الكواليس هي الأحداث المخفية التي تسبق ظهورها. وهنا يأتي عنوان المجموعة بوصفه عتبةً دالّةً على أحداث خاصة جدًا؛ إنها أحداث ما قبل النص، فلكل نص نقرأه في دقائق كواليسه التي ربما امتدت لسنين.
أما «المنسيّ» فهو علامة التهميش وعدم التذكّر؛ أي إن العنوان لا يمثل لغةً فحسب، وإنما يمثل حياةً من آلاف الحيوات المهمّشة التي قررت أن تمنح اللغة وجودها.
ومن المتعارف عليه أن يكون التقديم قراءةً أو نقدًا أدبيًا لأي مجموعة شعرية، بيد أن الشاعر جعل التقديم نصًا، في ابتكار لطيف، وكأنه يهيّئ المتلقي لما سيأتي. فيقول إن الشعر مقيّد بالوزن، ولذلك يفضّل النثر، لكنه يمزج اللغة بالسعال ليجترّ جملةً، وإن نصوصه هي في صدره: ساعات، أو أمنيات، أو...
فما الذي قدّمته النصوص، أو بالأحرى، ما الذي أخرجه الشاعر من صدره لنا؟ لقد أخذنا في رحلة فائقة السحر والألم معًا؛ فبينما نعجب بالنص، تموت فينا خلايا الحزن، ولا سيما في النصوص التي تناولت الإرهاب وما جرى لفتيات سنجار على وجه الخصوص.
إنها وصمة عار تلاحق الإنسانية مهما طال الزمن، ووصمة خزي لن تُمحى من جبين الإنسانية الصامتة والمشاركة في هذه الكارثة. لقد سقطت الإنسانية مرارًا، لكن سقوطها آنذاك كان مقززًا ومقرفًا، حتى إن الإنسان ليستحي أن يكون إنسانًا وهو يرى إنسانًا مثله يُقتل ويُسبى.

وأول نص في هذا السياق هو «يوفا»، الذي صدر بتصدير وإهداء إلى الأطفال الذين راحوا ضحايا الحروب، وفيه إدانة واضحة للحرب. واختيار الأطفال هنا مقصود؛ لارتباطه بـ«يوفا»، الفتاة السنجارية التي ذكر الشاعر قصتها في الهامش.
فكيف تناول الشاعر هذا الموضوع الذي أثار تعاطف المتلقي قبل أن يقرأ النص؟ لعل هذا هو أحد مقاصد الإهداء؛ أن يدخل المتلقي إلى النص وهو يحمل مسبقًا سؤال الطفولة المنتهكة.
يبدأ النص بـ:
««مذاك
منذ سقطت
وأنا ألعن
كل مقابض هذا العالم».»
مذ ماذا؟
إنه لا يريد أن يتذكّر الوقت، بل يستدعي لحظة السقوط نفسها: منذ تلك الحادثة، منذ تلك المأساة، منذ ذلك الظلم، منذ سقطت. إنه سقوط من الحياة نفسها، وليس من السيارة.
«وأنا ألعن كل مقابض هذا العالم».
أيّ مقابض هذه؟
إنها مقابض أبواب السيارة التي لم تتوقف لينتشلها أبوها من السقوط، ولا بد قبل المقابض من أكفٍّ لم تساعدها ولم تفتح الباب.
ثم يقول:
««وكل مطبّ...
يجتاح الطرق القروية».»
المطبات هنا لا تكون مدعاةً للتوقف؛ لأن السيارة استمرت في السير رغم وعورة الطريق، فيتحول المطبّ من تفصيل واقعي إلى شاهد آخر على قسوة اللحظة وعجز الطريق عن إنقاذ طفلة تسقط منه.

وبعد ذلك يصحو الشاعر ليخاطب يوفا، بل ليسألها أسئلةً مرّة:
««لماذا لم تفترش
كل غمائم هذا العالم
أرض سقوطك؟»»
لماذا لم تتدخل السماء بعينها في الأرض الصلبة، والصلدة، والمجرمة؟
««لماذا لم يلفظك الدرب؟
أو تسعفك الريح؟»»
إنه يناجي ويسأل عناصر الطبيعة كلها، من الريح والدرب، ثم ينتقل إلى الإنسان ممثلًا بـ«الخاتون» التي تحمي الأطفال، حسب مفهوم الإيزيديين، كما بيّن الشاعر في الهامش.
حقًا، لماذا لم تحمِ الخاتون يوفا؟
ليصل الاستفهام المرّ إلى الرب:
««لِمَ تكبر ربّ العرش
أن يفتح حضنه...
ويضم جديلتك؟»»
وهنا لا أجوبة، بل بكاء عميق على هذه الإنسانية المقيتة.
ثم يسترسل الشاعر متخذًا من عتاب الله أسئلةً مفجعة، وكأنه أب أو أم ينوح ويعاتب، قبل أن يبلغ السؤال ذروته في:
««ما كان شعور الله
وهو يراقب...
عربة أبيك المبتعدة؟»»
هنا لا يعود السؤال مجرد استفهام ديني، بل يتحول إلى مساءلة للعدالة نفسها، وإلى مواجهة بين طفولة عاجزة وإله يُفترض فيه أن يرى ويسمع ويحمي.
ثم يتابع:
««مذاك
وأنا أحلم...
أن تزهر صرخاتك...
التي أطلقتها
في موازاة الطريق».»
فالصرخات هنا هي سمفونية الطفولة، والطريق هو الحياة، أو رمز لها؛ صرخات لا تموت بانتهاء لحظتها، بل تظل تبحث عن استجابة مؤجلة.
لنصل إلى رمز «اللحية»، بوصفها علامةً على الإرهاب والجريمة، فيختصر الشاعر في هذه المفردة صورةً كاملةً للقاتل والسلطة الدينية الزائفة التي تقف في مواجهة طفولة عارية من كل حماية.

