انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

11 دقائق للقراءة
23 مشاهدة
جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي
مشاركة:

ليس كل باب في الأدب مدخلًا إلى مكان، فبعض الأبواب عتبات خفية يعبر منها الإنسان إلى المناطق التي لم يكن يعرف أنها موجودة في داخله، وبعض الحكايات تبدأ بجريمة صغيرة لكي تضع القارئ أمام محاكمة كبيرة، لا يُستدعى فيها المتهم وحده، وإنما يُستدعى معها كل من شاهد وفسّر وانتظر وأصدر حكمًا قبل اكتمال الحكاية. في قصته على باب ردهة الطوارئ، المنشورة في مجلة التلغراف بتاريخ 17 تشرين الأول 2026، يضعنا جمال الهنداوي أمام تجربة سردية تبدو للوهلة الأولى مألوفة في مادتها الحكائية:  لص محترف نسبيًا، ومستشفى، وضحية منشغلة، وهاتف ثمين، وفرصة سرقة تتحقق في لحظة ارتباك إنساني. غير أن هذه العناصر لا تستنفد القيمة الأدبية للنص، لأن أهم ما يحدث فيه ليس انتقال الهاتف من يد صاحبه إلى يد السارق، وإنما انتقال المعنى من منطقة اليقين إلى منطقة الاحتمال، ومن الحكم الأخلاقي الجاهز إلى السؤال الذي يستعصي على الإجابة. هنا تكتسب القصة قابليتها للقراءة في ضوء نظرية التلقي التي أسهم هانس روبرت ياوس في تأسيس أفقها التاريخي والجمالي، وعمّق فولفغانغ إيزر فهمها لفاعلية القارئ في إنتاج الدلالة؛ فالنص الأدبي، في هذا المنظور، ليس وعاءً مغلقًا يحتوي معنى مكتملًا ينتظر من يستخرجه، وإنما بنية احتمالية لا تتحقق جماليتها إلا عندما تدخل في علاقة حية مع توقعات قارئها وخبراته ومخزونه الثقافي والأخلاقي. يبدأ الهنداوي باستحضار أبي كمال، المعلم الذي يلقّن سالم قواعد السرقة ويكشف له أن بوابة الطوارئ فضاء مثالي للاقتناص، لأن الناس هناك مشغولون بالموت المحتمل أكثر من انشغالهم بممتلكاتهم. ومنذ هذه اللحظة يتشكل أفق انتظار أولي، يتوقع القارئ بموجبه حكاية عن احتراف الجريمة، أو عن سقوط اللص في قبضة العدالة، أو عن مفارقة تنتهي بعقوبة مناسبة. لكن السرد لا يلبث أن يزعزع هذه التوقعات عندما يكشف أن الرجل المستهدف ليس مجرد حامل لهاتف ثمين، وإنما إنسان يتردد في كتابة رسائل موجعة، وأن انشغاله ليس غفلة عادية، بل امتداد لمحنة لا يعرف القارئ حقيقتها بعد. تنشأ هنا أولى المسافات بين المعرفة السردية والمعرفة القرائية، إذ يرى سالم في الهاتف غنيمة، بينما يبدأ القارئ في رؤية الهاتف بوصفه حاملًا لاحتمال إنساني غامض. ومن هذه المسافة يولد التوتر الجمالي الذي يتجاوز التشويق التقليدي؛ فالقارئ لا ينتظر نجاح السرقة أو فشلها فحسب، وإنما ينتظر اكتشاف ما يخفيه الحزن المحيط بالرجل. وعندما تسقط طفلة صغيرة من ذراع أمها في الشارع، فيلتفت الرجل إليها، ويستغل سالم اللحظة للاستيلاء على الهاتف، تنشأ مفارقة أخلاقية بالغة الدقة: إن الاستجابة الإنسانية الطبيعية لمحنة طفل هي نفسها التي تتيح وقوع الجريمة. وهكذا يجعل الهنداوي فعل الرحمة، في لحظة عابرة، سببًا غير مباشر لوقوع الأذى، قبل أن يعيد توظيف صورة الطفولة لاحقًا لتصبح مصدرًا لاحتمال الخلاص. ووفق مفهوم المسافة الجمالية عند ياوس، يمكن النظر إلى هذه الحركة بوصفها انتقالًا من أفق متوقع إلى أفق جديد يعيد ترتيب العلاقة بين الفعل ودلالته. ولا تكمن أهمية القصة في أنها تجعل اللص يشعر بالندم، فهذه ثيمة عرفتها آداب كثيرة، وإنما في أنها تجعل القارئ يراجع طريقته في استقبال اللص نفسه، بعد أن كان قد استقر في وعيه بوصفه شخصية تستحق الإدانة وحدها. إن القصة لا تطلب تبرئة سالم، لكنها تجعل إدانته أقل بساطة، وتلك بداية فعل التلقي الحقيقي: أن يفقد الحكم جاهزيته، وأن يصبح المعنى تجربة مراجعة مستمرة.

