لم يعد الذكاء الاصطناعي يقف عند مساعدة الموسيقي في تنقية الصوت أو المونتاج أو المزج الفني، فقد أصبح له قدرة كبيرة على أن ينتج أغنية كاملة خلال وقت قصير. ويستطيع أي مستخدم أن يكتب الوصف الذي يريده، فيقترح النظام عليه اللحن والغناء ونوع الإيقاع، وكذلك يمكنه اختيار نوع آلات وأي عنصر يُسهم في بنية الموسيقى. ومن الشركات التي دفعت هذه التجربة بسرعة إلى الجمهور شركة «سونو» الأمريكية، التي طورت منصة خاصة لصناعة الموسيقى بالذكاء الاصطناعي، واتسعت أعمالها وقد أعلنت في يونيو 2026 أنها تمكنت من جمع أكثر من 400 مليون دولار في جولة استثمارية، وهذا أدى لرفع قيمتها إلى 5.4 مليارات دولار.
مشاكل وأسئلة لم تعد موسيقية فقط
هذه السرعة في النمو المذهل صاحبتها مشاكل وأسئلة لم تعد موسيقية فقط، ولعل أهمها: وماذا يحدث عندما تقترب من صوت فنان محدد وهويته واضحة وله أسلوب خاص كوّنه بجهده خلال سنوات أو عقود؟
ولكن الأمر لم يظل مجرد طرح أسئلة، وحدث تطور هام في 31 أغسطس 2026، رفع أربعة موسيقيين أمريكيين دعوى جماعية مقترحة أمام المحكمة الاتحادية في ماساتشوستس ضد «سونو». يتقدمهم المغني وكاتب الأغاني جايسون إيزبل، ومعه ديفيد لوري، وغاي فورسيث، وإدواردو كايي. ووفق تقرير لوكالة رويترز، فهؤلاء الموسيقيون اتهموا الشركة باستغلال أسمائهم وصورهم وهوياتهم من دون إذن ولا اتفاق مسبق، وهذا سمح بإنتاج أغانٍ تحاكي أساليبهم الفنية وتقلدها. وتطالب الدعوى بتعويضات ووقف ما اعتبره أصحابها استغلالًا لهوياتهم وانتهاكًا للملكية الفكرية وحقوق المؤلف. أما «سونو» فترفض كل هذه الاتهامات جملة وتفصيلًا، وتدعي بأن أدواتها مصممة لإنتاج موسيقى جديدة وأصلية، وإنها وضعت وسائل لمنع إساءة الاستخدام. هذه القضية جديدة وما تزال أمام القضاء، لذلك تظل هذه اتهامات تحتاج إلى تحقيق مطول، وبعدها سوف يصدر القضاء حكمه.
المثير هنا أن هذه الدعوى لم تقم أساسًا على حقوق نشر أغنية محددة. فقد أوضح تقرير متخصص نشرته «ميوزيك بيزنس وورلدوايد» أن الشكوى تقع في 84 صفحة ولا تتضمن مطالبة تقليدية بانتهاك حقوق المؤلف والنشر.
يبدو أن هذه القضية سوف تتجه إلى هوية الموسيقي نفسها. ويقول أصحاب الدعوى إن إدخال اسم جايسون إيزبل إلى نموذج «سونو» أدى إلى إنتاج أغنية بعنوان «بيبر بيل»، مع وجود وصف موسيقي وصورة غلاف تستحضر عالم المغني. كما تتهم الشكوى النظام الذي يقوم على الذكاء الاصطناعي بأنه قد يأخذ خصائص صوتية لمغنين ويعطيها لآخرين.
الأغنية شيء وصوت صاحبها شيء آخر
تضعنا هذه الدعوى أمام فرق مهم يستحق النقاش. فالموسيقي يستطيع أن يتعلم البلوز أو الجاز أو الروك، ولا يستطيع مغنٍ أن يعلن ملكيته لنوع موسيقي كامل ويقول إنه حقه أو أنه مكتشفه. لأن التأثير والمحاكاة والتعلم من السابقين جزء هام من التاريخ الموسيقي كما نعلم جميعًا. لكن الأمر يصبح مختلفًا عندما يتم اختراع نظام تجاري يمكنه أن يستحضر شخصًا بعينه، أو يولد صوتًا يجعل المستمع يظن أنه قريب جدًا من فنان أو فنانة معينة.
