في قلب مدينة السليمانية، وتحديداً خلف مبنى السراي التاريخي، طوت عقود من الإهمال والأسفلت فصلاً كاملاً من ذاكرة المدينة. لم يكن التراب والخرسانة اللذان غطيا تلك المساحة يخفيان مجرد أرض عابرة، بل كانا يطبقان على أثر يعود لقرنين من الزمان، كاد أن يبتلعه جشع المشاريع الاستثمارية التجارية لولا يقظة التنقيب والبحث العلمي.
اكتشاف يفكك ألغاز البابانيين
من رحم التهديد التجاري وُلد بصيص أمل أثري، قادته جامعة السليمانية عبر فريق متخصص من الأساتذة والخريجين. بعد نحو تسعين يوماً من أعمال التنقيب المضنية والشاقة التي أزاحت طبقات الأسفلت والخرسانة المسلحة، انكشف الستار عن "حمّام فاطمة خان
هذا الصرح التاريخي، الذي يعود لحقبة إمارة بابان، يمثل المعلم المعماري الأول من نوعه الذي يمد جسراً مباشراً وواضح المعالم بين العصر الباباني وتاريخ السليمانية الحديث، مانحاً الباحثين دليلاً ملموساً على شكل الحياة الحضرية والعمرانية إبان تلك المرحلة المبكرة.
من كانت فاطمة خان؟
وراء جدران الحجارة والقصارة القديمة، يقف اسم يحمل عبق التاريخ؛ ففاطمة خان هي زوجة الأمير عبد الرحمن باشا بابان، ووالدة سليمان باشا بابان. لم تكن سيدة قصر تقليدية، بل يذكر التاريخ بصماتها الواضحة في مشهد العمل الخيري والعمراني، حيث يُنسب إليها تشييد "كهريز أم الباشا"، إضافة إلى هذا الحمّام الذي حمل اسمها، والذي بدأ كمنشأة خاصة بأمراء بابان ليتحول لاحقاً إلى فضاء خدمي عام لعموم أهالي المدينة.
إن بقاء اسمها حيّاً في الذاكرة طوال قرنين يعكس المكانة الاجتماعية الرفيعة التي تمتعت بها نساء النخبة البابانية، ودورهن الفاعل في تشكيل النسيج الإنساني والحضاري للمدينة، فالحمّامات الشرقية القديمة لم تكن مجرد أمكنة للاستحمام والنظافة، بل كانت مجالس اجتماعية مصغرة تنبض بيوميات الناس وتفاصيل عيشهم.
هندسة حرارية متقدمة تحت الأرض
لم يُعثر على أطلال باهتة، بل هيكل معماري متكامل يتباهى بتخطيط هندسي دقيق يقسم الحمّام إلى ثلاثة أجزاء رئيسية: القسم البارد، القسم الساخن، ومنطقة تسخين المياه المعروفة محلياً بـ "الجهنمية".
في القسم البارد تبرز نافورة أثرية وأحواض تجميع مياه صغرى، بينما يضم القسم الساخن مصطبات جلوس وغرفاً للمستحمين. أما المفارقة المذهلة فتكمن في نظام التدفئة الأرضية والجدران إذ كشفت التنقيبات عن نفق سفلي لتسخين الأرضيات وأنابيب فخارية مدمجة داخل الجدران لتوزيع الحرارة بانتظام، وهو ما يبرهن على رقي العمارة السليمانية وبراعتها الهندسية المبكرة في القرن التاسع عشر.
