لابدَّ بدايةً من التعريف بمصطلح التقنيات السردية الذي شاع مؤخرا في مجال الدراسات السردية، فكلمة تقنية تشير إلى منهج علمي واضح في دراسة ظاهرة ما، أما "السرد " فهو مصطلح نقدي يشير إلى أداة فنية أدبيّة يستخدمها الكاتب، بهدف الوصول لغاية القصة، أو الرواية، فهو الأساس الذي يرتكز عليه عامل الحوار، والوصف في القصة ، أو الرواية، والسرد يعتمد أسلوب الحكي في نقلِ الأحداثِ الواقعة فعلًا، أو مجازاً بطريقةٍ تجعلُ هذه الأحداث مسرودةً ؛ فالسرد وسيلة اتصال تعرضُ تتابعَ أحداثٍ تسببت فيها أو جربتها الشخصيات ، وهو الطريقةُ التي يعرضُ الساردُ خلالَها الأحداثَ ، التي مرّت ، يحتفظُ بالجزئياتِ ؛ ليصلَ إلى الكلياتِ جاعلاً العناصرَ متشابكةً؛ ليخلقَ عنصرَ التشويقِ .
والسرد عملية تقوم بشكل أساس على إنتاج نص ومحتوى من قبل الراوي موجها إلى القارئ ومن خلاله يتم تحويل الكلام المحكي أو المنطوق أو المكتوب إلى عمل فني. و الكيفية التي تُروى بها القصة عن طريق (السارد أو الراوي) تحت تأثير عدد من العوامل المتعلقة بالسارد أو المسرود له أو النص، و الغرض منه نقل الحدث والموضوع من صورته الواقعية إلى صورة لغوية مكتوبة أو منطوقة. فهو خطاب غير منجز وطريقة تروى بها القصة؛ وهو أيضاً مجموع الأحداث المروية من الحكاية أو الخطاب الشفهي أو المكتوب، وهو الفعل الواقعي أو الخيالي الذي ينتج عن عملية الرواية.
والسرد أيضاً نشاط ذهني يعتمد على الظرف الزماني، وفيه يظهر إدراك الراوي للوقائع والأحداث بالاعتماد على محور الزمن، فإما يسير باتجاه واحد أو يسمح لبعض التداخل والتقاطع، مما يجعل الزمن العامل الأساسي في تحديد شكل السرد.
تقنيات السرد في موسيقى سوداء :
لجأ نجمان ياسين إلى تقنيات سردية تتماشى مع زمن الرواية ؛ واستطاع من خلالها التخلص من سكونية السرد التقليدي، وقدَّم نصا سرديا يتسم بالتجدد والفرادة والخروج عن السائد المالوف ليخرج من عباءة الرواية التقليدية وليُشكل طرقًا جديدة في طريقة العرض .
فمن الآليات التي استخدمها نجمان في روايته المفارقة الساخرة في العنوان ، والمفارقة تؤدي إلى السخرية كما يمكن القول إنَّ السخرية هي نتيجة للمفارقة لهذا لا يمكن الفصل بينهما ، وشكَّل عنوان الرواية نوعا من التهكم والسخرية من خلال ثنائية ضدية هي الموسيقى التي توحي للقارئ بالمتعة والفرح، والسواد الذي هو لون للحزن والكآبة والضجر. ولم يخلُ متن الرواية من المفارقات الساخرة ففي مشهد ساخر تهكمي يعرض لمقطع يظهر في التلفاز يعرض نشرة الأخبار التي تتحدث عن طفل عراقي قتل والداه وبترت ذراعاه فقرر الأميركان نقله إلى أميركا لتركيب ذراعين آليتين له فتقول " صبا" وهي إحدى شخوص الرواية : وهل سيركبون له والدين صناعيين؟!
كما أن العنوان المثير إعتمد شكلاً فنياً معروفاً في الأدب ولاسيما الشعر وهو "تراسل الحواس" وهو آلية من آليات التشكيل الصوري تعتمد التداخل بين حاستين وصورتين، فالعنوان أقيم على تراسل بين حاستي السمع " موسيقى" والبصر " سوداء" وهذه الصورة يأنس بها المتلقي لغرابتها، كما أنَّ الروائي يشكل صورة غريبة قوامها انهيار الحواجز المعنوية بين الحواس وهو بذلك يقدم الصورة بشكل إيحائي مرموز بشكل ذكي وخفي.
