انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

سرد الذاكرة ومقاومة النسيان قراءة في "ستانغولا.. حكاية القبر المنسي في رقان" للروائي الجزائري اليامين بن تومي

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

13 دقائق للقراءة
73 مشاهدة1 تعليق
سرد الذاكرة ومقاومة النسيان قراءة في "ستانغولا.. حكاية القبر المنسي في رقان" للروائي الجزائري اليامين بن تومي
مشاركة:

يسعى الروائي الجزائري اليامين بن تومي في روايته إلى إماطة اللثام عن ذاكرة لا يُراد لها أن تُنسى، مثلما لا يُراد لها أن تتحول إلى هوية ممزقة تفصل بينها فوارق زمنية عميقة بين الأجيال. فالرواية تحاكي ثلاثة أزمنة في بيئة واحدة، كما تستدعي أزمنة متعددة في أماكن مرّت عليها آثار الحكاية.. غير أن هذه الأزمنة لا تنتج ثلاث قصص منفصلة، بل يربط الروائي بينها من خلال قصّتي جيلين، جيل الجد "بوهالي/بوشوارب"، وجيل الابن "ستانغولا"، اللذين يدفعان ثمن إنسانيتهما وحياتهما، بسبب قسوة الاستعمار الفرنسي في رقان، وما ارتبط بها من تجارب نووية وآثارٍ مدمّرة. وتقود القصّتان في النهاية إلى القصّة الثالثة، قصة الحفيد، الذي يصبح حلقة الوصل بين الذاكرة الماضية والحاضر، وبين ما حدث وما ينبغي أن يُستعاد ويُروى.. وبذلك تقوم الرواية على التناوب بين الأزمنة والأجيال، من خلال بيئةٍ واحدةٍ تتحوّل من مجرّد مكانٍ، إلى ذاكرةٍ حيّةٍ تحمل آثار المأساة، وتعيد إنتاجها سرديًا

فاعلية العنوان ودلالة الحبكة

العنوان هنا هو الباب للدخول إلى مدينة الرواية، وهو المفتاح أيضًا لفهم الحكاية، والنافذة التي تطلّ على فكرتها المركزية. فهو يُعد مفتاحًا أساسيًا لفهم الحبكة، لأنه يجمع بين الاستعارة النفسية والواقع التاريخي المأساوي، ويرتبط بالحبكة من خلال مجموعة من الدلالات الأساسية

أولًا: "ستانغولا"  العنوان بوصفه استعارة لهوية البطل:

فـ"ستانغولا" اسم أو لقب أُطلق على البطل/الابن في طفولته، بسبب ضخامة حجمه، وتقربًا من صفة "العجل البرتغالي السمين"، وهو ما يجعل العنوان مرتبطًا مباشرة بهوية الشخصية ونشأتها.. لكن هذا اللقب يتحوّل داخل الحبكة من علامةٍ على الطفولة والامتلاء الجسدي، إلى دلالةٍ على جيلٍ كاملٍ حُطّم مستقبله بسبب تجارب رقان. فاللقب الذي كان يعبّر عن طفولةٍ سمينةٍ وبداياتٍ واعدة، يتحوّل لاحقًا إلى رمزٍ للمسخ الجسدي والنفسي، بعد تعرّض البطل للتعذيب والبتر في معتقلات رقان، حيث يفقد رجولته وجزءًا من كينونته.. ومن هنا تتجاوز دلالة "ستانغولا" حدود الاسم الشخصي لتصبح علامة على الإنسان الذي جرى تشويه جسده وذاكرته ومستقبله بفعل العنف الاستعماري.

