انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

شعرية الصدمة: معمار القفلة في «على ضفاف دمعة» لنبيهة محضور

د.مراد ترغيني
د.مراد ترغيني

ناقد وأديب جزائري

13 دقائق للقراءة
43 مشاهدة
شعرية الصدمة: معمار القفلة في «على ضفاف دمعة» لنبيهة محضور
مشاركة:

تُمثّل القصة القصيرة في مسار التطور الأجناسي للأدب السردي ذروة التكثيف والتركيز الدلالي، إذ تقوم بنيتها الأساسية على التحرر من الترهل اللغوي والاستطراد الوصفي لصالح وحدة الأثر والانطباع، وهي الفكرة التي أصل لها «إدغار آلان بو» (Edgar Allan Poe) حين اعتبر أن العمل القصصي الناجح يُكتب انطلاقا من جملته الأخيرة، بحيث تُصاغ كل حركة سردية وكل دالة لغوية لتخدم لحظة التنوير النهائية أو ما يُعرف بالذروة الانفعالية المباغتة. وفي السياق ذاته، يرى الناقد الفرنسي «تزفيتان تودوروف» (Tzvetan Todorov) أن السرد ليس سوى حركة انتقال ديناميكية من حالة توازن أولي إلى حالة توازن نهائي عبر مسار تتخلله اختلالات محفزة؛ غير أن القصة المبنية على تقنية القفلة الصادمة (The Twist Ending) تفجر هذه الحركة وتجعل التوازن الختامي انهداما كليا يخلخل وعي القارئ ويعيد موضعة المعنى خارج سياقات الطمأنينة السردية المعتادة.

في هذا الفضاء الإبداعي المعقد، تتنزل المجموعة القصصية «على ضفاف دمعة» (2025) للقاصة اليمنية نبيهة محضور بوصفها متنا سرديا بالغ الخصوصية، لا يوظف الصدمة بوصفها مجرد حل شكلي أو حيلة بصرية مجردة، بل يستثمرها بوصفها ضرورة إبستيمولوجية وأخلاقية لكشف التصدعات العميقة في بنية الواقع العربي واليمني المعاصر. إن معمار القفلة لدى الكاتبة يتجاوز المفهوم الكلاسيكي للمفارقة، ليتحول إلى استراتيجية لمساءلة الوجود، وتفكيك ثنائية (الظاهر/ الباطن)، ونسف الأوهام الرومانسية المنسوجة حول مفاهيم الاستقرار، والحب، والقرابة، والنجاة؛ فالنهاية في هذه النصوص ليست نهاية للمتن الحكائي فحسب، بل هي نقطة البداية الحقيقية لعملية التأويل والقراءة الارتدادية المضادة.

1. استراتيجيات التضليل السردي وهدم "أفق الانتظار"

ينطلق معمار القصة الصادمة عند نبيهة محضور من دراية واعية بآليات استقبال النص؛ حيث تعمد الكاتبة إلى ممارسة ما يُطلق عليه الناقد الإيطالي «أمبرتو إيكو» (Umberto Eco) في كتابه «القارئ في الحكاية» (The Role of the Reader) تسمية "إغواء القارئ النموذجي وتوجيهه نحو مسالك استنتاجية خاطئة". تبني الكاتبة في الثلثين الأولين من كل نص عقدا سرديا ظاهريا يتواطأ مع البنية التوقعية التقليدية للمتلقي، وهو ما يتقاطع مع نظرية "أفق الانتظار" (Erwartungshorizont) لدى منظر نظرية التلقي الألماني «هانز روبرت ياوس» (Hans Robert Jauss)، حيث يدخل القارئ إلى فضاء النص مسلحا بأعراف جنسية محددة ترجح انتصار البطل أو تحقق خلاصه الفردي، لتأتي القفلة كفعل "كسر للأفق" ومباغتة لا تكتفي بالإدهاش الجمالي، بل تُحدث صدمة وجدانية عنيفة.

