مجموعة قصصية مضت على نشرها عشرات السنين لكنها لا تزال حية طازجة في نفوس القراء الذين يبهرهم كاتبها الكبير نجمان ياسين، الذي استطاع بفضل مخيال نشط يعتاش على نبوءات الطفولة وذكريات المراهقة أن يجعل منها علامة فارقة في القصة العراقية خصوصا وفي القصة العربية عموما.
في "ذلك النهر الغريب" يحاول الكاتب أن يستوحي العالم البكر لعالم الطفولة والمراهقة الأولى، من خلال عين الطفل أو الصبي الذي يتعامل مع الأشياء بكل حرارة ودهشة بعيداً عن تصورات ورؤى وقوانين عالم الكبار المفروضة قسراً من الخارج، فالأطفال والصبية هنا يجلبون معهم قواعدهم الخاصة ويرحلون في الأسطورة، والخرافة، والأمثال الشعبية، أطفالٌ يتآلفون مع بعضهم عبر أحاسيسهم الصادقة، ويكتشفون عالما سحريا مليئا بالخيال والدهشة والانبهار.
إنه عالم الطفولة حين يدخل عالم الكبار بحذر واستغراب يملؤ عالمهم المتعطش إلى معرفة عالم الكبار بكل تناقضاته وأعاجيبه.
تتميز القصص بـ"شعرية" عالية في السرد، حيث يرسم الكاتب عالم الطفولة بزمنه وطقوسه وقضاياه الحياتية. هذا المزج بين النثر الفني والشعرية يضفي على النصوص جاذبية خاصة ويجعل القارئ يعيش تفاصيل البيئة الشعبية المحلية بديناميكية عالية، ويسهم في بناء بنية إنسانية وجيولوجية للأمكنة.
أما المكان فيضعه نجمان ياسين مقاربا موضوعيا للإنسان المحمل بعبء الحياة وتقلباتها وتشظيات الحياة مع المعاناة والقناعة .
ولا شك أنَّ المكان يبقى عنصراً رئيساً في العمل الأدبي السردي سواء أكان قصصيا أم روائيا، بل إنَّ البعض يعده الهيكل الذي يحمل باقي عناصر السرد، ومن خلاله يُقدم الكاتب للقاريء بقية عناصر العمل كالزمن والأحداث والشخوص الرئيسية والثانوية وغيرها من العناصر، إنه من العناصر المهمة والأساسية التي لايمكن الاستغناء عنها فلا يمكن لأية قصة قصيرة إلا أن تحتوي على مكان تحدث فيه الأحداث.
والمكان في القصة القصيرة محدودٌ، ويكون في معظم حالاته مناسباً للحدث، ومتوافقاً مع الحوار ومتناسباً مع البعد النفسي والاجتماعي للشخصيات وثقافتهم. وقد يعتمد بعض كتاب القصة عدم تحديد مكان معين فيكون المكان عاماً قد يرتبط به مصير الانسان، وأحياناً أخرى يكون المكان فسيحاً يتناول مصير الإنسان بشكل عام في الحياة.
أما أبعاد المكان في مجوعة "ذلك النهر الغريب" فكان متنوعاً من حيث (الحجم ، والمساحة ، والفراغ ) وحقق وظائفه السردية ومنها ( التواصل والتعدد والاتصال والاتجاه) واستطاع نجمان ياسين أن يجعل المكان محط تفاعل شخوص النص، فللمكان عنده مسافات دقيقة مدروسة بعناية استطاع بقدرته ومن خلال حبكة متناسقة ومتماسكة أن يضبطها بايقاع زمني حقق فيه المسافة الشخصية والاجتماعية .
يعيش الإنسان في عالم يتصف ببعدين أساسيين هما: الزمان والمكان، ففيهما يحيا الإنسان وينمو الجنس البشري ويتطور، والمكان تاريخيا أقدم من الإنسان، والإنسان بوجوده وكينونته في المكان يعيد تشكيله وتحويله إلى أشكال مختلفة حسب احتياجاته الحياتية، ووفق ثقافته.
