انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

خطاب الذات..وشعرية الغفران في قصيدة(حديث مع جلال الدين الرومي) لنجمان ياسين

كمال عبد الرحمن
كمال عبد الرحمن

كاتب وناقد عراقي

5 دقائق للقراءة
78 مشاهدة
خطاب الذات..وشعرية الغفران في قصيدة(حديث مع جلال الدين الرومي) لنجمان ياسين
مشاركة:

خطاب الذات..وشعرية الغفران

في قصيدة(حديث مع جلال الدين الرومي) لنجمان ياسين

ان التمركز الشديد للذاتية  في النص قد لايعني شعريا العزلة والانفصال ، بقدر ما يعني التفاعل  والتواصل،كما ان القصيدة في أعمق حالاتها  خصوصية وذاتية لاتعيش الا في فضاء الاخر،وكلما كانت العلاقات الجوانية المؤسِسة للكيان الشعري  في القصيدة صحيحة ونظيفة وواضحة وخصبة،فان تجلياتها النصية في اتصالها بالمكونات،والقرائية في اتصالها  بالقارىء، والرؤيوية في اتصالها بالعالم،تفيض على الما حول وتحقق معه جدلا ثريا،يضع التمثل الشعري المتخيل بوصفه معرفة في مقدمة المعارف البشرية التي تسهم في رقي الانسان ومضاعفة روح الحضارة والتمدن فيه، نجمان ياسين شاعر مختلف، شاعر خاص، وهو بالوقت نفسه عاشق اسطوري أو أسطورة في العشق، تشتغل حاسته العاشرة  على مئات الأميال المنظورة وغير المنظورة وهي المسافة المائزة الرائية  بين الروح والقلب:

ما أن منّ الله وأوقفني بين يديك

حتى أبصرت أنواره تتجلّى فيك ...

ها هي ذي الفراشات تحوم حواليك

وأكثر من نجمةٍ تنتسب اليك

ها هي روحك ترفُّ

تكتنز الإشراق، في قلوب العشاق

ها هي الشمس ترفل في عينيك

وسلسبيل الحب، ينبثق من يديك

سرب من ملائكةِ الوجد، يحرس وسامة ابتسامتك

يمسك بالقلب، وينصبه تاج العقل

ويمضي بالمتيمين ، الهائمين، المخطوفين، الى فجر أنوارك

ويمضي بنا إليك ...

أيَّ معجزة حباكَ مبدعك

لتجعل الشجر ينبت من الحجر؟

وتهزم شيخوخة سنواتي السبعين

وتعيدُ إليّ رونق فتوتي التي كنتُ أضعت؟

جئت في المساء

صليت – ركعتين في العشق

ولم يسرقني زحام المريدين

رأيتك تغادر - التكية - التي لم تتسع للعاشقين

ففرشت جسدك المبارك في الباحة المزدانة بالمخطوفين

المأخوذين بعسل كلماتك

طردت شمسُكَ الليل

وحلَّ نهارٌ ينثر الإشراق ...

قادني قلبي، حيث هطلت دموعي

وأنا أذوي في خضرة حضرتك

وأمام ضريحك الرهيف

كنتُ أرتّل الآيات البيّنات

وأرددّ أشعارك

وأنتحبُ

مسدت قلبي وقلتَ لي:

- يا بني مثواي في قلوبكم

وأنا بين يدي حبيب، محبّ

وهذا مقام سرور

وأنا في نعيم ربّ الحُبور !