يتجلى هذا التضليل بوضوح استثنائي في قصة «فرح»، حيث تبدأ الكاتبة النص بتأسيس مشهدي بالغ الرقة، مستعيرة عناصر الصورة الاحتفالية الكلاسيكية للزفاف: «ربيعها السادس عشر يتألق بثوب زفافها الأبيض المرصع بحبات اللؤلؤ، زوجان من قفازات الفستان الطويلة يغطيان ساعديها، تاج من الكريستال الفضي يعلو رأسها، يتدلى شعرها البني البراق على كتفيها كشلال متدفق؛ تبدو كأميرة في ألف ليلة وليلة» (ص 10). يُغرق السرد القارئ في حلم الخلاص الطبقي والارتقاء من قاع الفقر والعوز، مبرزا مشاعر الفتاة التي ترى في الزواج بوابة العبور نحو حياة رغدة تنتشلها وتنقذ عائلتها من البؤس: «سأعيش حتما حياة رغدا تنسيني ذلك الفقر، وجدران منزلنا الذي تلتهمه الرطوبة، لقد كانت أمي صادقة، وهي تحاول إقناعي بالزواج» (ص 11). غير أن هذا التصعيد الإيجابي المتكئ على الرومانسية الحالمة لا يلبث أن يرتطم بالقفلة المفاجئة التي تُسقط القناع عن الواقعة: «بادرها بابتسامة: "أهلا بعروستنا"، فتح لها باب السيارة - (جي كلاس) - التي كان يجلس في داخلها رجل عجوز - قائلا: "مبارك يبا، عروستك وصلت!"» (ص 11).

تكمن المفارقة هنا في التحول الجذري للدلالة؛ فالشاب الوسيم الذي ظنته فرح -وظنه القارئ معها- فتى الأحلام المخلص، لم يكن سوى وسيط أو ابنٍ يسوق الضحية إلى أبيه الطاعن في السن. إن الكاتبة تهدم بنية "الحكاية الخرافية" وتحيلها إلى كابوس واقعي يوثق بيع القاصرات واغتيال الطفولة تحت غطاء الزواج.

وتتكرر هذه الاستراتيجية التضليلية بنمط معاصر في قصة «شغف»، حيث يؤسس الخطاب السردي لعلاقة حب عذرية رقمية تنمو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تتجاوز فروق الدين والجغرافيا: «أدمن زيارة صفحتها على الفيسبوك، منشوراتها الرقيقة، وعباراتها العذبة أشعلت قلبه... تقاسمت معه رغيف الشوق، تعزف أناملهما على أوتار الشات سمفونية غزل ثائر» (ص 13). يتماهى المتلقي مع التضحيات التي يقدمها الحبيب الغربي الذي يعلن إسلامه ويبعث بالأموال لإعداد العروس وتأمين فحوصاتها الطبية: «أرسل إليها ألف دولار لتقوم بعمل فحص طبي شامل قبل الزواج لجميع وظائف أجهزة الجسم للاطمئنان على مستقبل حياتهم وذريتهم» (ص 14). يسير السرد في خط صاعد يوحي بالنجاة والهجرة نحو "الفردوس الأوروبي"، لكن لحظة الوصول تنقلب إلى فاجعة مروعة: «بعد أيام من إبلاغ الشرطة، تم إبلاغهم بوجود ابنتهم جثة هامدة، بلا قلب، ولا كبد، ولا كلى!» (ص 15).

إن هذه القفلة الصادمة تُعيد تشكيل النص بأكمله بأثر رجعي؛ فالفحوصات الطبية التي فُسرت في سياق الحرص والحب الرومانسي، لم تكن في البنية المضمرة سوى مطابقة بيولوجية لملاءمة الأعضاء البشرية للبيع في أسواق الجريمة المنظمة الدولية. هنا يتحول التضليل السردي من تقنية شكلية إلى تعرية لآليات استدراج الضحايا واستغلال أحلام البسطاء في دول العالم الثالث.

2. ميكانيزمات "الانكشاف التراجيدي" والمفارقة الأخلاقية

يُعد مفهوم "الانكشاف" أو "التعرف" (Anagnorisis) من أقدم المفاهيم التي صاغها «أرسطو» في كتابه «فن الشعر»، قاصدا به تلك اللحظة التي ينتقل فيها البطل من حالة الجهل إلى حالة المعرفة، مما يُحدث انقلابا في مسار الفعل التراجيدي (Peripeteia). غير أن نبيهة محضور تعيد صياغة هذا المفهوم بما ينسجم مع معطيات "الواقعية التراجيدية المعاصرة"؛ فالانكشاف في نصوصها لا يخص البطل وحده بل يصيب القارئ بشظاياه، كما أنه لا يحمل بُعدا تطهيريا بل يكرس شعورا بالاختناق والعجز الأخلاقي.