وبالرغم من أنَّ المكان والزمان عنصران متلازمان لا يفترقان، فإنَّ المكان ثابتٌ على الضد من الزمان المتحرك، وهو في ثبوته واحتوائه للأشياء الحسية المستقرة فيه يُدرك بالحواس إدراكا مباشرا . حيث أن المكان صورة أولية ترجع إلى قوة الحساسية الظاهرة التي تشمل حواسنا الخمس أما الزمان فيدركه الإنسان إدراكا غير مباشر من خلال فعله فيه.
وهذا التوازن الدقيق بين عنصري الزمان والمكان تجليا في المجموعة من خلال إبراز الطابع الشخصي والرؤية الشخصية والحوار الداخلي القصير الذي كان علامة فارقة في نصوص المجموعة .

منح نجمان ياسين المكان بعدا فلسفيا فالمكان ليس محصورا بمحلة الشيخ فتحي وأزقة الموصل ونهردجلة الذي يجري في قلب الموصل بل هوما تحل فيه الأشياء والمعاني والرغبات بأبعاد رمزية. إنه عالم متماسك من الشعور الداخلي وروح الألفة والانبهار بكل تفاصيل المكان وتعرجاته، وهذه التعرجات تسير بشكل متناسق مع تعرجات نَفَس ذلك الصبي حين يدور في أزقة الموصل . فصار للمكان تأثيره الكبير في المجموعة كلها إذ لعب دور المفجر لطاقات المبدع ومعبراً عن مقاصد المؤلف ورؤيته .
والمكان في الأعمال السردية بناء لغوي، يُشيّده خيال الكاتب، ويستلهم تجلياته من تجارب شخصية ومن تفاعل حي مع الواقع، والطابع الشكلي اللغوي فيه يجعله يتضمن كل المشاعر والتصورات التي تستطيع اللغة التعبير عنها، ذلك أن المكان في المجموعة ليس هو المكان الطبيعي أو الموضوعي فقط بل هو مكان يخلقه المؤلف في النص السردي عن طريق الكلمات ويجعل منه شيئا خيالياً متجدداً قابلا للتفسير وتقديم قراءات ورؤى متنوعة حسب طاقة القاريء وتفاعله مع النص، فالمكان في المجموعة بالرغم من قوة اتصاله بالحقيقة لكنه يبقى مكاناً متخيلاً متشكلاً بالكلمات انصياعا لأغراض التخييل وحاجته، شكَّلته عبقرية الأديب وقدراته على التصوير والتخييل .
وللقاص نجمان ياسين سبلٌ شتى في تأسيس الفضاء أو المكان القصصي، منها: الوصف، واستخدام الصورة الفنية، وتوظيف الرموز، واستطاع أن يجعل لكل منها دوره الفعال في النص. وهو حين لجأ إلى الوصف، برهن على قدرته بجعلنا نرى الأشياء أكثر وضوحا، فالوصف ذكر الأشياء في مظهرها الحسي الموجودة عليه في العالم الخارجي. و يقدم الأشياء للعين في صور أمينة تحرص على نقل المنظور الخارجي أدق النقل، وهويلائم الأشياء التي توجد بدون حركة فإنه يختص بتمثيل الأشياء في سكونها.
وحين لجأ نجمان إلى وصف المكان أو الفضاء فقد بث فيهما المصداقية حيث المكان في النص مماثلا في مظهره الخارجي للحقيقة، نابعا من مرجعيته الواقعية، وحين وصف المكان الطبيعي بتجسيده جعلنا نقف أمام صور شبه حقيقية للمكان تخبرنا عن مظهره الخارجي ورسم صورة بصرية متنوعة جعلت إدراك المكان بواسطة اللغة ممكنا وبكل جزئياته وأبعاده. وهو بتوظيفه عناصر المكان المحسوسة لتشكيل مكانه المتخيل، حقق المعادلة الدقيقة لأي سارد حين يُدخل العالم الخارجي بتفاصيله الصغيرة في عالم النص التخييلي ويُشعر القارئ أنه يعيش في عالم الواقع لا عالم الخيال، ويخلق انطباعا بالحقيقة أو تأثيرا مباشرا بالواق.