ثم ينتهي النص بمناجاة يوفا نفسها، ويتخيل مصيرها في مشهد بالغ القسوة:
««سيأتي يوم
تلاقين فيه الله...
ذاك الذي انحاز وقتها
إلى جنوده...
سيعتذر!!!»»
ثم تأتي المفارقة الأكثر قسوة:
««وقتها...
أديري ظهرك
ولا تقبلي اعتذاره!!!»»
إنها نهاية لا تبحث عن مصالحة، بل تؤسس لموقف أخلاقي من المأساة؛ فاعتذار الله المتخيّل لا يمحو فجيعة الأم، ولا خيار الأب، ولا وقوف الطفلة في فوهة الموت عاريةً من كل عطف أو درع رحمة.
وهنا تكمن قوة «يوفا»: فالشاعر لا يكتفي باستعادة حادثة فردية، وإنما يحوّلها إلى سؤال مفتوح عن الإنسان، والقدر، والحماية، والعدالة، ومسؤولية العالم أمام طفولة تُترك وحيدةً في فوهة الموت.
و«يوفا» بهذا المعنى ليست نصًا عن طفلة سنجارية فحسب، بل عن الطفولة حين تصبح ضحيةً لتاريخ لا ذنب لها فيه، وعن الإنسانية حين تفشل في أبسط امتحاناتها: أن تحمي طفلًا.
ولذلك أرى أن هذا النص، كما المجموعة كلها، يمثل نفسًا جديدًا في الشعرية العراقية؛ ليس لأنه يكتب عن الألم فحسب، وإنما لأنه يحاول أن يمنح المنسيّ وجودًا شعريًا، وأن يحوّل ما يحدث في كواليس الحياة إلى متنٍ لا يستطيع القارئ تجاوزه بسهولة.
شكرًا للشاعر الكبير اشتياق موفق خليل الذي عرّفني إلى صوت لا أقول إنه سيكون كبيرًا، بل هو كبير الآن.
يوفا
(الى كل الأطفال الذين سقطوا ضحايا في الحروب
والنزاعات وبالأخص ((يوفا))
مذاك
منذ سقطت
وانا العن
كل مقابض هذا العالم.
كل الأكف التي تمتد
ولا تمتد
كل مطب...
يجتاح الطرق القروية.
يوفا...
لماذا لم تفترش
كل غمائم هذا العالم...
ارض سقوطك؟
لماذا لم يلفظك الدرب؟
او تسعفك الريح؟
لماذا لم تمتد يد (الخاتون)*
نحو طفولتك؟
لما تكبر رب العرش
ان يفتح حضنه...
ويضم جديلتك؟
يوفا...
مذاك
وأنا أتساءل...
ما كان شعور الله
وهو يراقب...
عربة ابيك المبتعدة؟
ما كان شعوره...
وهو يراقب
دموع عيونك
ورجيف شفاك المرتعدة؟
هل كان يشاهد
حركات ابيك
وهو يسافر نحو الخيبة؟
نحو خيار سادي ارعن؟!
يوفا...
مذاك
وانا احلم...
ان تزهر صرخاتك...
التي أطلقتها
في موازات الطريق.
احلم ان يستجيب الدرب
لأي دمعة ذرفتها
فوق ترابه.
او تشفع لك
خدودك المحمرة
الناطقة من تحت الغبار...
امام اي لحية.!
.........
يوفا....
سيأتي يوم
تلاقين فيه الله...
ذاك الذي انحاز وقتها
الى جنوده...
سيعتذر!!!
حينها...
أعيدي شريط الذاكرة...
بفجيعة أمك.
وخيار ابيك.
ووقوفك في فوهة الموت...
عارية من اي عطف
او درع رحمة!!
وقتها...
أديري ظهرك
ولا تقبلي اعتذاره !!!
الهوامش :
* يوفا: هي فتاة سنجارية سقطت من سيارة والدها (البيك أب) بينما كانت عصابات داعش تطاردهم. لم يستطع الأب المسكين التوقف لالتقاطها، وإلا لعرّض حياة الأسرة جميعها لخطر الهلاك.
* الخاتون: «خاتون فخرا»، وهي امرأة لها قدسية في الثقافة الدينية الإيزيدية، ومن إحدى مهامها حماية الأطفال حسب مفهوم الإيزيديين.







التعليقات