الهاتف الذي صار مرآة: القارئ الضمني والذاكرة التي تستيقظ من صورة

تتحول القصة تحوّلًا حاسمًا عندما يغادر سالم محيط المستشفى ويجلس في غرفته الفقيرة متأملًا الهاتف المسروق؛ فالمكان الذي كان يبدو ملاذًا آمنًا لإخفاء الغنيمة يتحول تدريجيًا إلى فضاء للمساءلة، والجهاز الذي كان يُقاس بثمنه التجاري يبدأ في اكتساب قيمة أخرى لا يمكن تحويلها إلى نقود. هنا يبرز ما يسميه فولفغانغ إيزر القارئ الضمني، أي الموقع الذي يبنيه النص داخل تنظيمه الجمالي، ويدعو القارئ الفعلي إلى شغله من خلال وصل المشاهد واستكمال العلاقات غير المصرّح بها. فالهنداوي لا يقدم لسالم تاريخًا نفسيًا مكتملًا منذ البداية، ولا يكشف دفعة واحدة عن الجرح الذي يسكن ذاكرته، وإنما يسمح للقارئ بأن يتقدم معه عبر سلسلة من العلامات المتدرجة: شاشة لا تطلب رمزًا سريًا، إشعارات متلاحقة، صور جديدة، طفلة شاحبة، سرير أبيض، أنابيب طبية، ثم مقطع مصور يحمل صوتًا هشًا يطلب كتابًا مصورًا بعنوان قصة شمس والوردة. هذه التفاصيل ليست مجرد وسائل لتطوير الحدث، بل هي درجات في سلم إدراكي تتغير عند كل واحدة منها طبيعة العلاقة بين الشخصية والشيء والقارئ. ففي البداية يبدو الهاتف موضوعًا اقتصاديًا خالصًا، ثم يتحول إلى مستودع خصوصية، ثم إلى سجل للألم، وأخيرًا إلى وسيط يعيد ميتة من الماضي إلى الحضور. وحين يرى سالم الطفلة ويتذكر شقيقته مريم، التي رحلت بعد مرض قاسٍ، لا يعود الهاتف ملكًا للرجل الذي سُرق منه وحده على المستوى الرمزي، وإنما يصبح حاملًا لذاكرتين تتقاطعان من غير أن تعرف إحداهما الأخرى: ذاكرة الأب الذي يخشى على طفلته، وذاكرة الأخ الذي لم يستطع إنقاذ شقيقته. وتبلغ هذه البنية ذروتها حين يستعيد سالم عجزه القديم عن تحقيق أمنيات مريم، حتى إنه كان يسرق لها الحلوى، وهي إشارة بالغة الأهمية لأنها تمنع القراءة الأخلاقية المبسطة؛ فالسرقة لم تكن في حياته منفصلة تمامًا عن المحبة، كما أن المحبة لم تكن قادرة على تحريره من وسائل العيش المشوهة.

