ليست المرأة في الحياة مجرد حضور عابر في المشهد الإنساني، ولا كائناً ينتظر أن يُمنح دوره كي يمارسه؛ فهي في كثير من التحولات الاجتماعية كانت شريكة في صناعة الحياة، وحارسة للذاكرة، وصانعة للأسرة، ومقاومة في وجه الانكسارات التي حاولت أن تنتزع منها حقها في الحلم والاختيار. غير أن هذا الدور الريادي كثيراً ما اصطدم بواقع لا يمنحها المساحة التي تستحقها، فتجد نفسها مطالبة بالعطاء أكثر مما تُمنح حق الأخذ، وبالصبر أكثر مما يُمنح لها حق الشكوى.
ولعل أكثر ما يؤلم في حكاية المرأة ليس أنها تحلم، وإنما أن يتحول الحلم ذاته إلى فضاء بعيد، تراه ولا تطاله، تقترب منه كلما ظنت أنها أمسكت بخيطه، ثم تعيدها الحياة إلى النقطة التي بدأت منها. وبين الحلم والواقع تتشكل مساحات واسعة من الانتظار والخوف والخذلان، فتبدو المرأة وكأنها تخوض معركة صامتة لإثبات وجودها، لا في مواجهة الآخرين فحسب، بل في مواجهة صورة صنعتها الأعراف والتقاليد والتوقعات الاجتماعية عنها.
ومن هنا تأتي مجموعة "نحو فضاء بعيد" للكاتب خالد موسى لتضع المرأة في مواجهة أسئلة وجودية واجتماعية وعاطفية لا تنتهي عند حدود الحكاية؛ فالمرأة في هذه القصص لا تظهر بوصفها شخصية سردية تؤدي دوراً محدداً، وإنما بوصفها كياناً مأزوماً يبحث عن منفذ، ويحاول أن يفتح نافذة في جدار كثيف من القيود. إنها تمنح، وتنتظر، وتعشق، وتخاف، وتنكسر، لكنها لا تتوقف عن البحث عن ذلك الفضاء الذي قد يكون خلاصاً أو وهماً أو مجرد حلم مؤجل.
ولذلك يبدو عنوان المجموعة نفسه مفتاحاً مهماً للقراءة؛ فـ "نحو" تعني الحركة والاستمرار، بينما "فضاء بعيد" يحيل إلى غاية لا تزال خارج المتناول. وكأن المرأة في هذه النصوص تتحرك باستمرار نحو شيء لا تعرف إن كانت ستصل إليه، لكنها تعرف يقيناً أن الوقوف يعني الاستسلام.

وأنا أقترب من عوالم هذه المجموعة، أدرك أن الحلم حين يصبح طريقاً شاقاً، لكني أجد نفسي أستعجل النهايات؛ ربما لأنني أبحث عن أمل يختبئ في خواتيم القصص، أو لأنني أريد أن أصدق أن كل هذا الوجع لا بد أن يقود في النهاية إلى نافذة مفتوحة. لكن الحكاية لا تمنحني دائماً ما أريد. فكلما ظننت أن المرأة اقتربت من خلاصها، وجدت نفسها أمام سؤال جديد، أو خوف آخر، أو جدار لم يكن في الحسبان.
وهنا تكمن أهمية التجربة السردية؛ فالمرأة لا تكافح من أجل الوصول إلى السعادة بمفهومها البسيط، وإنما تكافح أولاً من أجل إثبات وجودها. إنها تتسول حلماً، لا لأنها عاجزة عن الحلم، بل لأن الواقع جعل تحقيقه امتيازاً يحتاج إلى ثمن. لذا تجدها تمتطي خيول الشوق، وتذهب بعيداً في مخيلتها، وترسم لنفسها صورة لحياة مختلفة، ثم تستيقظ على واقع يعيدها إلى مكانها الأول.
وفي هذا السياق يمكن استحضار مقولة الفيلسوف "جان بول سارتر":
"الإنسان محكوم عليه أن يكون حراً"
فالحرية عند سارتر ليست رفاهية، وإنما مسؤولية وقلق واختيار. وهذه الدلالة تضيء بعض شخصيات المجموعة؛ فالمرأة حين تبحث عن حريتها لا تبحث عن امتياز زائد، وإنما عن حقها في أن تكون ذاتاً تختار، لا موضوعاً يُختار له.
