حين تصادر الآيديولوجيات والحروب الأهلية أحلام البشر الكبرى، ويتحول الواقع إلى كابوس خانق تضيق به جغرافية الجبل والسهل على حد سواء، يغدو السرد الواقعي التقليدي عاجزاً تماماً عن استيعاب حجم الخيبة. هنا تحديداً تبرز الحاجة إلى تفجير طاقة المخيلة لا للهروب من الواقع المأزوم، بل لإعادة خلقه وفضحه ومواجهته. في هذا الفضاء الطليعي المتمرد، يشيد الروائي الكردي بختيار علي ميثولوجيا سردية جديدة، محولاً الواقعية السحرية من مجرد ترف جمالي أو زينة بلاغية، إلى فعل تمرد وجودي يواجه انكسارات التاريخ ومآسي الهزائم السياسية. إن القراءة المتأنية لروايات بختيار علي مثل غزلنوس وحدائق الخيال، تكشف عن وعي نقدي حاد يدرك أن كوابيس الاستبداد والاقتتال الداخلي لا يمكن هزيمتها بأدوات الواقع المسطح ذاته. لذا يلجأ الكاتب إلى الأسطورة والرموز العجائبية لبناء يوتوبيا موازية كحدائق الخيال ومدن الموسيقيين البيض التي تواجه قهر البنادق وجهل الحدود المصطنعة. الأسطورة هنا ليست استدعاء لتباك تراثي ساذج، بل هي قناع ثوري يعيد ترميم الذاكرة الجماعية المشظاة. إنه يعلم شخصياته كيف تحلق بالخيال لتتحرر من أسر الهزيمة التاريخية، جاعلاً من الفن والجمال الخندق الأخير للدفاع عن نقاء الروح الإنسانية. هذا التوظيف الخلاق للواقعية السحرية يقدم تشريحاً فكرياً للتحولات الاجتماعية العنيفة التي عصفت بالمنطقة. عندما تفشل المشاريع السياسية وتتحول الوعود الثورية إلى خيبات مريرة، يتقدم الروائي ليصنع بالخيال ما عجزت الواقعية السياسية عن إنجازه. إن بختيار علي ينظر إلى الخيبة لا بوصفها نهاية المطاف، بل كمنطلق لإعادة تعريف شروط الوجود الإنساني، فالأسطورة لديه تفضح زيف الشعارات الشوفينية والحروب العبثية التي شوهت نقاء التجربة الإنسانية، لتغدو الكائنات الطائرة والرموز الميثولوجية بمثابة صرخة احتجاج ضد الابتذال اليومي. نستطيع القول بان بختيار يعيد تعريف معنى المقاومة الأدبية. إن كتاباته تقف على الضفة ذاتها التي وقفت عليها طليعة التجديد الأدبي. حيث الكتابة مغامرة وجودية ودعوة للتحليق الحر فوق حقول الألغام الأيديولوجية. إن هذه الميثولوجيا السردية تخبرنا بأنه عندما يغلق الواقع أبوابه بالحديد والنار، فإن الخيال يظل هو الفاتح الأبدي الذي يعيد صياغة أمل الإنسان وصنع عدالته المفقودة وسط ركام الهزائم.
صناعة الخيال ضد كوابيس التاريخ: ميثولوجيا بختيار علي وسحرية السرد الكردي

آخر تحديث: ٩ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٣:٣٤ ص






التعليقات