جميعنا يعرف أن صوت أي مغنٍ يتشكل خلال سنوات طويلة. ولكل فنان نبرته وطريقة تنفسه ونطقه ولهجته وقدرته على مد الكلمات أو كسرها، وكل هذه العناصر ترتبط باسمه وصورته وتاريخه الموسيقي. هناك مطربون نعرفهم من ثوان قليلة قبل حتى أن نعرف الأغنية. لذلك يصبح السؤال الجاد والمهم: هل يمكن اعتبار هذه الهوية مادة مجانية ونسمح للذكاء الاصطناعي أن يعيد تركيب بعض سماتها أو يتلاعب بها أو يستنسخها؟
لكن شركة «سونو» تعلن موقفًا معاكسًا لهذه الصورة. ففي مبادئها المنشورة في أغسطس 2026 تقول إن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يساعد على الأصالة ويتجنب التقليد، وإنها لا تستخدم أسماء الفنانين في بيانات التدريب الوصفية، ولا تسمح بأوامر تطلب فنانًا محددًا أو أغنية محمية. وتقول أيضًا إنها تعمل على وضع علامات رقمية تكشف أن العمل مولد عبر منصتها. هذه هي رواية الشركة عن نظامها، لكن الموسيقيون يقولون في الدعوى إن وسائل الحماية التي تدعيها لم تكن كافية.
وهنا لا تبدو المواجهة بين الموسيقي والتقنية حتمية. وهذا يقودنا نسأل بطريقة عفوية وبسيطة: لماذا لا تتفق شركات الذكاء الاصطناعي مع الفنان نفسه؟
يمكن للفنان أن يمنح ترخيصًا قانونيًا لاستخدام صوته أو صورته أو بعض عناصر هويته، ويحدد العقد مدة الاستخدام وطبيعته والمجالات المسموح بها وحقه في الرفض ومقدار المقابل ونصيبه من العائد. عندها لا نكون أمام فنان يكتشف فجأة أن نسخة رقمية قريبة منه تشتهر وتتحرك خارجه دون إذن أو مقابل.
وهذا الاتجاه لم يعد افتراضًا. فقد أعلنت «سونو» في نوفمبر 2025 شراكة مع «وارنر ميوزيك غروب» تتضمن تجارب يستطيع فيها فنانون مشاركون، بعد موافقتهم، السماح باستخدام أسمائهم وصورهم وأصواتهم ومؤلفاتهم في تجارب موسيقية جديدة مولدة بالذكاء الاصطناعي، بمقابل. وفي أغسطس 2026 أعلنت «سونو» أيضًا بتوقيع شراكة مع «بي إم جي» لتطوير نماذج موسيقية، وتحدثت صراحة عن فرص اقتصادية للفنانين وكتاب الأغاني الذين يختارون المشاركة. إذن هناك طريق قانوني عندما يوافق الفنان ويجد التعويض.
خابي لام: نموذج للهوية التي تصبح أصلًا تجاريًا
تظهر هنا تجربة بعيدة عن الموسيقى لكنها ربما قد تساعدنا على رؤية حجم التحول عالميًا. ففي يناير 2026 دخل المؤثر السنغالي الإيطالي خابي لام في صفقة ضخمة مرتبطة بشركته «ستيب ديستينكتيف» مع «ريتش سباركل هولدنغز».
انتشرت أخبار الصفقة أحيانًا بطريقة توحي بأن خابي لام حصل على 975 مليون دولار مقابل وجهه. لكن الأمر يبدو أكثر تعقيدًا. فالوثائق المقدمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية كشفت أن قيمة الصفقة حددت بـ975 مليون دولار مقابل كامل أسهم الشركة المستهدفة، وكان المقابل 75 مليون سهم في «ريتش سباركل»، وليس 975 مليون دولار نقدًا دُفعت له مقابل صورته.
لكن الجزء الذي يهمنا هنا شيء حقيقي ومثير. فقد شملت الترتيبات إذنًا باستخدام وجه خابي لام وصوته وأنماط سلوكه لتطوير «توأم رقمي» بالذكاء الاصطناعي. وأوضحت وكالة تابعة للمفوضية الأوروبية عند تناولها القضية أن النموذج يمكن استخدامه في إنتاج محتوى سمعي بصري بلغات مختلفة من دون اضطرار لام إلى الحضور شخصيًا في كل تسجيل.
الفرق بين النموذجين: خابي لام وقضية جايسون إيزبل ورفاقه
الفرق بين هذا النموذج وقضية الموسيقيين واضح. خابي لام دخل في علاقة تعاقدية تستثمر علامته وهويته التجارية، بينما قضية جايسون إيزبل ورفاقه تقول بأن هوياتهم استُخدمت من دون موافقتهم. لذلك لا ينبغي أن نقارن الأرقام مباشرة، ولا أن نقول إن صوت كل مغنٍ يساوي مئات الملايين. صفقة لام تشمل شركة وعلامة تجارية ونشاطًا اقتصاديًا وحقوقًا متعددة. لكنها تقدم لنا مبدأ يستحق الانتباه، فالهوية البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت قابلة للبيع وللترخيص وتحديد المقابل، أي يصبح لها ثمن مالي.