ثانيًا: "القبر المنسي"  العنوان بوصفه رمزًا للذاكرة الجماعية:

لا يمثّل "القبر المنسي" موقعًا جغرافيًا مجرّدًا، بل يتحوّل إلى استعارةٍ لكلّ الضحايا الذين ابتلعتهم رمال رقان وأخفت جرائم الاستعمار وآثاره.. ويرتبط هذا الجزء من العنوان بالحبكة من خلال رحلة الأب في البحث عن قبر أبيه، أيّ الجد، وهي رحلة تتجاوز البحث عن مكان الدفن لتصبح بحثًا عن الذاكرة ومحاولة لاستعادة التاريخ من الأرشيف الفرنسي

وبهذا يشير العنوان إلى أن الحقيقة مدفونةٌ في صحراء "تأكل" أصحابها وتخفي آثارهم، تمامًا كما أكلت المأساة أجساد الضحايا وطمست مصائرهم، حتى تبدو الصحراء بأكملها كأنها قبرٌ واحدٌ كبيرٌ يحتفظ بأسرار الموتى والمنسيين

ثالثًا: "رقان" المكان بوصفه مركزًا للحبكة:

ليست "رقان" اسم مكانٍ مجرّدًا، بل تتحوّل في الرواية إلى "لعنة" و"مكان سيئ الذكر" و"قرن للشيطان". ومن خلال هذا المكان يحاول الروائي الربط بين حياة الشخصيات الثلاث وبين الجريمة التاريخية الكبرى المتمثلة في التجارب النووية الفرنسية.. وتنتقل الأحداث بين الماضي والحاضر، لتصبح لحظة انفجار القنبلة في 13 فيفري 1960 نقطة الانكسار التي شطرت حياة العائلة، وحوّلت المكان من فضاء جغرافي إلى فضاء للمأساة والذاكرة.. من هنا تصبح "رقان" فاعلًا أساسيًا في تشكيل الحبكة، لأنها لا تستضيف الأحداث فحسب، بل تسهم في تحويل حياة الأفراد إلى جحيم، وتبقى آثارها ممتدة من جيل إلى آخر

رابعًا: التضاد بين "حكاية" و"منسي":

ينشئ الجمع بين كلمتي "حكاية" و"منسي" مفارقةً دلاليةً واضحةً، فالحكاية بطبيعتها فعل من أفعال التذكّر والرواية، لكنها هنا ترتبط بقبرٍ منسي. ومن ثم يصبح فعل السرد نفسه محاولةً لمقاومة النسيان.. ويتّصل ذلك بالحبكة من خلال سعي الراوي إلى انتشال الحكاية من "ضيق الأوراق المركونة في الأرشيف" إلى "رحابة الرمل"، أي نقل الذاكرة من الوثيقة الجامدة إلى فضاء الحكاية الحية.. وبذلك لا يكون النسيان حالة نهائية، بل يصبح محفّزًا لفعل السرد، وتتحوّل الرواية إلى وسيلةٍ لاستعادة ما حاول التاريخ الرسمي دفنه أو إبعاده عن الذاكرة

بمعنى أن العنوان ليس توصيفًا مجرّدًا، بل هو تلخيص مكثف لمأساة الهوية والذاكرة، فـ"ستانغولا" هو الإنسان الذي تحوّل إلى ضحية، في مواجهة "رقان" بوصفها المكان الذي حوّل البشر إلى ضحايا وقبور منسية.. وتتحوّل الحبكة، إلى محاولةٍ لاستعادة الإنسان لرجولته وكرامته، واستعادة العائلة لذاكرتها، وإعادة إحياء الحكاية المنسية. ومن هنا يتداخل الشخصي بالتاريخي، والمكان بالذاكرة، واللقب بالمصير، لتصبح الرواية فعلًا سرديًا لمقاومة النسيان واستعادة الحقيقة

سرد الذاكرة ومقاومة النسيان

قراءة في "ستانغولا.. حكاية القبر المنسي في رقان" للروائي الجزائري اليامين بن تومي