ولا شك أنَّ ثمة علاقة تأثير وتأثر بين المكان والشخصيات القصصية – رئيسية وثانوية – إذ يُعد المكان عنصرا أساسيا في تشكيل بنية هذه الشخصيات، كما أنه لا يتشكل إلا من خلال اختراق هذه الشخصيات له وظهورها فيه بمميزاتها والأحداث التي تقوم بها فيه، الأمر الذي يؤكد لنا أنَّ المكان حقيقة معاشة، ويؤثر في البشر بنفس القدر الذي يؤثرون فيه، فمن الوهم إذن الاعتقاد بانفصال المكان عن تأثير الإنسان القاطن به أو العابر له، ذلك أن علاقة التأثير والتأثر بين المكان والإنسان تتوثق من خلال الدور الذي يلعبه كل منهما إزاء الآخر، فالمكان يكشف عن شخصية الإنسان، بينما يعطي الأخير للمكان قيمته من خلال تجربته فيه.
و حين عمد نجمان ياسين إلى إسقاط مجموعة من الصفات الواقعية على الفضاء فقد فعل ذلك بغية البرهنة على العلاقة بين المكان والشخصية في النص،. كما أنَّ اختلاف هذه الصفات وتنوعها من مكان إلى آخر في الفضاء السردي يمكن أن يعكس لنا الفروق الاجتماعية والنفسية والأيديولوجية لدى شخوصه. إضافة إلى أنَّ الدلالات النابعة من هذه الفروق يمكن أن تكون تعبيرا عن رؤية شخوصه إلى العالم وموقفهم منه، كما تكشف عن الوضع النفسي للشخوص وحياتهم اللاشعورية ، وصار للمكان بعد نفسي يسبر أغوار النفس البشرية، عاكسا ما يثيره المكان من انفعال سلبي أو إيجابي في نفـس الشخصية القصصية فيه .
تُعد التجربة الشخصية للقاص رافداً أساسياً في تشكيل رؤيته للحياة وفي بناء عمله الأدبي،ولا يمكن فصل القاص عن تجاربه المعيشية والوجدانية، فهي المادة الخام التي ينهل منها، والمنظار الذي يرى من خلاله العالم. ويتجلى دور التجربة الشخصية في جوانب عدة ،منها تشكيل الرؤية الكونية والفلسفية فالتجارب الشخصية، سواء كانت فرحاً أو ألماً أو اغتراباً أو خوفاً، تنحت رؤية القاص للحياة والوجود. هذه الرؤية ليست مجرد آراء مجردة، بل هي مشبعة بالعاطفة والتأمل وتُترجم إلى ثيمات (مواضيع) محورية في قصصه. وهي أيضا عامل مهم في بناء الشخصيات وتعميقها حيث يستمد القاص الكثير من تفاصيل شخصياته الروائية من أشخاص حقيقيين قابلهم أو من جوانب من شخصيته هو، وتمنح التجارب الشخصية القدرة على فهم النفس البشرية بعمق، مما يجعل الشخصيات في العمل القصصي أكثر صدقاً وقرباً من القارئ.ويجب الانتباه إلى أن السرد القصصي ليس نقلاً حرفياً للواقع، بل هو عملية انتقاء وتأويل للأحداث. فالتجربة الشخصية توجه هذا الانتقاء، والقاص يختار الأحداث التي تر وقعت معه وتحمل دلالات خاصة تتوافق مع رؤيته الفنية.وعندما يكون القاص قريباً من التجربة التي يكتب عنها، حتى لو كانت مغلفة بالخيال، فإن ذلك يمنح النص مصداقية فنية عالية (وليس بالضرورة مصداقية واقعية بحتة). فالمتلقي يشعر بصدق المشاعر المنقولة، مما يعزز الرابط العاطفي بين النص والمتلقي.
والصورة الفنية تتعدى – بوصفنا متلقين – حدود الرؤية للمكان بعناصره الفيزيائية، إلى المشاركة الوجدانية، وهذا يؤكد لنا أنَّ الصورة الفنية لا تثير في ذهن المتلقي صورا بصرية فحسب، بل تثير صورا لها صلة بكل الإحساسات الممكنة التي يتكون منها نسيج الإدراك الإنساني ذاته. وهنا تكمن عبقرية اللغة القصصية حيث تتمكن من إعطاء أبعاد حسية لما لا وجود له إلا بالوعي ، وفي إضفاء صفة الواقعية على ما هو تصوري محض.
