التواريخ الإنسانية حبلى بالحوادث والخطوب، فما بين قصة وأخرى حدثٌ مؤلم وفاجعة وقعت لتترك بصمة سوداء على جبين التاريخ الإنساني. ولعلّ أكثر قصة مؤلمة من بين القصص الكثيرة، هي قصة استغلال الإنسان للحيوان.
فالإنسان، ومنذ عشرات الآلاف من السنين، استأنس الحيوان ليصبح إحدى ضروراته الملحة للبقاء. ومع تقدمه الفكري والحضاري والاجتماعي، وظهور الحضارات والممالك والإمبراطوريات، أصبح الحيوان ركناً أساسياً من حياة الإنسان، سواء كان ملكاً أو تاجراً أو إنساناً عادياً؛ فقد استخدمت الحيوانات وسائط أساسية للسفر والتجارة والتنقل من بلد إلى آخر، بل واستُعملت في الحروب والغزوات والتفاخر بها، حتى حلّت اللحظة التي أجبر فيها الإنسان الحيوان على التحول القسري من رفيق للبقاء ووسيلة نقل، إلى مُجَنَّد قسري في أعتى مسارح الدمار والخراب التي عرفتها البشرية جمعاء.
أن قضية استغلال الحيوانات في الحروب والنزاعات ليس وليد اليوم، بل تمتد لآلاف السنين؛ حيث مثّلت الحيوانات -كالخيول والبغال والجمال- ركيزة في الحروب القديمة، ابتداءً من الحضارات الأولى التي ظهرت في العالم، وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى التي استُغلت فيها الحيوانات أبشع استغلال. ففي الوقت الذي كانت فيه الدول الكبرى تسعى لتصنيع واستحداث معداتها العسكرية، بقيت جيوشٌ عديدة تستخدم الخيول والبغال لنقل المؤن والمعدات أو للهجوم أمام نيران المدافع والرشاشات التي كانت تحصد الموت بالمجان، لا تفرق بين إنسان وحيوان... فالموت في طبيعة الأحوال واحد لا يتغير.
المجندون الصامتون
يظهر الاستغلال الابشع للحيوان جلياً في الحرب العالمية الأولى (1914–1918)؛ حيث توجد العديد من الشواهد التاريخية الموثقة عن سوء استغلال الحيوانات واختطافها ضمنياً من بيئاتها الطبيعية وزجّها في أتون النيران.
فحسب أرشيفات متحف الحرب الإمبراطوري البريطاني، وتقارير متاحف الذاكرة العسكرية العالمية، بالإضافة إلى مذكرات الجنود والضباط والأدبيات العسكرية، فإنه تم تجنيد ما يقارب 16 مليون حيوان، مات معظمها في ساحات القتال والخنادق، وتم التخلص من الباقي بعد نهاية الحرب بعمليات إعدام جماعي أو إهمال قاسٍ.
ولم تُستخدم الحيوانات في الحرب العالمية الأولى لمجرد نقل العتاد فحسب، بل تحولت إلى "حيوانات سخرة" تُساق عنوة إلى حتفها؛ حتى أطلق بعض الصحافيين والكتاب والمؤرخين آنذاك على الحيوانات ألقاباً معبرة مثل: "المجندون الصامتون"، أو "المجندون بلا رتب".