الحكاية وفاعلية الإهداء

تبدأ الحكاية من الإهداء، وهو إهداءٌ دقيقٌ في علاقته بالرواية وحكايتها، إذ يقول: "إلى كلّ الذين استشهدوا على أرض الطهارة"، ليمثّل عتبةً نصيةً عميقةً ومركزيةً في بناء الرواية، ويوجّه بوصلة التلقّي منذ البداية. فقد وضع الإهداء القارئ أمام التزام أخلاقي وتاريخي، بحيث تُقرأ حكاية "ستانغولا" و"بوهالي" بوصفها مرثيةًً وطنيةًً وملحمةً إنسانيةً لأرواح أُزهقت ظلمًا في عتمة الصحراء.. لذلك تأتي الحكاية بعد الإهداء بوصفها امتدادًا له، وتتمحور حول مجموعةٍ من المرتكزات الرئيسة:

أولًا: ثنائية الرواة والزمن:

تتنقل الرواية بين صوتين ومرحلتين زمنيتين، الجد "بوهالي"، الذي كان "عزّامًا" يمارس ألعاب السحر والفرجة الشعبية في الأسواق، قبل أن تعتقله فرنسا وتحوله إلى فأر تجارب في صحراء رقان، والابن "ستانغولا" الذي ورث عن أبيه المعاناة والمصير المأساوي، إذ تعرّض هو الآخر للاعتقال والتعذيب، مما أدى إلى بتر فحولته ومستقبله، تمامًا كما بُترت حياة أبيه.. من هنا تتحول مركزية "رقان" إلى رمز للعنة، وإلى مكان "أكل" أجسادهم وأحلامهم. فهي ليست موقعًا جغرافيًا مجردًا، بل "قبر" كبير ابتلع الطيبين، ومكانًا للتعذيب والموت والقيامة التي ارتبطت بآثار القنبلة النووية الفرنسية

ثانيًا: الذاكرة المقطوعة:

يعيش الأب والابن صراعًا مع ذاكرةٍ مشتّتةٍ ومحمّلةٍ بالألم والخوف ومشاعر العجز. فالأب يستعيد معاناته في قبو التعذيب، بينما يصف الابن شعوره بالتحوّل إلى "مسخ" أو "شبح" بعد أن سُلب منه حقه في الإنجاب وحقه في حياة طبيعية.. وهنا لا تعود الذاكرة مجرّد استعادةٍ للماضي، بل تتحوّل إلى مساحةٍ للصراع، مع ما تركه العنف الاستعماري من ندوب نفسية وجسدية، وإلى محاولة لاستعادة الذات التي جرى انتهاكها

ثالثًا: البحث عن الهوية وسط الخراب:

يحاول "ستانغولا" استعادة كرامته وإعادة بناء تاريخه الشخصي من خلال الكتابة والذاكرة، رغم شعوره بأنه ابن "المنعطفات القذرة" والمصير المحتوم.. ومن خلال هذا البحث تتحوّل الهوية من معطًى ثابتٍ، إلى سؤالٍ مفتوح، يبحث فيه البطل عن جذوره، وعن معنى وجوده، محاولًا أن يستعيد صورته الإنسانية في مواجهة تاريخ حاول أن يحوله إلى مجرد ضحية

رابعًا: الخلاص بين الصحراء والبركة:

تظهر الصحراء في الرواية بوصفها كيانًا متناقضًا، فهي المكان الذي "أكل" ذويهم واحتفظ بآثار مأساتهم، لكنها تتحوّل في لحظاتٍ أخرى إلى مكان "حنّ" عليهم وحماهم أثناء الهروب.. ويبرز هنا حضور "بركة الأولياء" والطقوس الشعبية، مثل حكاية "سيدي بن لونيس" وتجارب "يلّف" الترقي، بوصفها سبلًا للنجاة الروحية والمعنوية، وسط محيط من القهر. وبذلك لا تظلّ الصحراء فضاءً للموت وحده، بل تتحوّل إلى فضاءٍ تتجاور فيه المأساة والخلاص، والرعب والحماية، والواقع والأسطورة