إنها تمنح وتغدق في العطاء، ثم تبدأ بمقارنة ما قدمته بما حصلت عليه. ليست المقارنة هنا حساباً مادياً، وإنما مراجعة داخلية موجعة: ماذا أعطيت؟ وماذا بقي لي؟ ماذا فعلت بي السنوات؟ وإلى أين أخذني هذا الطريق؟
فتتوالى الأسئلة عليها كـمطر صيفي؛ كثيفة، مفاجئة، وسريعة الانهمار، لكنها لا تروي أرضاً عطشى بقدر ما تزيدها ارتباكاً. ويأتي الخوف ليقض مضجعها، لا خوف اللحظة وحدها، بل خوف القادم؛ ذلك المجهول الذي تقف أمامه المرأة وهي تحمل ذاكرة مثقلة بالتجارب.
ولعل أجمل الرموز التي يمكن التوقف عندها في المجموعة صورة البلبل السجين. فحين يضرب البلبل عن الطعام، ويصبح بقاؤه في القفص أشبه بالموت البطيء، لا تستطيع المرأة أن تظل مجرد متفرجة. تفتح له الباب.
لكنها حين تفعل ذلك، يبدو الأمر وكأنها لا تطلق البلبل وحده، بل تطلق شيئاً مكبوتاً في داخلها. فالبلبل ليس مجرد طائر، والقفص ليس مجرد قفص. إنهما يتحولان إلى معادل رمزي لحياة كاملة: كائن يريد الفضاء، وجدار يصر على إبقائه داخله. وحين تفتح المرأة الباب، فإنها تمارس فعلاً من أفعال التحرر، حتى لو بقي قفصها هي مغلقاً.
وهنا تصبح المفارقة أكثر إيلاماً: أن تمنح الحرية لمن يشبهك، بينما تعجز عن الوصول إليها.
ولعل هذه الصورة تختصر كثيراً من وجع المرأة في المجموعة؛ فهي قد تكون أسيرة المكان، أو العادات، أو الخوف، أو علاقة عاطفية لم تعد تمنحها سوى الألم، لكنها رغم ذلك تحتفظ بقدرتها على منح الحياة للآخرين.
وفي قصة أخرى تبدو المرأة المطيعة وكأنها تدخل الحياة الزوجية وهي تحمل يقيناً بسيطاً: أن السعادة بحر لا ينضب، وأن البيت الذي تبنيه مع من اختارته سيكون ملاذاً من قسوة العالم. لكن الحياة لا تلتزم دائماً بما ترسمه المخيلة.
يداهم العقم عش الزوجية، فيتحول الحلم إلى سؤال، والسؤال إلى خوف، والخوف إلى اغتراب داخلي. وهنا لا يعود العقم قضية جسدية فحسب، بل يتحول إلى ضغط نفسي واجتماعي، وإلى مرآة تكشف هشاشة العلاقة حين تصبح المرأة مطالبة بتبرير وجودها من خلال قدرتها على الإنجاب.
تنساب الأسئلة في ذهنها كأنها تستدعي عالماً سحيقاً لم تتغير فيه الموازين كثيراً: لماذا تُحاسب المرأة وحدها؟ لماذا يُختزل حضورها في وظيفة واحدة؟ ولماذا يصبح جسدها ساحة للحكم الاجتماعي؟
وهنا تتقاطع التجربة مع رؤية "سيمون دي بوفوار" الشهيرة في كتابها الجنس الآخر، حيث تقول:
"لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك"
والمقولة، في سياق المجموعة، تفتح باباً مهماً للتأمل؛ لأن المجتمع لا يكتفي بوجود المرأة، بل يرسم لها مسبقاً ما ينبغي أن تكونه، وما ينبغي أن تحلم به، ومتى تفرح، ومتى تصمت، وحتى بأي صورة ينبغي أن تكون سعيدة.
وحين تفشل في أداء الصورة التي رسمها لها المجتمع، تبدأ محاكمتها. فتتحول الأسئلة في رأسها إلى رماد؛ أسئلة كثيرة، لكنها لا تجد طريقاً إلى إجابة، ثم تأتي الريح فتبعثر ذلك الرماد، وكأن الحقيقة نفسها لم تعد قادرة على الإمساك بشكلها.