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ

قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي

ومن هنا لا يقدم الهنداوي تقابلًا ساذجًا بين شر مطلق وخير مطلق، وإنما يكشف عن منطقة إنسانية تتداخل فيها الحاجة والعاطفة والذنب والعجز. وإذا استحضرنا مفهوم ملء الفراغات عند إيزر، وجدنا أن القارئ مدعو إلى بناء العلاقة بين مريم والطفلة المريضة دون أن يفرض النص تطابقًا كاملًا بين المصيرين. فالطفلة الموجودة في الصور ليست مريم، ولا يعرف سالم حقيقة مرضها أو مستقبلها، لكن التشابه البصري والصوتي يسمح لذاكرته بإنتاج قرابة وجدانية تتجاوز المعرفة الموضوعية. وهنا يتقدم سؤال دقيق: هل يتأثر سالم بمحنة الطفلة لأنها تستحق الرحمة في ذاتها، أم لأنه يرى فيها صورة شقيقته الراحلة؟ لا يجيب النص إجابة قاطعة، بل يجعل الاحتمالين متداخلين، وبذلك ينقل القارئ من التعاطف السهل إلى تأمل أكثر تعقيدًا في طبيعة الضمير الإنساني. وربما تكمن إحدى أجمل مفارقات القصة في أن الهاتف، بوصفه أداة اتصال حديثة، يفشل مؤقتًا في أداء وظيفته الأصلية بين الأب وابنته، لكنه ينجح في إقامة اتصال غير متوقع بين السارق وماضيه. إن التقنية هنا لا تصنع الأخلاق، وإنما تفتح منفذًا تستيقظ منه ذاكرة أخلاقية كانت مطمورة تحت طبقات الضرورة والتبرير. ولا يعود السؤال عما يراه سالم على الشاشة، بل عما يجعل الصورة المرئية قادرة على تغيير الإنسان الذي ينظر إليها. هكذا يصبح القارئ شاهدًا على لحظة يتحول فيها الشيء المسروق إلى مرآة، ويتحول فيها النظر إلى مواجهة مع الذات، ويتحول فيها الماضي من ذكرى خامدة إلى قوة تعيد تشكيل الحاضر.

