغرافيا التمزق إلى انبعاث الفطرة
لا ينفصل الجسد الإنساني في رواية "سؤال النار" عن جغرافيا المدينة وأزقتها؛ فالجسد يشتغل سيميائيا كـ "مكان ميكروكوزمي مصغر" (Microcosmic Space) تنطبع عليه كل تشوهات الخارج وندوبه. إن الصراع التاريخي والحروب التي ضربت شوارع بغداد لا تظل أحداثا برانية، بل تتحول إلى أعراض فسيولوجية وعلل بيولوجية تستوطن جسد البطل.
تتجسد هذه المماهاة العضوية بين الجسد والفضاء المأزوم في المعاناة الجسدية المستمرة للراوي: "أحسست بارتطام رأسي بالباب، حرارة تصعد من أسفل قدميّ إلى قحفة رأسي كأنها لهيب حريق شبّ في بساتين النخيل.. كان بلعومي يابسا كأرض الرافدين في سنوات القحط، ودقات قلبي تتسارع كطلقات رشاش في ليلة مداهمة.. شعرت بورم في رأسي تتكدّس فيه الأقوال، ليحشر كل مدوّن كلماته في لحمي.. أتحسس أطرافي فأجدها تترنّح كأنها خيوط عنكبوت واهنة في زاوية جدار متهدم" (ص 24، 120، 148).
يُترجم هذا التوصيف الحسي مفهوم "جسدنة الفضاء"؛ فالرأس المتورم يُماثل ركام المباني المهدمة، والبلعوم اليابس يستعير جفاف الأرض ونقصان مياه النهر، وتسارع نبضات القلب يُحاكي فوضى الإطلاقات النارية في الشوارع. إن الكلمات والتواريخ المزورة لم تعد أفكارا مجردة، بل غدت "كتلا سرطانية وشظايا مادية" تنغرس في النسيج الحي، لتؤكد أن المثقف لا يقرأ التاريخ بعقله فقط، بل يتلقى طعناته في خلاياه وأعصابه.
لكن هذا الجسد المستلب يستعيد عافيته وتوازنه المكاني في اللحظة التي يقرر فيها كسر العزلة ومعانقة الوجود الحي عبر طاقة الحب والأنوثة: "التفتّ إلى زوجتي.. كانت تقف بجانب السرير، وضوء الصباح يغسل ملامحها المتعبة، فتبدو كأنها نخلة خرجت لتوّها من غبار المعركة.. أزاحت خصلة شعرها، ففاحت رائحة الهيل والياسمين العراقي، رائحة لا تشبه عفونة المخطوطات القديمة.. وضعت كفّي في كفّها، شعرت بنبض دافئ يسري في عروقي الباردة.. في تلك اللحظة سقطت كل الأسئلة الحارقة، وانفتحت أمامي أبواب الحياة الحقيقية" (ص 194-195).
يمثل حضور المرأة والأنوثة في ختام الرواية "استردادا للمكان الطاهر والخصب"؛ فرائحة الهيل والياسمين المنبعثة من جسد الزوجة تُبطل مفعول روائح العث والغبار والبارود المتكلسة في كتب التاريخ. إن تشابك الأيدي وانتقال الدفء يُمثّل تدشينا لفضاء وجودي جديد يتعالى على مقابر المدوّنين، مؤكدا أن الجسد البشري لا يجد خلاصه في الانصياع لأوهام الأرشيف السلطوي، بل في الانخراط الحميم في تيار الحياة المعاشة والانتصار للحب بوصفه الحقيقة الوحيدة الصامدة في وجه أركيولوجيا الخراب.
خاتمة
تكشف القراءة السيميو-فضائية لأبعاد الذاكرة الثقافية في رواية "سؤال النار" لعلي لفته سعيد عن نص روائي يُعلي من شأن "المكان الحفري" ويجعله الفاعل الأساسي في توليد الدلالة وبناء المأساة التراجيدية للإنسان العراقي المعاصر.
لقد برهنت الرواية على أن الفضاء السردي في بغداد ليس مجرد حيز فيزيائي لاحتواء الشخوص، بل هو "أرشيف بصري وطوبوغرافي ملغوم" تتصارع فيه طبقات الذاكرة التراثية الحاكمة مع صدمات الحاضر المنكوب بالمفخخات والتمزق الطائفي؛ حيث نجح الكاتب في تحريك بطله عبر متوالية مكانية تبدأ من (انحباس الغرفة والمكتبة البيتية) مرورا بـ (صدمة شارع المتنبي وضفاف دجلة وأوابد القشلة)، وصولا إلى (الانفتاح التطهيري على بهاء الفطرة والجسد المعافى بالحب).
وتتأسس القيمة الفكرية والجمالية للعمل في قدرته على تعرية آليات التزييف التي مارسها "المدوّنون" عبر التاريخ لإخفاء جرائم الاستبداد وشرعنة العنف باسم المقدس؛ فالنص يضع القارئ أمام حقيقة نقدية صارمة تؤكد أن التحرر من كوابيس الحاضر يبدأ بالضرورة من تفكيك الأرشيف المزور ونزع القداسة عن حروب السلف، لإعادة بناء المكان الوطني بوصفه فضاء للعيش المشترك والمحبة الإنسانية الحرة.







التعليقات