بمعنى أن الحكاية الكلية في الرواية تتحوّل إلى صرخةٍ ضد النسيان، وإلى توثيقٍ أدبيّ لمحنة الضحايا الذين "دُفنوا أحياء" تحت رمال "رقان"، سواء بالمعنى الحرفي المرتبط بآثار التجارب النووية، أم بالمعنى المجازي المتمثّل في تدمير مستقبلهم وفحولتهم وكرامتهم.. من هنا يصبح فعل الحكي، محاولةً لإخراج الضحايا من حالة الغياب إلى فضاء الذاكرة، وإعادة منحهم صوتًا بعدما حاول التاريخ أن يدفن أصواتهم مع أجسادهم

الفكرة الكلية

تستند الرواية إلى بنيةٍ سرديةٍ فنيةٍ تجمع بين التوثيق التاريخي، والذاكرة الفردية والجمعية، والأسطورة، لتقديم قراءةٍ إنسانيةٍ لمأساة التجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر. ولا تكتفي الرواية باستعادة الحدث التاريخي، بل تعيد إنتاج آثاره في الوعي الفردي والجمعي من خلال حكاية عائلة تتوارث الجرح عبر الأجيال

أولًا: ثلاثية الأجيال والذاكرة بوصفها فعلًا مقاومًا:

تقوم الفكرة الأساسية على ثلاثية الأجيال، إذ يعتمد البناء الروائي على استعادة الذاكرة بوصفها فعلًا مقاومًا للنسيان. فالجد "بوهالي" يمثل الجيل الذي واجه الاستعمار بصورةٍ مباشرة، بينما يمثل "ستانغولا" الجيل الذي حمل آثار الجريمة في جسده ونفسيته، ويأتي الحفيد بوصفه الجيل الذي يحاول استعادة هذه الذاكرة وفهم جذورها.. وبذلك يصبح انتقال الذاكرة بين الأجيال وسيلةً لحفظ التاريخ، وليس مجرّد استرجاعٍ للماضي، لأن ما لم يُروَ يتحوّل إلى ذاكرةٍ مهدّدةٍ بالاندثار.

ثانيًا: حكاية الرواية وصراع الأثر والمصير:

تتأسّس الحكاية على بحث الحفيد عن جذور عائلته وتاريخها المأساوي، في مواجهة آثار الماضي التي لم تنتهِ بانتهاء الحدث التاريخي. فـ"ستانغولا" يعيش مصابًا بآثار المرض والإشعاعات، وقد حُرم من حقّه في الإنجاب، مما جعله يشعر بأنه "شبح" أو "مسخ" تلاحقه نظرات المجتمع وشعور العار.. وهكذا يتجاوز مصيره حدود المأساة الفردية، ليصبح رمزًا لجيلٍ كاملٍ جُرّد من كرامته وفحولته، وحُكم عليه بأن يعيش نتائج جريمةٍ لم يكن له يد في صنعها.

ثالثًا: الرمزية الميتافيزيقية بين الواقع والخيال:

تتّسع الفكرة الكلية من خلال المزج بين الواقع والخيال، والتاريخ والأسطورة، والمادي والميتافيزيقي. فالرواية لا تتعامل مع المأساة بوصفها وثيقةً تاريخية فحسب، وإنما تمنحها أبعادًا رمزيةً وروحيةً تجعل الصحراء والبركة والطقوس والحكايات الشعبية جزءًا من محاولة الشخصيات البحث عن معنى للخلاص.. وبذلك تتشكّل الفكرة الكلية للرواية من تداخل ثلاثة مستويات، التاريخ بوصفه جرحًا، والذاكرة بوصفها مقاومة، والحكاية بوصفها وسيلةً للخلاص، وهو ما يمنح الرواية قدرتها على تحويل مأساة "رقان" من حدثٍ تاريخيّ منسي إلى ذاكرةٍ أدبيةٍ وإنسانيةٍ قابلة للاستمرار.