خطاب الذات..وشعرية الغفران

في قصيدة(حديث مع جلال الدين الرومي) لنجمان ياسين

في هذه الابيات نتفق بعض الشيء،مع رأي الدكتور الناقد محمد صابر عبيد،الذي يرى ان( الذاتوية) لاتشكل انعزالا  ولا قطيعة مع( الاخر) بل تتواشج معه وتتفق(( لايعني شعريا العزلة والانفصال قدر ما يعني التفاعل والتواصل))،فهنا نرى ان شبكة الذات بدأت تلقي بظلالها اولا على جسد النص،ومن ثم تتشرنق علنا على  مساماته وما تلبث  ان تتشرب في اعماق النص، حتى لانكاد نسمع صوتا في القصيدة سوى صوت الذات (ألأنا):

* حتى أبصرت

* صليت ركعتين

* رأيتك تغادر - التكية - التي لم تتسع للعاشقين

* ففرشت جسدك المبارك

* طردت شمسُكَ الليل

* وأنا أذوي في خضرة حضرتك

* كنتُ أرتّل الآيات البيّنات

* وأرددّ أشعارك

*وأنتحبُ

أضف الى ذلك انتشار ظلال الذات في كل شبر من القصيدة(وأبصرتها تنتظرني / إخضلّت عيناي، وشرعتُ أصغي اليك/ - قلتُ لك يا بُنيّ / قلتُ:- يا مولاي، بين الزهور ترقدون/ قلتُ:- يا مولاي/ الآن أدركتُ بلاغة / وقلت بلهفة طفل مبتهج / كنتُ أرمقُ بزوغك في المحراب..الخ)

ان انتشار الذات في هذا النص الصوفي  بهذه الكثافة،لهو أمر يستدعي الانتباه ويلفت النظر الى جدلية لغوية تقول( هل نجح الشاعر في هذه التجربة ) أم ( لم ينجح)،ومن الممكن مناقشة هذه الجدلية أولا: استنادا الى مقولة النفري الشهيرة((كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة))،فالشعراء الشباب(في كل واد ابداعي يهيمون!)،فلو قرأت قصيدة..اية قصيدة لأحد شعرائنا العرب الكبار  الان ..فلن تجد فيها رائحة الذات ولامكان فيها للـ(الأنا) الطاغية،ذلك انهم يتسعون برؤاهم الشعرية نحو آفاق انسانية واسعة جدا،تضيق عنها( الأنا) الشاحبة الفقيرة طرحا وابداعا،وثانيا: العالم يتغير كل يوم،وهذه المتغيرات تحتاج الى نصوص طويلة لها القدرة على التجرد من الذاتوية المحض،والانضمام الى قافلة الهموم الانسانية الكبرى، لذلك نرى نجمان يوسع أفق الأنوية نحو مسارات بكر في جدلية الأنسنة التي تتعالق بين "أنا" و" الآخر" في غيابات العشق والعناء:

- كلنا سنصل ذات يوم

ونغادر هذا السفر الدامي

ولكم أن تداروا قلوبكم قبل سفركم

وكونوا في صحبة العاشقين التائبين !

ولتظلوا في نعيم الوالهين

الذين يبصرون الحبيب، المحبوب في كل حين !

قلتُ:

- الحنين الى بلدي يُشجيني

وليس لي إلاّ أن أؤوب

فبلدتي تناديني

قلتَ لي:

لا تعجل يا ولدي، فبلدتك فيك، وأنت فيها، أينما حللت

وتريّث

فكلنا سنؤوب الى محيط الغفران!

لاشك أن صناعة النص الفلسفي الصوفي تستدعي الكثير من الوعي والثقافة والحذر،فقصيدة  تقوم على الحوار المنظور واللامحسوس بين " الشيخ" و" مريده" أو بين " التابع" و" المتبوع" من خلال تشكل نص فلسفي روحي، فالشيخ يحكي والمريد يصغي ولا يتعلم، وهو يريد أن يتعلم، ولكن ليس بمقدوره أن يتعلم، لذلك يتكلم الشاعر بما توحي نفسه اليه من خزائن الأسئلة، في الوقت الذي يمتلك فيه الشيخ خزائن الأسرار،فالشاعر يحدثنا عن عالم قصيدته من خلال شعرنة الافعال الصوفية وتاريخ المعاناة التي اغرقت روحه في جحيم الأسئلة التي لاجواب لها ولعل أعظم الأسئلة هي التي تبقى بلاجواب!