تتجلى هذه الآلية السردية في أبهى صورها داخل قصة «عودة»، وهي نص مركب يمتد على مساحة سردية أوسع، متتبعا رحلة اغتراب مريرة ومكافأة القدر لصاحبها. يُقدَّم البطل «جابر» بوصفه نموذجا للإنسان النبيل والمكافح، الذي عاد من غربة دامت عقدا كاملا، واستطاع بفيض إنسانيته أن يحوّل السائق «صدام» من قاطع طريق ينوي قتله إلى أخ ممتن بعد أن منحه عشرين مليون ريال ليقضي دينه: «فتح كف صدام، وضعها فيها قائلا: "خذ يا صدام، هذه عشرين مليون، اقض دينك بالحلال، هل تكفيك؟"... دمعت عينا صدام، احتضن جابرا، قبّل رأسه، وهو يتأسف على ما بدر منه» (ص 38). بعد هذا التأسيس لقيمة الفضيلة والشهامة، ينتقل السرد زمكانيا خمس سنوات للأمام، حيث يبحث صدام الثري عن جابر ليرد له دينه وجميله، ليصل إلى قريته ويفاجأ بإنكار أسرته لعودته: «جابر في السعودية ما قد روّح من يوم سافر، ما في عنه لا علم ولا خبر... له خمس عشرة سنة مسافر» (ص 39).

هنا تتهيأ التربة السردية للحظة الانكشاف التراجيدي الكبرى التي تنسف الاستقرار القيمي للمتلقي: «داهمت الشرطة دار جابر، اعتقلت زوجته وأخاها، تم إخراج جثة جابر المدفونة في فناء المنزل الخلفي، أثبت الطب الشرعي مقتله منذ خمس سنوات بطعنات عدة في الظهر، والصدر، والبطن، اعترفت زوجته باتفاقها مع أخيها على قتله طمعا في المال، حينما أخبرها أنه لن يعود إلى الغربة مجددا» (ص 40).

إن المفارقة التراجيدية هنا ذات طابع تركيبي مضاعف: فالغريب (السائق) الذي همّ بالقتل تحول إلى وفيّ باحث عن الخير، بينما القريب والرحم (الزوجة وصهرها) اللذان تغرب جابر لأجلهما تحولا إلى وحشين اغتالا البطل في أول ليلة وطأت فيها قدماه عتبة الوطن. إن القفلة تفضح هشاشة المؤسسة الأسرية أمام تغول النزعة الاستهلاكية وفتنة المال، محولة "العودة" من حلم بالاستقرار إلى دخولٍ مأساوي في القبر.

وفي قصة «تمتمات»، توظف الكاتبة الانكشاف التراجيدي كأداة لتحقيق "العدالة القدرية الدائرية" التي تعيد توجيه الشر نحو فاعله؛ حيث تتتبع القصة مسار الممرضة «نور» التي تنزلق في عالم السحر الأسود طمعا في المال لإنقاذ بناتها، فتتفق مع مشعوذ على دس طلاسم السحر في بطون الجثث أثناء عملها في المشرحة: «دست اللفافة في بطن الجثة بسرعة، وأغلقت الجرح، وغادرت المشرحة. اعتادت الأمر يوما بعد يوم، قيمة اللفافات أسكتت ضميرها الذي كان يصرخ» (ص 55). وحين تقرر التوبة بعد أن اغتنت وباتت سيدة مجتمع، تصاب بمرض غامض وكوابيس ممزقة، فتعود للساحر متوسلة، لتأتي القفلة كصفعة نهائية تنهي كل إمكانية للتطهر: «أفاقت من شرودها لحظة ضحكه الشامت: "لم أؤذك، أنت من آذيت نفسك، طباخ السم لازم يذوقه. ههههه. هل تتذكرين أول لفافة سحر وضعتها في بطن الجثة؟ لقد كانت باسمك"» (ص 56).

إن الانكشاف هنا يحمل أبعادا نصية مستوحاة من ثيمات التراث السردي المرتكز على فكرة "العقاب الحتمي"، لكنه مصاغ بلغة سردية حديثة تستثمر تقنيات الرعب النفسي والفضح الذاتي، لتصبح القفلة إعلانا عن انغلاق الدائرة على الضحية/ الجانية في آن واحد.