من ثم يتسنى لنا القول بأن التصوير اللغوي إيحاء لا نهائي يتجاوز الصور المرئية لكونه صورة فنية تمتاز بأنها ثمرة انتقاء وتهذيب للمادة المحسوسة المستمدة من الطبيعة أو من الحياة الإنسانيـة، وغاية هذا الانتقاء هو إثارة التأثير أو الانفعـال الجمالي.
وتؤثر التجارب الحياتية للقاص وبيئته الثقافية والاجتماعية في اختياره للغة التي يكتب بها، سواء أكانت لغة فصحى راقية، أم عامية محكية، أم مزيجاً منهما، وكيفية توظيفه للرمزية والإيحاء.
ولغة " ذلك النهر الغريب" تتميز بسرد أحداث مترابطة (واقعية أو خيالية) عبر شخصيات وزمان ومكان، وتعتمد على استخدام الأفعال للحدث والأسماء للشخصيات والأماكن و الصفات للوصف، وتداخل عناصر الوصف والحوار لإضفاء الواقعية والعمق، مع استخدام الضمائر الشخصية (أنا، هو، هي) والأزمنة التاريخية، بهدف إيصال مغزى أو عبرة للقارئ.
واستخدم ياسين لغة مكثفة وموحية، قادرة على التقاط التفاصيل الدقيقة ورسم صوراً حيَّة ومؤثرة. تبتعد عن المباشرة، وتعتمد الايحاء والرمزية لخلق عوالم قصصية متكاملة تتطلب من القارئ مشاركة تأويلية في فك رموزها ودلالاتها.
باختصار، تقدم مجموعة "ذلك النهر الغريب" جماليات متفردة نابعة من قدرة الكاتب على تحويل التجارب الإنسانية العميقة، كالخوف والذاكرة والطفولة، إلى نصوص قصصية ذات بنية فنية متماسكة ولغة شعرية غنية، مما جعلها محط اهتمام النقاد والدراسات الأكاديمية
إنَّ وظيفة الكلمات في المحيط الخارجي لا تعدو أن تكون مجرد إشارات لأشياء بعينها، لكنَّ وجودها داخل سياق النص الأدبي يعطيها بعدا دلاليا أعمق، حيث تخرج هذه الكلمات من مجرد كونها إشارات و رموز ذات كثافة دلالية، وهي بذلك تنتقل من معناها الدلالي المباشر إلى مستوى أعلى في الدلالة، فالكلمات تصير رموزا في سياق النص الأدبي حين تكون موحية وتشير إلى معان كثيرة، هذه المعاني التي يمكننا التوصل إليها من طبيعة الكلمة ذاتها، ومن تكرارها داخل النص، ومن كيفية توظيفها في إطار الصورة الفنية، إضافة إلى علاقتها ببقية عناصر النص السردي من شخصيات وحدث وزمان … إلخ.
وتبرز بوضوح في هذه المجموعة القصصية فاعلية الذاكرة وهي أساس لا يمكن تجاهله في أي عمل سردي، حيث تُستخدم كتقنية سردية لإعادة استحضار الماضي، وتشكيل هوية الشخصيات، وربط الأحداث عاطفياً، وتُعدّ "مخزناً" للانطباعات والتجارب التي يتفاعل معها الإنسان، وتُوظَّف لتوليد عوالم غريبة أو لإثارة المشاعر، وتتكامل مع الخيال لتنسج نسيج القصة، وتُظهر العلاقة بين الذات والواقع والتاريخ، وتتراوح بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية للمجتمع.
والذاكرة لها وظيفة في هذا العمل القصصي فهي حاضرة لبناء السرد من خلال تحويل الحقائق إلى سرد يسهل تذكره، وخلقت تسلسلاً منطقياً للأحداث، مما ربط الماضي بالحاضر.
وكانت أيضا عنصرا رئيسا ساعد في بناء الشخصيات وتطويرها وكشفت دوافع الشخصيات وعوالمها الداخلية من خلال استرجاع ذكرياتهم وتجاربهم الشخصية، ولاسيما المؤلمة منها.