ونستطيع أن نقول إن الرواية كانت رواية اقتناص الصور وتتابعها بايقاع متسلسل ومن هذه الصور: دخول الدبابات الأميريكية الى الموصل، حيث يرمي الجنود الأميركان السكاكر إلى أطفال المدينة، وهنا يقوم أحد الأطفال بالتقاط علبة من هذه السكاكر مشيراً إليهم ويرميها في الزبالة، وبهذه الصورة يقول نجمان بشكل رمزي إيحائي إنَّ أهل المدينة كانوا رافضين للمحتل .
وفي صورتين متناقضتين نرى طائرات الهليكوبتر الأميريكية تحوم فوق المدينة ناشرة الخوف والموت، ثم ينتقل نجمان فجأة نحو جاره الذي يقضي نهاره فوق سطح داره للعناية بطيوره، صورتان متناقضتان تحكيان جزءاً من تناقض الحياة وجدلية الصراع الأبدي بين قوى الخير والشر.
ويمكن أن نقول إن تشكيل الصور عند نجمان في هذه الرواية شكَّل منعطفا تقنيا بنقل عملية تقنية من الفن التشكيلي إلى الرواية وهي "الكولاج" للدلالة على تلك اللوحات التي تبنى في بعض أجزائها من ملصقات الورق الملون . إلاّ أننا سنستخدمه هنا مجازا لوصف تقنية مشابهة في بعض أوجهها في رواية موسيقى سوداء ، فالقاريء سيلتقط عبارات أو كلمات أو صوراً تبدو كأنها قد ألصقت في جسد القصيدة ، إنها تشبه لوحة معلقة على جدار ، فهي ليست جزءاً من ذلك الجدار لكنها مع ذلك غيرت ملامحه وأضافت إليه معانٍ جديدة ، ومن خلال هذه التقنيات يمكن للمتلقي أن يقرأ النص صورياً وفي هذا النوع من القراءة تتشابه الفنون الأدبية مع الفن التشكيلي.

من الطرق المستحدثة في الرواية التي تعمل على خلخلة المبنى العام للسردية الروائية ؛ حيث يلجأ الراوي إلى تشتيت الترابط المنطقي والتتابع الصوري والزمني ويعمل على حبكة من نوع آخر تعتمد الإثارة والاستغراب، فوجود شيء من الغموض والارباك المقصود الموجه في السرد هو أحد أبرز الأساليب التي يتبعها السارد .
والقاريء لرواية موسيقى سوداء لابد أن ينتبه إلى تراكم غير معهود لأساليب النفي والاستفهام ، فالاستفهام كان يأتي غالبا في الرواية استفهاما انكاريا غير حقيقي يأتي للدلالة على السخرية والشك والحيرة أمام المشاهد العنيفة التي يعيشها شخوص الرواية أمام همجية الجندي الاميركي وعدوانيته في تناقض صارخ مع ادعاءات الانسانية والديمقراطية، وقد يأتي الاستفهام في الرواية للدلالة على الدهشة والاستخفاف والتحقير، وهو أسلوب لجأ إليه بطل الرواية في الرد على سجانيه أثناء جولات التحقيق التي تتخللها نوبات التعذيب ، أما النفي فغالبا ماكان يأتي مقروناً بايحاءات الرفض والتمرد والمواجهة بأشكالها كافة.
والزمن من العناصر السردية المهمة في الرواية ويؤدي دورا مهما في صياغة شكلها وتحديد إطارها الخارجي وترصين بنائها الداخلي، ومن التقنيات التي اعتمدها نجمان ياسين في الرواية لتشكيل إطارها الزمني تقنية الاسترجاع فهو يقطع زمن السرد الحاضر ليستدعي الماضي ويوظفه في الحاضر السردي فيصبح جزءاً من نسيجه، ويقسم "جيرار جنيت " الاسترجاع إلى قسمين: استرجاع خارجي يعود إلى زمن قبل بداية أحداث الرواية واسترجاع داخلي يعود فيها الراوي إلى زمن بداية أحداث الرواية ، وهذا النوع من الاسترجاع كان هو الأوضح والأكثر شيوعا في رواية موسيقى سوداء كما في اللحظة التي دخل فيها الأميركان إلى بيته وموقف صبا وفوز ومحمد وإيمان ، ومشهد صعود البطل على سطح الدار ومراقبته لمكوث الجنود الأميركان عند أسوار نينوى الأثرية ثم انسحابهم ومشاهدة قطيع الأغنام التي ترعى عند بوابة نركال.