3. سيميائية الإرهاص وبلاغة الإشارات المشفّرة

لا تتشكل القفلة الصادمة في تجربة نبيهة محضور عبر "إقحام خارجي تعسفي" أو صدفة غير مبررة فنيا، وهو ما حذر منه الناقد السردي «جيرار جينيت» (Gérard Genette) حين ميز بين المفاجأة الفجة الناشئة عن رداءة البناء، والمفاجأة المحكمة الناشئة عن زرع "بذور استباقية" (Amorces / Seeds) تمر خفية أمام عين القارئ في القراءة الأولى ثم تسطع دلالتها التفسيرية في القراءة الثانية. تُمارس الكاتبة نوعا من "التبئير التلميحي"، حيث تُلقي بإشارات علاماتية مواربة تبدو للمتلقي غير ذات بال، لكنها تمثل المفاصل التوليدية للنهاية الكارثية.

يتجلى هذا التماسك البنائي الرفيع في قصة «المسافرة»، حيث ترصد الكاتبة رحلة طيران طويلة من نيويورك إلى اليمن عبر القاهرة، وتبرز امرأة تجلس بجوار طفلها الرضيع في هدوء تام: «تحمل رضيعها الذي لم يتجاوز ثلاثة أشهر... عيناها يبدو عليهما الذبول... وضعت رضيعها على حجرها وتأكدت من تغطيته» (ص 45). تبث الكاتبة عبر النسيج السردي سلسلة من العلامات المشفرة: الهدوء المطلق وغير الطبيعي للطفل طوال ساعات الرحلة الطويلة وتمنع الأم عن إطعامه.

الرائحة الغريبة المنبعثة والحرص الهستيري على رش العطر المتكرر: «بين فينة وأخرى تُخرج المسافرة قنينة عطر صغيرة، تنثر رذاذها عليها، وعلى اللفافة التي تغطي صغيرها» (ص 46).

اضطراب المرأة عند محاولة المضيفة رؤية وجه الرضيع: «أبنت أم ابن؟ شدت الأم الغطاء عليه، وبارتباك: ابن» (ص 45).

تتجمع هذه العلامات السيميائية لتنفجر في مشهد التفتيش بمطار القاهرة بعد إبلاغ قائد الطائرة: «أزاح الضابط لفافة الرضيع، كان وجهه شاحبا جدا، وجسده باردا يابسا... جرح مخيط يمتد من طرف بطنه إلى الطرف الآخر، كان الرضيع ميتا... وهناك اكتشف أن الرضيع متوفى منذ أربع وعشرين ساعة، وبطنه محشو بكمية من المخدرات!» (ص 47).

إن القفلة هنا لا تصدم القارئ بخروجها عن السياق، بل بقدرتها على إضاءة كل العلامات المتقدمة؛ فالجسد اليابس، والرائحة الغريبة، ورذاذ العطر، لم تكن سوى أفعال تمويهية لتغطية رائحة تعفن الجثة الصغيرة وتحللها. إن الكاتبة توظف هذه التقنية لتعرية ظاهرة استغلال براءة الطفولة وجثامين الموتى في التهريب الدولي، وتكشف عن سقوط المنظومة الأخلاقية الإنسانية أمام جشع الكسب غير المشروع.

أما في قصة «شفقة»، فتستخدم الكاتبة تيمة الإحسان الإنساني كفخ سردي، حيث تتولى الراوية (بلسان الأنا المتكلم) مساعدة عجوز تبدو عاجزة ومريضة على متن الطائرة متجهة نحو دبي: «السيدة اللطيفة التي جاورتني طوال الرحلة، شعرت فجأة بالدوار، كانت تتشبث بي وتطلب مساعدتي في النزول، كانت تناديني: "ابنتي"، وهي تمسك يدي، وتتكئ علي» (ص 50). تتصاعد العلامات المواربة من خلال تحذيرات الراكب المجاور الذي طلب من الراوية التريث وعدم حمل حقيبة العجوز، لتأتي القفلة كاشفة عن حقيقة العجوز الزائفة: «اتسعت حدقات عيني حينما رأيت تلك السيدة تمشي على قدميها، يحيط بها رجال الأمن الذين ألقوا القبض عليها بعد أن هربت من الكرسي المتحرك!... تبين لي: أن تلك السيدة -التي كنت أشفق عليها- كانت تخفي كمية مخدرات في حقائبها، وتحاول الإيقاع بي» (ص 51-52).

تُفكك القفلة في هذا النص مفهوم "الشفقة"، كاشفة عن واقع استخباراتي وأمني مرير يجري فيه اصطياد الضمائر النقية واستدراج النوايا الطيبة لتكون طُعما في عمليات الجريمة المنظمة.