شواهد من قلب المأساة
ومن أبرز الشواهد التاريخية عن سوء الاستغلال ما حصل في معركة باشنديل عام 1917؛ حيث تحولت الأرض إلى برك ضخمة من الطين العميق، وكانت الحيوانات تُرَبّط بسلاسل لسحب المدافع والعتاد الثقيل، وكان الحصان إذا انزلق وسقط في الطين يغرق حياً.
وبحسب الأرشيفات العسكرية البريطانية، فإن الآلاف من الخيول ماتت اختناقاً في الوحل قبل أن تطالها نيران المدافع.
أما الحوادث الأخرى الموثقة بمرارة، فهي الاختناق بالغازات السامة -كغاز الكلور وغاز المسترد- حيث لجأت بعض الأطراف المتصارعة إلى استخدام هذه الأسلحة لتحقيق أفضلية ميدانية. وتنقل لنا الأرشيفات العسكرية البريطانية أنه وتحديداً في معركة إيبر الثانية، لم تكن هناك أقنعة واقية تناسب وجوه الخيول والبغال، وكانت الحيوانات تستنشق الغازات أثناء سحب عربات الإمداد، فتموت بالاختناق البطيء والمؤلم.
فضلاً عن ذلك حالات الانهيار العصبي والهستيريا والرعب الجماعي الذي أصاب الحيوانات على الجبهة و الناجم عن دوي الانفجارات المتواصلة؛ حيث كانت معظم الحيوانات تنهار عصبياً، وترفض الأكل، أو تقع صريعة بسبب أزمات قلبية ناجمة عن الذعر والضغط العصبي المستمر دون إصابة جسدية مباشرة.
إحصائيات وأرقام موثقة
بحسب الإحصائيات العسكرية والميدانية الموثقة في المتاحف والأرشيفات العسكرية، فإن متوسط عمر الحصان على الجبهة الأمامية في فرنسا لم يكن يتعدى أربعة أسابيع فقط منذ لحظة وصوله إلى الجبهة.
وتوفر "جمعية رعاية الحيوانات في الحروب" (ومقرها المملكة المتحدة) ملفات وأوراقاً بحثية تفصيلية عن تجنيد الخيول الإجباري في أسبوعه الأول عام 1914، وظروف استخدامها في سحب المدفعية الثقيلة. إضافة إلى ذلك، فإن ما تم فقدانه من تلك الحيوانات في الحرب العالمية الأولى وحدها وصل إلى ما يقارب 8 ملايين حصان وبغل، وأكثر من 200,000 جمل.

المصير بعد نهاية الحرب
بعد أن اختُتمت آخر فصول الحرب العالمية الأولى وعُقدت الهدنة بين الدول المتصارعة، رفضت العديد من الحكومات (ومنها البريطانية والفرنسية) إعادة معظم الخيول والبغال إلى بلدانها الأصلية نظراً لتكلفة نقلها العالية؛ فتم بيع مئات الآلاف منها للمجازر في أوروبا، والتخلص من المتبقي عبر إعدامات جماعية مارستها الجيوش ضدها. وفي كلتا الحالتين، لم تسلم تلك الحيوانات لا في زمن الحرب ولا في السلم.
وهنا يتجلى لنا بأن الحرب العالمية الأولى لم تكن مجرد صراع مدرعات وخنادق وبشر، بقدر ما كانت مسلخاً مفتوحاً لأكثر من 16 مليون كائن حي؛ فالحيوانات التي كانت يوماً ما ترعى في الحقول الخضراء وسط جمال الطبيعة الأوروبية الساحرة، وجدت نفسها تغرق في طين باشنديل وتستنشق غازات الكلور في إيبر، ليثبت الإنسان بذلك أن وحشيته لا تقف عند حدود بني جنسه فقط.
وفي الختام، تجسّد الأدبيات العالمية هذا الألم الإنساني والحيواني المزدوج بصورة بالغة القسوة؛ إذ ينقل لنا الكاتب الألماني "إريك ماريا ريمارك"، في روايته الخالدة "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" هذا المقطع المؤثر الذي يصف فيه صراخ الخيول المصابة تحت وابل القصف:
"ثم تبدأ الخيول في الصراخ. لم أكن أعلم قط أن الخيول تستطيع أن تطلق مثل هذا الصراخ. إنه يمزق القلب... إنه أنين العالم بأسره، صراخ الخلق المذعور، لشيء لا يُطاق ولا يُحتمل. نحن نرتعش جميعاً. حتى كات يبدو شاحباً وفاقد النطق. إنها خيول مجروحة بطريقة مروعة. يندفع (ديتينغ) غاضباً، ووجهه متجهم، ويصرخ في وجه الجميع بانهيار وهستيريا: 'اللعنة، اقتلوها.. ألا تسمعون صوتها؟ أطلقوا النار عليها لترتاح!'. إنها تبدو كأنها بشر في ألمهم وعذابهم، وهذا هو الأمر المرعب حقاً".







التعليقات