ومن التقنيات التي وظفها نجمان ياسين لاستحضار الزمن وتوظيفه في الرواية تقنية الاستباق التي عرَّفها "جيرار جينيت" بأنها حركة سردية تقوم على رواية حدث لاحق أو يُذكر مقدما، فهو من تقنيات المفارقة الزمنية أي هو استشراف للمستقبل، وبدا هذا الشكل من التعامل مع الزمن حين تحدث البطل مع زميله ابن منطقة القليعات عن هزيمة منكرة للأميركان ستحيق بهم في العراق.
ومن التقنيات التي يلتقطها المتلقي الذكي " تداخل الأجناس" والتداخل لابدَّ أن يكون ذكيا واعياً عند الأديب المتمكن من أدواته الفنية، أما إذا كان التداخل غير منضبط فهو علامة للضعف أو الفشل ، ونجد بين صفحات الرواية نوعا من الهمس واللغة الشعرية الرقيقة التي اقتربت من الشعر، وهذا التمازج بين فني السرد والشعر هندَسه نجمان ياسين بوعي وذائقة فنية ورهافة لغوية نادرة.
ولابد للمتلقي أن ينتبه إلى أسلوب الحوار في الرواية . ويشكل الحوار في الرواية قاعدة أساسية فقد يكون أساساً صلباً يحمل الرواية حتى النهاية والنجاح، وقد يكون من أسباب فشلها. ففي الحوار يتدفق السرد، ويمنح جمالية لمشاهد الرواية ، والكاتب الجيد هو الذي يستطيع صنع حوار جيد يدفع الأحداث ويكثف الحبك، وهو وسيلة لعرض الأحداث الخارجية والكشف عن المشاعر الداخلية.
ومن أساليب الحوار التي شاعت في رواية موسيقى سوداء الحوار الداخلي أو المونولوج، وهو كلام غير مسموع وغير ملفوظ تعبر به الشخصية الروائية عن أفكارها الباطنية، وقد برز هذا الشكل من الحوار لينقل به البطل منطلقاته الفكرية وشيئاً من تاريخه وقناعاته المستقبلية ، وأدى هذا النوع من الحوار وظائف عدة منها أنه يؤجج الصراع ويكثف الحبكة. ويعد وسيلةً ناجحة لذكر المعلومات، والتواريخ بعيداً عن تلقينها المباشر للكاتب ويزيل ملل الكتابة السردية، وتبرز قيمة الذكريات في هذا النوع من الحوارات التي كان نجمان ياسين يستبطنها ، ويعلن من خلالها عن تعلقه بالمكان – الرمز وهي هنا مدينة الموصل الحاضرة بقوة في الرواية بكل تاريخها وحاضرها.
وهنالك نوع آخر ظهر في الرواية هو الحوار المباشر الذي كان يجري بين البطل الذي وقف منفردا أمام المحققين الأميركان وهم يحاولون انتزاع الاعترافات منه، وكان هذا النوع من الحوار الذي يفتقر إلى العدالة بين آسر ومأسور لابدَّ أن يستجلب عطف القاريء مع المأسور وفي الوقت نفسه يحتقر الآسرين ويكتشف زيف دعاواهم.
وهذا يجرنا إلى الحديث عن وظيفة المكان في الرواية فالمكان قد لا يكون هو نفسه كما هو في الواقع الخارجي حتى لو أشارت إليه الرواية وعينته أو سمته بالاسم.. يظل المكان عنصرا فنيا من عناصر الرواية، فالمكان هو المكان الذهني "المتخيل" أي المكان الذي صنعته اللغة انصياعا لأغراض التخيل الروائي. فالنص الروائي يخلق عن طريق الكلمات مكانا خياليا له مقوماته الخاصة وأبعاده المميزة.
والبعض من النقاد يقول إنَّ المكان في الرواية قائم في خيال المتلقي وليس في العالم الخارجي وهو مكان تستثيره اللغة من خلال قدرتها على الإيحاء ولذلك كان لا بد من التمييز بين المكان الخارجي والمكان المتخيل في العالم الروائي.
وتبعاً لهذا فإنَّ مدينة الموصل في الرواية ليست الكيان الجغرافي المحدود فقط بل هي كيان ملتحم بشخوص الرواية وأحداثها ، وهي ليس ديكوراً خارجياً، بل روح مصاحبة لحركة البطل في سعيه لتحقيق ذاته التي تتعرض لمحنة وجودية خطيرة . والمكان يتجسد حين تتوغل شخصيات الرواية في أمكنة حقيقية أو متخيلة فتقدّم صورة بانورامية أخرى للمدينة، فهي لاتصوّر المظهر الطبيعي فقط ، بل تصور تلك الأماكن التي تعلن حضور الإنسان وفعاليته.







التعليقات