من جدار الجوع إلى جدار الضمير: تعدد القراءات ومقاومة الحكم الأخلاقي

إذا كانت نظريات التلقي قد أعادت الاعتبار إلى دور القارئ في إنتاج المعنى، فإنها فتحت أيضًا إمكان النظر إلى العمل الواحد بوصفه مجالًا لقراءات متعددة تتباين بتباين التجربة الاجتماعية والثقافية والأخلاقية لمن يستقبله. وفي قصة الهنداوي تتجسد هذه الإمكانية على نحو واضح، لأن سالم ليس شخصية يمكن اختزالها في صفة اللص دون أن نفقد جزءًا جوهريًا من التوتر الذي يبنيه النص. إنه يسرق، ويخطط، ويستغل ضعف الآخرين، ويعرف سوق الهواتف المسروقة، لكنه يعيش أيضًا في غرفة ذات سقف معدني وجدران متآكلة، ويحتاج إلى شراء علاج لوالدته، وتسديد دين لصاحب المولدة، والحصول على سرير مستعمل بدل النوم على الأرض. ولا ترد هذه التفاصيل لتبرئة الجريمة، وإنما لتوسيع مجال النظر إلى شروطها الإنسانية والاجتماعية. فقد يقرأ المتلقي الذي ينطلق من مركزية المسؤولية الفردية النص بوصفه امتحانًا لحرية الاختيار، ويرى أن الفقر لا يلغي قدرة الإنسان على التمييز بين ما يجوز وما لا يجوز. وقد يقرأه متلقٍ آخر من منظور اجتماعي، فيرى في سالم ثمرة اختلالات جعلت السرقة موردًا للعيش، وجعلت المستشفى، وهو المؤسسة التي يفترض أن تحمي الضعفاء، ساحة لاستغلال هشاشتهم. أما القارئ الذي يمتلك خبرة شخصية مع المرض والفقد، فقد يجد نفسه أقرب إلى مشهد الطفلة ومريم، ويستقبل القصة بوصفها مواجهة مع العجز الإنساني أمام الموت، لا بوصفها حكاية عن السرقة وحدها. وتكتسب هذه القراءات مشروعيتها ما دامت متصلة بالعلامات التي يتيحها النص، لا بما يرغب القارئ في إسقاطه عليه من خارج بنيته. ومن منظور التلقي، لا يعني تعدد القراءات أن جميع التأويلات متساوية في قوتها، وإنما يعني أن النص يتيح مسارات دلالية متفاوتة، يمكن اختبارها بمقدار انسجامها مع تنظيمه السردي. ولعل العبارة التي تجمع جدار الجوع وجدار الضمير وجدارًا ثالثًا مجهول الاسم تمثل إحدى أكثر اللحظات كثافة في القصة، لأنها تنقل الصراع من مستوى المفاضلة بين الربح والخسارة إلى مستوى الانقسام الداخلي للذات. فالجوع ليس هنا استعارة عابرة، بل واقع مادي يفرض مطالبه، والضمير ليس سلطة خارجية تصدر الأوامر، بل تجربة ألم تنشأ من إدراك ما قد يسببه الفعل للآخرين. أما الجدار الثالث، الذي يعجز سالم عن تسميته، فيمكن أن يقرأ بوصفه الخوف من مواجهة الذات، أو العجز عن مغادرة الهوية التي اعتادها، أو المسافة بين معرفة الصواب والقدرة على فعله. وتزداد أهمية هذا الجدار لأنه لا يُعرّف تعريفًا نهائيًا، فيظل مفتوحًا أمام مشاركة القارئ التأويلية. ويمكن الاستعانة هنا بأفق بول ريكور في فهم العلاقة بين السرد والهوية، لا بوصفه امتدادًا مطابقًا لنظرية التلقي، بل بوصفه منظورًا مكمّلًا يوضح كيف تعيد الحكاية ترتيب فهم الإنسان لنفسه عبر الزمن. فسالم الذي تلقى من أبي كمال درسًا في تحويل ضعف الآخرين إلى فرصة، يجد نفسه أمام درس معاكس لم يتلقه من معلم، وإنما من طفلة لا تعرف بوجوده. واللافت أن الرجل الذي علمه السرقة حاضر في بداية القصة بوصفه صوت الخبرة والسلطة، بينما تظهر الطفلة في منتصفها بوصفها صوت الهشاشة والبراءة؛ وبين الصوتين تتشكل إمكانية التحول. ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن النص لا يعلن انتصار الضمير، ولا يقدم الفقر بوصفه علة كافية للانحراف، ولا يحسم ما إذا كان سالم قادرًا على تجاوز تاريخه. وهذه المقاومة للحسم هي ما يمنح القصة قيمة تتجاوز الموعظة، لأن القارئ لا يخرج منها حاملًا حكمًا جاهزًا، وإنما حاملًا مشكلة أخلاقية لا تنتهي بانتهاء القراءة.