وهي أيضا رابطة ومظهرة للعواطف وللانفعالات من خلال ربط الحداث بالعواطف والمشاعر لتصبح الذكريات أكثر حيوية واستمرارية في ذهن القارئ.
وهي أيضا مجال التحول والتخيل عبرالانتقال بين عوالم مألوفة وغريبة، حيث تتشابك الذاكرة مع الخيال لنسج الخطاب السردي، وتنتقل بين ذاكرة الذات وذاكرة الواقع الميتاسردية.
ومن خلال الحضور الفاعل للذاكرة يجري إعادة بناء التاريخ وإعادة تعريف الذات والمجتمع بديلاً عن الاعتماد على تعريف الآخرين، ولاسيما في سرد تجارب مهمشة، كما برزت بشكل واضح في معظم قصص المجموعة التي تطوف حول أزقة الموصل وأمكنتها التاريخية.
والذاكرة تساعد المتلقي على فهم النص وتذكره، وبالتالي حضور قوي للتفاعل العاطفي معه .
والذاكرة مرجعية أساسية وعنصر فاعل في البناء السردي لقصص نجمان ياسين في هذه المجموعة. يعود الكاتب إلى الماضي عبر تقنيات الاسترجاع (Flashback) لاستحضار إحالات تاريخية واجتماعية موروثة، مما يمنح النصوص عمقاً وبعداً يتجاوز الحكاية السطحية ويربط القارئ بالواقع المعاش والتاريخ الجمعي، ولاسيما في سياق التجربة العراقية.
ويمكننا القول أنَّ القاص نجمان ياسين استخدم نوعين من الذاكرة: الذاكرة العاملة (قصيرة المدى لمعالجة المعلومات بشكل مؤقت أثناء القراءة والفهم، والذاكرة (طويلة المدى) لتخزين الأحداث والتجارب التي تشكل السرد الأساسي للقصة وتؤثر في الشخصيات.
والذاكرة الشخصية بوصفها عنصرًا فاعلًا في البناء السردي لقصص نجمان ياسين فيها إحالات تاريخية واجتماعية موروثة فاعلة في النص أفرغها في إطارٍ سردي ضمن كينونة قصصية، وقد تمثلت في مرجعيات تاريخية شكَّلت الأنساق التي تنطلق منها رؤية القاص، وأسهمت المرجعيات في تأطير عملية التواشج بين الذاكرة والقصة، إذ نرى فيها حيثيات ماضية مصاغة بأسلوب الحاضر، لكنَّ الماضي كان متعالقا بقوة مع هذا الحاضر.
ويكشف نجمان ياسين في المجوعة الستار عن منطقة شعبية غنية بالموروث الشعبي والديني والسحري، وتعاني من اختناق سياسي واقتصادي واجتماعي، وهذا المكان المنفتح على طاقة الانسان هو الثيمة الأساسية لهذه المجموعة المبهرة التي تحيل الواقع إلى خيال جميل نكاد نسمع من خلاله الهمسات والآهات من وراء حجب الكلمات .
هذه المجموعة تستهدف العودة إلى البراءة الأولى، إلى الينبوع الأول، محاولة تسعى من أجل تقييد الموروث الشعبي والقيم الشعبية والفلكلورية التي بدأت تغيب بفعل هجوم المدنية التي تنقض بخشونة على أجمل ما في الانسان.
تطرح المجموعة إشكالية الخوف بوصفه ثيمة جمالية محورية. حين تمكن نجمان ياسين ببراعة من تحويل الأحاسيس والانفعالات والعواطف المرتبطة بالخوف والفزع إلى استعارات وأفعال سردية تشكل الفضاء الجمالي للنص.
"ذلك النهر الغريب" هو عنوان يحمل في طياته دلالات الغرابة والاغتراب، وربما الخوف من المجهول أو من الواقع القاسي، مما يثير في المتلقي شعوراً بالدهشة والانجذاب.
قرأتها أكثر من مرة وأتمنى أن أنساها كي أستعيد لذة الدهشة بمجالها الجمالي الثر.







التعليقات