سرد الذاكرة ومقاومة النسيان

قراءة في "ستانغولا.. حكاية القبر المنسي في رقان" للروائي الجزائري اليامين بن تومي

البيئة واستثمارها

استثمرت الرواية البيئة المحلّية، وتحديدًا فضاء الصحراء في "رقان"، استثمارًا فنيًا وعميقًا، فلم تكن مجرّد خلفيةٍ جغرافيةٍ للأحداث، بل تحوّلت إلى عنصرٍ فاعلٍ في بناء الرواية، ومحرّك للذاكرة والهوية. وقد جاء هذا الاستثمار في أوجه متعددة:

أولًا: الصحراء بوصفها فضاءً وجوديًا متناقضًا:

استُحضرت "رقان" ليس فقط بوصفها موقعًا تاريخيًا للتجارب النووية، بل بوصفها فضاءً "أكل" أجساد الأجيال وأحلامها، وحوّلها إلى رمز للقيامة والمعاناة التي تعرض لها الجزائريون إبان الحقبة الاستعمارية. وفي الوقت نفسه، تظهر الصحراء بوصفها ملاذًا للخلاص، إذ وظّفها الكاتب فضاءً "للطهارة والاغتسال" والبحث عن الخلاص الروحي، من خلال ربطها بالأوراد والطقوس الدينية وزيارات الأولياء والصالحين في "توات"، بما يعكس التناقض بين القهر الاستعماري والنجاة الروحية

ثانيًا: توظيف التراث الشعبي والمعتقدات:

استثمر الكاتب موروث "العزّام"، بما يتّصل بالممارسات الشعبية والفرجة والسحر ومهارة التعامل مع المخلوقات، ولا سيما الزواحف، ليجعل من شخصية الجد "بوشوارب" بطلًا مأساويًا يمتلك قدرة غامضة على النجاة من عقارب الصحراء، وهو ما يربط الشخصية بهويتها الشعبية والمحلية.. كما وظّف مكوّناتٍ ثقافيةً محليةً أخرى، مثل الزوايا وأضرحة الأولياء، ومن بينها "سيدي المغيلي"، بوصفها جزءًا من النسيج الاجتماعي الذي يمنح الشخصيات ملاذًا معنويًا في مواجهة قسوة الواقع والسموم التي نشرها الاستعمار في المكان.

ثالثًا: ربط المكان بالذاكرة والهوية:

تتحّول الذاكرة المحفورة في الرمال إلى ما يشبه "كتابًا مقدسًا مغموسًا بالنور"، حيث يكتب الأبطال حكايتهم على الرمال، فيصبح الفضاء الجغرافي مستودعًا للذاكرة الجماعية التي لا تجد إنصافها في الوثائق الرسمية.. ومن خلال هذه الفاعلية، يُظهر النص اهتمامًا بالخصوصية الثقافية للمجتمع الصحراوي، بما في ذلك التقاليد وأنماط التفكير وشبكة العلاقات الاجتماعية، مع استحضار لغات ومكونات محلية، مثل اللغة التماشقتية، التي تعكس عمق الهوية المتجذرة في المكان.

رابعًا: الرمزية الميتافيزيقية:

يتحوّل المكان إلى "متخيّل" أدبي، فيقدّم الكاتب تجربةً مغايرةً حين "يروّض" الفضاء الصحراوي، ويحوّله من مجرّد رمالٍ صامتةٍ، إلى عنصرٍ سردي، يشارك في صياغة مأساة الأجيال، رابطًا بين التاريخ والأسطورة، وبين المكان المادي وما يحمله من دلالات تتجاوز جغرافيته.

التميّز والاشتغال المركب

تتميّز الرواية بكونها نصًا مركبًا يجمع بين مهارة السرد ذي البعد التوثيقي والفكري والروح الأدبية المبدعة، إذ يظهر فيها اشتغال دقيق ومقصود على اللغة والمعمار الروائي، وذلك من خلال مستويين أساسيين:

أولًا: الاشتغال اللغوي "لغة العزّام"

فقد اعتمد الكاتب لغةً مكثًفةً وموحية، يمكن وصفها بأنها نوع من "ترويض اللغة بمهارة العزّام"، في إشارة إلى مهنة الجد "بوشوارب". ويتجلّى هذا الاشتغال في ثلاث فعاليات:

1- اللغة الصوفية والشعبية.. حيث يمزج الكاتب بين الفصحى الرصينة والمفردات والرموز المستمدة من المخيال الشعبي، مما يضفي على السرد مسحة صوفية وروحية، ويجعله أكثر التصاقًا بالبيئة الثقافية التي تنتمي إليها الشخصيات

2- اللغة بوصفها أداة مقاومة، حيث تتحوّل اللغة إلى وسيلةٍ لاستنطاق الذاكرة المنسية، ومحاولة تثبيت الهوية في مواجهة المحو الذي حاول الاستعمار فرضه. فالحكي هنا لا يؤدّي وظيفةً جمالية فحسب، بل يتحوّل إلى فعل مقاومةٍ واستعادة.

3- التكثيف الشعري.. حيث تمتاز لغة الرواية بقدرةٍ عاليةٍ على التعبير عن الألم والصراع النفسي، إذ وظّف الكاتب صورًا بيانيةً قويةً في وصف "القبر" و"الصحراء" و"التجارب النووية"، مما يمنح اللغة طاقةً شعرية، تجعل بعض مشاهد الرواية قابلة للبقاء في ذاكرة القارئ.

ثانيًا: المعمار السردي وإدارة العمل الروائي:

فقد أدار الكاتب روايته باستخدام تقنيات سردية متقدمة يمكن وصفها بأنها لعبة سردية ذات جمال خاص، وتبرز في أربعة جوانب:

1- تقنية القصة داخل القصة، حيث تبنى الكاتب أسلوبًا يذكّر بأجواء "ألف ليلة وليلة"، ولكن بلسان راوٍ جزائري، حيث تتداخل الحكايات الشخصية للجد والأب والحفيد، لتشكل في النهاية حكاية كبرى عن مأساة جيل كامل.. وبذلك لا تبقى كلّ حكايةٍ مستقلّةٍ عن الأخرى، وإنما تدخل في نسيجٍ سرديّ واحدٍ تتناسل فيه الحكايات، وتنتقل الذاكرة من جيلٍ إلى آخر.

2- تعددية الأصوات والأزمنة.. إذ أدار العمل من خلال ثلاثة أجيال، مما أتاح له التنقّل بين الذاكرة الفردية، والواقع التاريخي، والأرشيف الاستعماري، بمهارةٍ جعلت الرواية تبدو كأنها "رحلة عابرة للأجيال".. وهذا التداخل لا يؤدّي وظيفةً زمنيةً فقط، بل يكشف استمرار أثر الماضي في الحاضر، ويجعل الزمن الروائي زمنًا متداخلًا تتجاور فيه الذاكرة والوثيقة والتجربة الشخصية

3- الواقعية السحرية.. حيث مزج السرد بين الواقع المؤلم، ممثلًا في التجارب النووية ومآسيها، وبين الخيال والأسطورة، مما عزّز التأثير الدرامي والرمزي للرواية. فتحوّلت أماكن مثل "رقان" إلى رموزٍ كونيةٍ للمعاناة، وتحوّلت الأحداث إلى ما يشبه "قيامة" ممتدة في الذاكرة.. وهذا المزج بين الواقعي والعجائبي أتاح للروائي تجاوز التسجيل المباشر للحدث، إلى إنتاج عالمٍ سرديّ، تتجاور فيه الحقيقة التاريخية مع المخيال الشعبي والأسطوري.

4- مركزية الشخصية الإشكالية، إذ إن الشخصيات ليست مجرّد أبطال تقليديين، بل نماذج رمزية محمّلةً بالعطب النفسي والجسدي. وقد تعامل الكاتب مع هذه الشخصيات، ولا سيما "ستانغولا"، بوصفها تجسيدًا لجيلٍ جُرّد من كرامته وفحولته ومستقبله، مما منح الرواية بعدًا نقديًا ونفسيًا عميقًا.. وهنا تحوّلت الشخصية من فردٍ، إلى علامة، ومن مصيرٍ خاص، إلى تمثيل لمأساة جماعية امتدّت آثارها من الجسد إلى الذاكرة والهوية.