النهاية التي لم تُكتب: الفراغ السردي بوصفه انتصارًا للقارئ

تبلغ قصة على باب ردهة الطوارئ ذروتها الجمالية في اللحظة التي تتخلى فيها عن الإجابة، وتترك سالم ينهض بعد صراع طويل، ويلف الهاتف بقميص قديم، ويخفيه في الدولاب، ثم يغادر الغرفة إلى جهة مجهولة. هنا يختار جمال الهنداوي نهاية مفتوحة لا تكمن قوتها في مجرد إخفاء المصير، وإنما في نقل مركز الفعل من الشخصية إلى القارئ. لقد كان ممكنًا أن تنتهي الحكاية بإعادة الهاتف إلى صاحبه، فيتحقق انتصار أخلاقي واضح، أو ببيعه، فتتأكد مأساة الانحراف، أو باعتقال سالم، فتستعيد العدالة صورتها التقليدية. لكن الكاتب يمتنع عن هذه الحلول جميعًا، ويضع المتلقي أمام ثلاثة أسئلة متلاحقة عن وجهة الرجل واحتمال البيع أو الإعادة، ثم يتركها معلقة. ووفق تصور إيزر، فإن الفراغ السردي ليس نقصًا ينبغي إصلاحه، وإنما عنصر بنائي يحفز القارئ على إقامة الصلات بين ما قيل وما سُكت عنه. غير أن الفراغ في هذه القصة يؤدي وظيفة إضافية، إذ يحوّل القراءة نفسها إلى امتحان أخلاقي: فالقارئ الذي يتمنى عودة الهاتف قد يكون مدفوعًا بالتعاطف مع الطفلة، أو بالرغبة في استعادة نظام العدالة، أو بحاجته النفسية إلى خاتمة مطمئنة، بينما قد يرى قارئ آخر أن استمرار التردد أكثر صدقًا من توبة مفاجئة تنهي سنوات من الاعتياد على السرقة. وهكذا لا تكشف النهاية عن مستقبل سالم بقدر ما تكشف عن توقعاتنا نحن بشأن قابلية الإنسان للتغير. والأكثر دلالة أن الهنداوي لا يجعل اكتشاف الضمير مرادفًا لتحقق الفعل الأخلاقي، فهناك مسافة بين الشعور بالذنب واتخاذ القرار، ومسافة أخرى بين القرار والقدرة على تنفيذه، وهذه المسافات هي التي تمنع القصة من السقوط في نموذج الخلاص السهل. ويمكن ملاحظة أن بناءها الزمني يخدم هذا المعنى؛ فقد بدأت باسترجاع نصيحة أبي كمال، ثم انتقلت إلى لحظة السرقة، ثم فتحت داخلها استرجاعًا أعمق لموت مريم، قبل أن تصل إلى حاضر معلّق لا نعرف امتداده المقبل. وكأن الماضي يمتلك في الحكاية وضوحًا أكبر من المستقبل، لأن الإنسان يعرف ما فعله وما فقده، لكنه لا يعرف دائمًا ما سيكون قادرًا على فعله عندما يتعرض لاختبار جديد. ويكتسب عنوان القصة، عند العودة إليه بعد القراءة، معنى مغايرًا لمعناه الأول؛ فباب ردهة الطوارئ لم يعد مجرد موقع للسرقة، بل صار عتبة بين صورتين للإنسان، إحداهما تتغذى على انشغال الآخرين بمصائبهم، والأخرى تكتشف أن مصيبة الغريب قد تستدعي أكثر الذكريات خصوصية. بل إن مفهوم الطوارئ نفسه يتسع ليشمل حالة الضمير، إذ يصبح سالم هو الآخر في طوارئ داخلية لا تستطيع أجهزة المستشفى تشخيصها، ولا يستطيع المال علاجها. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الهنداوي ينجح في نقل الطوارئ من المؤسسة الطبية إلى البنية الأخلاقية للإنسان، ومن جسد الطفلة المهدد إلى الذات التي تواجه احتمال انهيار صورتها عن نفسها. ومع ذلك، لا تخلو القصة من موضع يستحق التأمل النقدي، يتمثل في ميل بعض مقاطع الصراع الداخلي إلى التصريح بالدلالة الأخلاقية بدل تركها تتولد كاملة من الصورة والحركة والصمت؛ فحين يشرح السرد مباشرة حدود تبرير الفقر أو وطأة الضمير، يضيّق قليلًا المساحة التي يستطيع القارئ أن يستثمرها في الاكتشاف. غير أن هذا الميل لا يلغي القيمة الجمالية للنهاية المفتوحة، بل يجعلها أكثر أهمية لأنها تعيد إلى المتلقي الحرية التي كادت بعض العبارات التفسيرية تحد منها. وفي المحصلة، ليست قصة على باب ردهة الطوارئ حكاية عن لص اكتشف أن السرقة خطأ، وإنما حكاية عن إنسان وجد نفسه فجأة داخل ذاكرة لم يعد يستطيع الهروب منها، وعن صورة صغيرة امتلكت قدرة لم تمتلكها المواعظ، وعن قارئ دُعي إلى أن يشارك في صناعة المصير دون أن يُمنح سلطة تقريره. ولعل أعمق ما تقوله القصة لا يتعلق بما إذا كان سالم سيعيد الهاتف، بل بما إذا كانت لحظة الوعي كافية لتغيير حياة اعتادت السير في اتجاه آخر. إنها تترك الباب مفتوحًا لأن الإنسان نفسه ليس نصًا مكتملًا، ولأن الضمير، حين يستيقظ، لا يقدم دائمًا جوابًا، وإنما يخلق سؤالًا لا تعود الحياة بعده كما كانت. وهنا تتجلى القيمة الكبرى لنظريات التلقي في قراءة هذا النص: فالأدب لا يكتمل عندما يخبرنا الكاتب بما حدث، بل عندما يجعلنا مسؤولين عن التفكير فيما لم يحدث بعد؛ وما يبقى من قصة الهنداوي ليس الهاتف في يد السارق، ولا الطفلة على سرير المرض، وإنما ذلك الباب الذي يغادر منه سالم إلى المجهول، فيما يظل القارئ واقفًا عند عتبته، منتظرًا خطوة لا يملك أن يراها، ومكتشفًا أن أصعب الجرائم ليست تلك التي تنتهي بمحضر شرطة، بل تلك التي تبدأ محاكمتها الحقيقية عندما يصبح الإنسان شاهدًا على نفسه.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:١٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل 

دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع
قراءات

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع بقلم: حسن غريب أحمد ناقد وباحث وشاعر مصري مدخل: من غضب الموقف إلى شعرية التعبير لا تُقرأ قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل بوصفها هجاءً اجتماعيًّا وسياسيًّا…

· 13 د
سؤال التراث والحداثة:

رؤية المفكر محمد عابد الجابري
قراءات

سؤال التراث والحداثة: رؤية المفكر محمد عابد الجابري

باحثة وأكاديمية | مغربية يعتبر التراث معطى حضاريا، ومقوما من مقومات الهوية العربية – الاسلامية، لهذا دعا المفكر المغربي: "محمد عابد الجابري"، إلى ضرورة التوجه نحو استيعاب تراثنا العربي – الإسلامي، إلى جانب التراث الثقافي الإنساني،بمثل" سعة الأفق وعمق النظر"، الذي تعامل به فلاسفة دار الاسلام مع…

· 3 د
قراءة لرواية " العنكبوت" للروائي قصي عسكر
قراءات

ثيمة العنكبوت الرمزية في "رواية العنكبوت" للروائي قصي الشيخ عسكر

ثيمة العنكبوت الرمزية في "رواية العنكبوت" للروائي قصي الشيخ عسكر: منذ اللحظة الأولى، حين يباغتنا نص الرواية بصورة عابرة في صحيفة أجنبية عن عنكبوت يبني بيته في أذن إنسان، نكتشف أننا أمام نص لا يقنع بالحكاية الظاهرية ولا يركن إلى السرد الخطّي، بل يجترح أسطورته الخاصة من تفاصيل الحياة اليومية، ليبني…

· 6 د