ومن هنا يظهر سؤال قد تواجهه شركات الموسيقى قريبًا، فإذا كان من الممكن الاتفاق مع مؤثر على استثمار وجهه وصوته وحركاته في توأم رقمي، فلماذا لا يتم الاتفاق بين المغني والشركة الموسيقية على استخدام صوته في نموذج توليدي مقابل مبلغ أو نسبة من الإيرادات؟
بالتأكيد قد يوافق بعض الفنانين ويرفض البقية. وربما يطلب نجم عالمي مبلغًا ضخمًا، بينما يختار فنان شاب إتاحة صوته مقابل نسبة صغيرة لأنه يريد الانتشار. ولكن من المهم جدًا أن يبقى القرار بيد صاحب الهوية، وأن يعرف الجمهور متى يسمع الفنان الحقيقي ومتى يسمع نموذجه المولد صناعيًا، وكل ذلك بموافقة الفنان.
من يملك الإنسان الرقمي؟
قضية «سونو» ربما سوف تتجاوز في النهاية، فهي ليست خلافًا بين أربعة موسيقيين وشركة تقنية. فنحن نقترب من زمن يمكن فيه فصل الصوت عن صاحبه، وأن يؤخذ الوجه من الجسد، والأداء لا يشترط حضور مؤديه. ويمكن للنسخة الرقمية أن تنتج أعمالًا جديدة بسرعة لا يستطيع الأصل البشري مجاراتها مهما كانت قدراته الإبداعية.
وهنا أصبح المال جزءًا أساسيًا في هذه النقاشات. فعندما تحقق شركة قيمة بمليارات الدولارات بفضل قدرتها على توليد الموسيقى، فمن حق الفنانين أن يسألوا عن حقوقهم في هذا الربح الضخم، وخاصة عندما تدخل أصواتهم أو أعمالهم أو هوياتهم في بناء تلك التجارة. وفي المقابل، لا يمكن اعتبار كل تشابه موسيقي سرقة، لأن الموسيقى نفسها قامت دائمًا على التأثر والتعلم وتوارث الأشكال وتطوير الأنماط.
حلول أقل تعقيدًا
لهذا يبدو الترخيص الفردي أحد الطرق القانونية. وهو بطبيعة الحال قد لا يحل كل شيء، لأننا سنظل نسأل عن بيانات التدريب والأساليب المشتركة وحقوق المؤلفين والموسيقيين الذين أسهموا في الأعمال ولكنهم لا يملكون قوة تفاوضية كبيرة، وقد يحدث ظلم فالأغنية لم ينتجها شخص واحد.
ويبدو أن «سونو» نفسها بدأت تتحرك الآن نحو نماذج تقوم على مشاركة أصحاب الحقوق. وهذا يعني أن السوق بدأ يدرك أن مستقبل الموسيقى التوليدية لن يستقر طويلًا إذا دخل في قضايا ومحاكم قد تعرضها لخسائر فادحة. الشركة تقول اليوم إن الفنانين المشاركين في بعض شراكاتها الجديدة سوف يستطيعون الاستفادة ماليًا من استخدام أصواتهم وهوياتهم، وهذه خطوة تجعل سؤالنا أكثر إلحاحًا: هل يمكن أن يصبح هذا المبدأ قاعدة عامة بدل أن يبقى امتيازًا لمن تمثلهم الشركات الكبرى؟
هناك حلول أقل تعقيدًا، أي إذا أرادت شركة صوت فنان بعينه، فلتذهب إليه، وتشرح له ما تريد، وتحصل على موافقته، وتتفق معه على المقابل، وتخبر الجمهور أن الصوت مولد بالذكاء الاصطناعي بترخيص من صاحبه. عندها يمكن للتقنية أن تفتح بابًا اقتصاديًا وإبداعيًا جديدًا للفنان بدل أن تتحول إلى خصم له أو تشوه فنه.
ولكن الصراع سيظل قائمًا إذا اعطي للآلة حرية أخذ جهد أي فنان دون موافقته. وربما لهذا فالمعركة القادمة لم تعد تتعلق بقدرة الذكاء الاصطناعي على الغناء، فهذه القدرة أصبحت موجودة بالفعل ومفروغ منها. المعركة الحقيقية ستكون حول حق الإنسان في أن يقرر متى وكيف وبأي ثمن يستطيع العالم أن يستخدم صوته بعد أن أصبح من الممكن فصله عنه.







التعليقات