4. سيميائية الجسد المستلب كذروة للمفارقة التراجيدية

يحتل "الجسد الإنساني" في مجموعة «على ضفاف دمعة» موقع الصدارة الدلالية؛ فالصدمة في أغلب نصوص المجموعة لا تقع في فضاءات تجريدية، بل تُنقش مباشرة على لحم الشخصيات وأعضائها. يرى الفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو» (Michel Foucault) في أطروحاته حول "ميكرو-فيزياء السلطة" أن الجسد البشري هو الموقع النهائي الذي تُمارس عليه الهيمنة وتُطبع عليه آثار العنف الاقتصادي والسياسي. وفي نصوص نبيهة محضور، يتحول الجسد إلى وثيقة إدانة، وموضوع للاستلاب، ومسرح للمفارقة الختامية.

يتجلى هذا الاستلاب الجسدي بأبشع صوره في قصة «ثمن»، التي تتناول العلاقة بين صديقين نشآ معا، أحدهما فقير مدقع وهو «صابر» والآخر سليل أسرة ثرية أصيب بتلف كبدي: «استنجد به رفيق طفولته الذي شارفت أيامه على الذبول، تلف كبده، انتفخت بطنه، وصار قاب قوسين أو أدنى من الموت، أسرته الثرية لم تضحِّ بنفسها لإنقاذه... تذكروا صابرا الفقير الذي تركوه على أرصفة الفقر... استنهضوا شهامته: "سيكون لك أرض تزرع فيها أحلامك، وبيت يحتضنك، وزوجة تبهج قلبك"» (ص 71-72).

يندفع صابر بدافع النبالة والبراءة الفطرية لإنقاذ حياة رفيقه متبرعا بنصف كبده، غير أن لحظة الاستيقاظ الجسدي تقترن بلحظة انهدام نفسي صادمة صاغتها الكاتبة في قفلة تلخص مأساة الاستغلال الطبقي: «صدقهم، زرع جزءا منه في جوف رفيقه، سقاها بدمائه لتزهر براعم الحياة في كبده. وقبل أن يتماثل صابر من مرضه، أعادوه إلى هناك، حيث لا أرض، ولا مال، ولا زوجة، يحمل كبدا نزيفة، وسهم الخذلان والخديعة مغروس في قلبه» (ص 72).

إن المفارقة في هذا النص مفارقة بيولوجية وطبقية معا؛ فالغني يشتري الحياة بامتصاص جسد الفقير، والفقير يفقد جزءا حيويا من أحشائه ليعود إلى العراء والعدم. يتحول الجسد هنا إلى سلعة تُنتزع منها الحياة وتُلقى فضلاتها على أرصفة التهميش، وهو ما يمنح القفلة طاقة احتجاجية هائلة تدين الرأسمالية المتوحشة والتمايز الطبقي الزائف.

ولا ينفصل هذا التوظيف عن نصوص أخرى تتقاطع فيها تراجيديا الجسد مع كوارث الحرب والنزوح، كما في قصة «ندبة» حيث تتحول أحلام الطفل بشراء حذاء مدرسي جديد إلى فقدان ساقيه بلغم بحري واستبدالهما بـ «قدمين خشبيتين أتكئ عليهما في رحلة الحياة» (ص 61)، أو في قصة «سبعة. سبعة» حيث يتحول لاعب كرة القدم الواعد إلى جسد مقعد بلا أطراف سفلية جراء قصف صاروخي غادر (ص 8-9). إن القفلة الصادمة في هذه السياقات تنقل القارئ من مدارات اللعب والطفولة إلى مواجهة مباشرة مع إعاقات أبدية تُخلّفها آلة الحرب العبثية.

5. الوظيفة التداولية والأخلاقية للصدمة السردية

تطرح وفرة النهايات الصادمة في مجموعة «على ضفاف دمعة» سؤالا نقديا جوهريا حول الوظيفة التداولية (Pragmatic Function) لهذه الاستراتيجية: هل تسعى الكاتبة إلى مجرد استعراض المهارة البنائية، أم أن وراء هذا التراكم الفاجع غاية اتصالية تستهدف وعي المتلقي الجمعي؟