ثلاثمائة شاهد صامت
لم تتوقف المفاجآت عند الجدران والأقبية، بل توجت المرحلة الأولى من التنقيب بالعثور على أكثر من ثلاثمائة قطعة أثرية متنوعة. هذه اللقى الدقيقة، المتمثلة في جرار وأوانٍ وأدوات صغيرة، تتحدث بصمت بليغ عن تفاصيل الحياة اليومية، لتعود السليمانية اليوم وتسترد جزءاً عزيزاً من روحها وتاريخها المنسي من تحت الأرض إلى النوري
شواهد ناطقة ولحظات إنسانية تخترق الزمن
لم تتوقف مفاجآت التنقيب عند الأقبية والجدران المعمارية، إذ أسفرت المرحلة الأولى عن استخراج أكثر من ثلاثمائة قطعة أثرية متنوعة شملت جراراً وأواني فخارية، وقطع سيراميك، ومسكوكات نادرة، ومجموعة ضخمة من الغلايين الفخارية التي قُدر عددها بنحو مائة وثمنين غليوناً، إلى جانب حلي معدنية وذهبية بديعة. ويعكس هذا التنوع الواسع، المتمثل في نقود عراقية وروبيات هندية وعملات قاجارية، طبيعة الحراك الاقتصادي والثقافي النابض الذي عرفته المدينة في ذلك العصر.
وربما كانت القطع الذهبية المتمثلة في الأقراط والخواتم الأكثر إثارة للفضول والتأمل، إذ يرجح ارتباطها بنسوة استخدمن الحمّام في الزمن الغابر. هذه التفاصيل الدقيقة تمنح الموقع نبضاً إنسانياً فريداً؛ فالجدران تروي قصة هندسة البناء، بينما يهمس القرط أو الغليون بحكايات من عاشوا هنا ورحلوا. من ارتدى ذلك الخاتم؟ ومن فقد قطعته الذهبية وترك مكانه ومضى؟ تظل هذه التساؤلات البسيطة نافذة حية تقربنا من بشر اختفت هوياتهم خلف تراكمات الزمن والوثائق.
بين روايات التأسيس وتقاطع الأرشيف
تحيط بنشأة الحمّام روايات متباينة، فبينما تُجمع المصادر الحكومية وجامعة السليمانية على نسبته إلى فاطمة خان كمنشأة أنجزت في حقبة إمارة بابان، تنقل روايات محلية أخرى أن تشييده يعود إلى عام 1835 بأمر من سليمان باشا، مقترناً باسم فاطمة خان لكونها أول من ارتياده قبل أن يُخصص لفئات محددة وخدم المساجد.
ولا يمثل هذا الاختلاف إشكال بقدر ما يعمق مسارات البحث، فتاريخ المدن لا يُكتب بقلم واحد، بل تتشابك فيه السجلات العثمانية، والروايات الشفهية، والخرائط القديمة، وصور جوية التقطتها القوات البريطانية لمنطقة السراي، وصولاً إلى شهادات كبار السن. إنها منهجية علمية تدمج الذاكرة الشعبية بصلابة الأرشيف وتخضعهما لاختبار الدليل المادي.
صدى الرحالة ومفارقة السبعين عاماً
لم يكن وجود الحمّام غائباً عن تدوينات الرحالة الأوروبيين، فقد أشار كلوديوس جيمس ريج أثناء زيارته للسليمانية عام 1820 إلى وجود خمسة حمامات، متحدثاً عن وصف حمام فاطمة خان بكونه جميلاً ومشرقاً ونظيفاً. وإذا صحت هذه المطابقة التاريخية، فإن المبنى كان يؤدي دوره قبل تاريخ 1835 المتداول محلياً، وهو ما يفرض دراسات أعمق لحسم توقيت التأسيس بدقة.
واللافت أن هذا الصرح ظل مدفوناً لنحو واحد وسبعين عاماً بعد خروجه نهائياً من الخدمة عام 1954، حيث استمر شاهداً على تحولات السليمانية طوال القرن العشرين حتى أعادته معاول التنقيب إلى الواجهة.
من الردم العتيق إلى المتحف المفتوح
لا تقف غاية المشروع عند حدود الاستخراج، بل تتجه الجهود نحو حماية المعلم بسقف واقٍ والتمهيد لتحويله إلى متحف مفتوح للزيارة الثقافية والسياحية. وهنا تكمن التحديات الكبرى في آليات الترميم الحافظة للأصالة، وطرق عرض اللقى بسياقاتها الحقيقية، لتظل القيمة الحقيقية لحمّام فاطمة خان كامنة في حكايته المتكاملة، لا في مجرد الأرقام والقطع المستخرجة من باطن الأرض.







التعليقات