يحدثنا الشاعر عن سردية التوبة بشعرية عالية  بطريقة مغايرة لما عهدنا في كتابات نجمان ، وربما هناك سؤال يقول:هل هو ضروري ان يقص الشاعر للقارىء ـ وربما لنفسه ! ـــ بقصيدة،كيف تتكون القصيدة لديه؟وبعبارة اخرى،أهو ضروري ان يقرض الشاعر ،معاناة كتابة الشعر،بالشعر؟،وربما ايضا يكون الجواب: ان الشاعر قد يتخذ لنفسه(منزلة بين المنزلتين) بين الناس والآلهة،بين الواقع والاسطورة،بين المتعالي والأرضي،ليغترف من فيض المنزلة هذه،جماع الأخيلة والصور التي يغذي بها شعره،أي انه،كمن يقف حاسر الرأس،تحت البروق الربانية ليمسك بها،ثم يقدمها للناس،هبة أو هدية ملفوفة بالغناء.

ان  الشاعر يجلس على محور الاشياء ،ويتأمل في سر الكون، ويغذي عقله وعواطفه بمآثر الماضي العظيمة،وبمرور وتقلبات الزمن والفصول وتعقيد العالم.. ومعاناة كل ذلك،حتى اذا تسرب الى داخل نفسه((التعبير النقي)) الزم خلقه بتراث  القدامى وامتلأروحه ووجدانه بالمآثر وأهتز هزة المنفعل،طرح الكتب بعيدا،وتناول ريشته ليعبر عن نفسه في كلمات.

ان شاعرنا نجمان ياسين يضع نصه في مواجهة محورين اساسيين،الاول(الذاتوية الصرفة والأنا المحض):

*( حتى أبصرت أنواره تتجلّى فيك ...)

*( ففرشت جسدك المبارك في الباحة المزدانة بالمخطوفين)

*( كنتُ أرتّل الآيات البيّنات)

*(- وداعاً يا مولاي، فالسفر ينتظرني)

والمحور الثاني:( جدلية ألأنا/ الاخر):

*( ما أن منّ الله وأوقفني بين يديك)

*( وتهزم شيخوخة سنواتي السبعين)

*( مسدت قلبي وقلتَ لي:)

*(- قلتُ لك يا بُنيّ، هذا مكان لا فسحة للحزن فيه)

ان يكتب الشاعر قصيدة جديدة،لايعني انه يمارس نوعا من الكتابة،وانما يعني انه يحيل العالم  الى شعر:يخلق له فيما يتمثل صورته القديمة،صورة جديدة،فالقصيدة حدث أو مجيء، والشعر تأسيس،باللغة والرؤيا،تأسيس عالم واتجاه لاعهد لنا بهما،لهذا كان الشعر تخطيا يدفع الى التخطي.

ومع هذا.. مع كل هذا،لقد وضع الشاعر نجمان ياسين نصه في فوهة المدفع،ووضع تقاناته وقدراته في أتون المحنة الشعرية،وغامر وقامر بالكثير من معطيات قصيدته هذه..لكنه كما يعلم او لايعلم..أزف اليه بشرى النصر على اعداء النص،هؤلاء الاعداء الذين كان بامكانهم ان يخلخلوا البنية الشعرية والصفة الابداعية في القصيدة،ومنهم(الأنا الطاغية)و(ضيق افق النص) و(الخطابية والتقريرية والمباشرة) وغيرها..كلهم انتصر عليهم بنجاح نجمان ياسين.. وابدع وتفوق!.

مشاركة:

آخر تحديث: ٩ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٧:١٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار 

قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين
قراءات

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار  قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين

رواية (عالم زي... زو) للاديب مهدي علي أزبين، صوت يناهض الواقع القائم في عصر محو القيم الإنسانية ، وموت المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن روح الإسان ، بمعى آخر هو عالم قتل الروح الاإسانية ، وتحول دماغ الاإسان الى مجرد آلة بدون إحساس وشعور ... حيث يحضر الروبوت أكس كشخصية محورية في العالم الرقمي لحل…

· 4 د