للإجابة عن هذا السؤال، يستحضر التحليل النقدي مقولة الفيلسوف الألماني «تيودور أدورنو» (Theodor Adorno) حول استحالة كتابة الشعر الجنائزي التقليدي بعد أهوال الكوارث الإنسانية الكبرى؛ فالأدب في زمن المآسي الجمعية -كما هو الحال في الواقع اليمني المعاش- يفقد مبرر وجوده إذا استسلم لتقديم نصوص ناعمة تمارس التخدير والتسلية. لقد أدركت نبيهة محضور أن طول أمد الحرب وتراكم الأزمات يولدان لدى المجتمعات حالة من "البلادة الحسية" والتطبيع النفسي مع الكارثة؛ ومن هنا تصبح «الصدمة السردية» بمثابة "وخز ضميري راديكالي" يسعى إلى إيقاظ المتلقي من غفلته، وإعادة تعريفه بفظاعة الشر المتجذر في تفاصيل الحياة اليومية.

إن "الدمعة" في معمار المجموعة ليست مجرد سائل انفعالي ينهمر للرثاء، بل هي وفق بلاغة العنوان «على ضفاف دمعة» فضاءٌ للمكاشفة الوجودية. إن الوقوف على "ضفاف" الدمعة يعني التريث النقدي أمام مسبباتها؛ فالدمعة هنا تنتج عن ارتطام الوعي بالحقيقة العارية التي تسفر عنها القفلات. تنقل الكاتبة القارئ عبر هذه القفلات من موقع "المشاهد المحايد" إلى موقع "الشاهد المتورط"، وتجبره على إعادة قراءة الواقع من حوله بحس نقدي حذر، مدركا أن وراء كل واجهة براقة أو وعد بالخلاص قد يكمن فخ من الاستلاب أو الموت.

خاتمة

تأسيسا على ما تقدّم، يتبين أن المجموعة القصصية «على ضفاف دمعة» للقاصة نبيهة محضور تمثّل إضافة وازنة وتجربة لافتة في المشهد السردي اليمني والعربي المعاصر؛ إذ استطاعت الكاتبة تطويع تقنية "القفلة الصادمة" والمفارقة التراجيدية لتكون ناظما بنيويا يحكم النسيج النصي بأكمله، بدلا من التعامل معها كحل شكلي طارئ. لقد تجلّى هذا الإحكام الفني في قدرة السرد على ضبط إيقاعه، وإخضاع كافة العناصر البنائية من توصيف مكاني، وحوار مقتضب، وإشارات استباقية مشفّرة، لخدمة لحظة التفجير الدلالي النهائي، مما منح النصوص تماسكا عضويا صارما يتفادى الاستطراد والترهل اللغوي.

كما نجحت المجموعة في تطوير أفق "الواقعية النقدية" والارتقاء بها نحو مدارات "الواقعية التراجيدية المكثفة"، حيث لم تنزلق النصوص إلى التوثيق الخبري المباشر لويلات الحرب والأزمات، بل عمدت إلى تكثيف القضايا الإنسانية والاجتماعية المعقدة كالحرب، والنزوح، والاتجار بالبشر، وسرقة الأعضاء، والخذلان الطبقي والأسري، داخل حكايات مقتضبة تتصاعد دراميا لتنتهي بصفعة إيقاظية تخلخل طمأنينة المتلقي.

إن القيمة الجمالية الكبرى لمعمار القفلة لدى نبيهة محضور تكمن في قدرتها على تجاوز الميلودراما العاطفية الفجة؛ فالنهايات الفاجعة في نصوصها لا تسعى لاستدرار الدموع السطحية أو الرثاء المجاني، بل تستهدف تحريك البصيرة الأخلاقية وتحفيز العقل النقدي. وبذلك تتحول القصة القصيرة في هذه المجموعة إلى أداة تشريح بالغة الدقة، تقتحم المسكوت عنه، وتضع القارئ في مواجهة مباشرة مع شروخ الواقع المعاش، مؤكدة أن "الدمعة" التي يقف السرد على ضفافها ليست إلا وليدة وعي حارق بحجم المأساة الإنسانية وضرورة مجابهتها.

مشاركة:

آخر تحديث: ٧ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار 

قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين
قراءات

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار  قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين

رواية (عالم زي... زو) للاديب مهدي علي أزبين، صوت يناهض الواقع القائم في عصر محو القيم الإنسانية ، وموت المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن روح الإسان ، بمعى آخر هو عالم قتل الروح الاإسانية ، وتحول دماغ الاإسان الى مجرد آلة بدون إحساس وشعور ... حيث يحضر الروبوت أكس كشخصية محورية في العالم الرقمي لحل…

· 4 د