الانحياز للفكرة

تمتلك الرواية قيمةً فنيةً وفكريةً عالية، ونجحت في مقاربة مأساة التجارب النووية الاستعمارية من منظورٍ إنسانيّ عميق، حتى تحوّلت السردية إلى فضاءٍ فكري وتوثيقي، يحتاج إلى قارئٍ فطنٍ وقادرٍ على متابعة طبقاتها المتعددة.. غير أن طغيان الجانب الفكري والنظري جعل الرواية تميل في بعض مواضعها نحو ما يمكن تسميته "الرواية الأطروحة"، أو نحو خطابٍ فكريّ مشفّرٍ ومكثّف، فغدت أقرب إلى التفكير منها إلى المتعة السردية الخالصة. أي أنها بحاجةٍ إلى متلقٍ وليس الى قارئٍ عادي.. ويزداد هذا الأمر مع التنقل المستمر بين الأجيال الثلاثة، وتداخل الأزمنة بين الأرشيف الاستعماري والذاكرة الشعبية وفترة التسعينيات، الأمر الذي تطلّب تركيزًا وجهدًا مضاعفين لمتابعة خيوط الحكاية والفكرة وحركة الشخصيات.. يضاف إلى ذلك، وهو أمرٌ مهم، كثافة الحمولة الرمزية والأسطورية، من خلال الاعتماد الكبير على الرموز الميتافيزيقية والإحالات التراثية والصوفية والأسطورية، مثل تشبيه بعض الشخصيات بشخصيات تاريخية أو أسطورية، ومنها "أتونابشتيم". وهذا منح الرواية عمقًا تأويليًا، لكنه في الوقت نفسه قد يزيد من صعوبة التلقّي أمام قارئ يبحث عن حكاية مباشرة ومسار سردي واضح.. ومع ذلك، فإن هذه الكثافة الفكرية والرمزية لا تنتقص من القيمة الفنية للرواية، بقدر ما تكشف طبيعة مشروعها السردي الذي ينحاز إلى الفكرة بقدر انحيازه إلى الحكاية

البعد السوداوي في المعالجة

جاءت بعض المعالجات بطريقةٍ سوداوية، وهي معالجةٌ تبدو منسجمةً مع طبيعة هذه السردية وموضوعها، لأنها تتناول موضوعاتٍ بالغة القسوة، مثل التجارب النووية، والإعاقات الجسدية والنفسية، والإخصاء الرمزي والفعلي، والنبذ الاجتماعي.. وقد جعل هذا الحضور المكثّف للألم النص محمّلًا بطاقةٍ درامية وسوداوية عالية، وهي طاقةٌ تخدم موضوع الرواية وتمنح مأساتها قوّة تأثيرٍ واضحة، وإن كانت في الوقت نفسه قد جعلت التجربة القرائية تعاني من الفهم السريع.

وبذلك فإن سوداوية الرواية ليست مجرّد خيارٍ أسلوبي، وإنما جزءٌ من بنيتها الدلالية، فالمكان ملوّث بالموت، والجسد يحمل أثر الجريمة، والذاكرة لا تستطيع النسيان، والحكاية نفسها تنشأ من محاولة استعادة ما أراد التاريخ أن يدفنه. ومن هنا تتكامل البيئة والحكاية واللغة والبناء السردي والفكرة في إنتاج روايةٍ تجعل من "رقان" ذاكرةً مفتوحةً على الألم، ومن السرد فعلًا لمقاومة المحو والنسيان.

مشاركة:

آخر تحديث: ٧ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٤:٤١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د
بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري

المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني
قراءات

بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني

/ المغرب مقدمة تشكل قصيدة الحداثة المغربية المعاصرة بنية دينامية، تسعى باستمرار إلى تكسير الأنماط اللغوية الجاهزة واستبدالها برؤى شعرية تتأرجح بين اليومي والكوني، والواقعي والصوفي. ويندرج ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المغربي المصطفى حناني (الصادر عن دار الدراويش للنشر والترجمة) ضمن هذا الأفق…

· 12 د