وفي مساحة أخرى من المجموعة، لا تحتاج المرأة إلى حدث كبير كي تستعيد الماضي؛ يكفي لحن جميل. فاللحن هنا ليس موسيقى عابرة، وإنما مفتاح سري لذاكرة مغلقة. بمجرد أن يصل إلى مسامعها، يعود اللقاء الأول، وتستيقظ المشاعر، وتتأهب الحواس، ويصبح الماضي أكثر حضوراً من الحاضر.
إن الذاكرة لا تعمل بمنطق الزمن؛ فهي لا تسأل: كم مضى؟ بل تسأل: ماذا بقي؟ وقد يكون ما بقي نغمة، أو نظرة، أو كلمة، أو لحظة صغيرة اختبأت طويلاً في زاوية من الروح، ثم جاءت الموسيقى لتستخرجها دفعة واحدة.
لكن الكلمات المحبطة تأتي بعد ذلك لتقلب المشهد كله. تصبح كدوامة في مياه البحر؛ لا تكتفي بإرباك القارب، بل تهدد بإغراقه. إنها تغرق قارب الوعي، وتحبس الأنفاس، وتحفر في القلب أنفاقاً تعيد المرأة إلى المربع الأول. وهنا يبدو الماضي وكأنه ليس مكاناً انتهى، بل مكاناً يستطيع أن يعود متى وجد مفتاحه.

تتعدد القصص، لكن الوجع يتخذ أشكالاً متقاربة: الفقر، والعنوسة، والعشق الممنوع، والانتظار، والخوف، والانكسار. واللافت أن هذه القضايا لا تظهر منفصلة عن بعضها، بل تتداخل لتصنع شبكة من الضغوط تحاصر المرأة من جهات متعددة. فالفقر قد يحاصر الاختيار، والعنوسة قد تتحول إلى وصمة اجتماعية، والعشق الممنوع قد يجعل القلب متهماً قبل أن يُمنح فرصة الدفاع عن نفسه.
وفي كل مرة تبدو المرأة وكأنها تقف عند عتبة حلمها، ثم يأتي الواقع ليقول لها: ليس الآن. وربما لهذا السبب كنت أخشى النهايات، كنت أستعجلها، وأتمنى أن أجد في آخر السطر فسحة نجاة، لكنني كلما تقدمت وجدت أن الكاتب لا يريد أن يقدم خلاصاً سهلاً؛ فالحياة التي ترسمها القصص أكثر تعقيداً من أن تُحل بجملة أخيرة. إنها نهايات تجعل القارئ شريكاً في القلق؛ لأن السؤال لا يموت مع نهاية القصة، بل ينتقل من الورق إلى داخله.
ربما لا تكمن مأساة المرأة في هذه المجموعة في أنها لم تصل إلى الحلم، بقدر ما تكمن في أنها ظلت تراه. فالحلم الذي لا يُرى يموت، أما الحلم الذي يبقى في الأفق، فإنه يتحول إلى قوة تدفع الإنسان إلى الاستمرار، حتى وإن كان الوصول إليه مؤجلاً.
ومن هنا يصبح "نحو فضاء بعيد" أكثر من عنوان؛ إنه المسافة بين المرأة وما تريد أن تكونه، بين صورتها التي اختارتها لنفسها والصورة التي أرادها لها الآخرون، بين الحب الذي حلمت به والحب الذي عاشته، وبين الحرية التي تتخيلها والقفص الذي تجد نفسها داخله.
ومع ذلك، لا تبدو نساء خالد موسى مستسلمات تماماً. ففي لحظة ما، تفتح إحداهن قفص البلبل. وفي لحظة أخرى تستعيد صوتاً من الماضي. وفي لحظة ثالثة تواصل السير رغم معرفتها بأن الطريق شائك. وكأن المجموعة تقول لنا، دون أن تصرح: قد لا نملك الوصول إلى الفضاء البعيد، لكننا نملك أن نواصل السير نحوه.
ولهذا لا أريد أن أستعجل النهاية هذه المرة. فربما كانت النهايات التي أخشاها ليست نهايات فعلية، وربما كان ما حسبته رماداً في مهب الريح مجرد بقايا حلم تبحث عن جهة تهب منها الريح من جديد.
وقد يبقى الباب موارباً... والبلبل الذي خرج من القفص، ربما لم يكن وحده الذي غادر.








التعليقات