رغم أن المقريزي يفصح في أكثر من مؤلف تاريخي له ، عن شعور تاريخي مرهف ، واهتمام خاص بالتاريخ الأجتماعي والأقتصادي إلاّ أن الموقف يتجسد في غمطه حقه ونسيان دوره في مجال الكتابة التاريخية المعبرة عن وعي بالظواهر الأجتماعية والأقتصادية ، ولقد استفزتني فكرة لأحد الباحثين المحدثين ، نصها أن :
" مأساة أبن خلدون في رأيي هي أنه لم يخلف وراءه تلامذة حملوا عنه علمه وتقدموا به إلى الأمام " ، وقرر باحث آخر : " ... انه من الملاحظ أن المقريزي لم يطمح ، أو لم يستطع الوصول إلى نواظم أو مقولات نظرية أجتماعية عامة ، وإنما بقي ، بشكل عام ، ضمن الإطار العملي للمشكلة " . وإذا كان مرغوليوث قد اكتفى بالحديث عن خطط المقريزي ولم يتطرق إلى آرائه الأجتماعية والأقتصادية ووصفه بأنه قلّما يرتفع على المتوسط في أي جانب ، فأنه قد واجهنا بحكم فيه إعمام بقوله : " ويبدو أنه لم يوجد كاتب عربي آخر سار على نهج شبيه بنهج أبن خلدون " وتقصر د . سيدة إسماعيل كاشف تناولها للمقريزي على كتابه "المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار " فتفيد بأن: " المقريزي في هذا الكتاب يصف المدن والأحياء المختلفة والأسوار والعمائر ويتكلم أيضاً عن السكان وعن مشيدي العمائر المختلفة كما يتطرق إلى تاريخ مصر في العصور الإسلامية ويعنى عناية خاصة كما ذكرنا بآثار وبحضارة الشعب المصري آنذاك " بينما تشير إشارة مبتسرة إليه بما يخص اهتمامه بالتاريخ الأقتصادي.
ويبدو مما سبق ، ان الآراء أعلاه تقع ضمن النسيان أو الإغفال لدور المقريزي وإسهامه المميز في حقل التاريخ الأجتماعي والأقتصادي ، وربما تعدت ذلك إلى إسقاط هذا الإسهام .. والواقع أن الباحث المتفحص لكتاب المقريزي ، سيضع اليـد على وفرة وغزارة من المعلومات التاريخية ذات الطابع الأجتماعي والأقتصادي التي أدرجت في بناء مرسوم ، وعبرت عن منهج وفهـم معين جعلت من المقريـزي مؤرخاً حصيفاً ، عميقاً لا يقف عند حدوده الظاهرية التاريخية ، بل يتجاوزها إلى الجوهر والقانون الذي يحكمها ، ولعل هذا الاهتمام الخاص من قبل المقريزي لا يقف عند كتاب " اغاثة الأمة بكشف الغمة " إذ نستطيع القول أنه يمتد إلى كتب أخرى () بيد أن تطبيقنا سينصب على كتاب " إغاثة الأمة بكشف الغمة " لأنه يظهر بعمق ووضوح متانة العلاقة بين التفكير الأجتماعي والأقتصادي عند المقريزي ، ولا يقـف عند الجوانب الأقتصادية فحسب ، شأن الكتابين الخاصيـن بالنقود والأوزان والمكاييـل ... فما هي طبيعة هذا الكتاب ؟ وماذا درس فيه المقريزي ؟ وما هي أبرز ملامح التفكير الأجتماعي والأقتصادي فيه وله ؟ وهل استطاع المقريزي أن يقدم أفكاراً ترقى لتبيان الأسباب والدوافع ، وتدرك وبفهم عال الداء والدواء في الأقتصاد والمجتمع ، وبالتالي الخروج بمفاهيم نظرية ومقولات عقلية تندرج ضمن الرؤية العلمية ، وتغادر دائرة الجبرية والحتم الجغرافي والأقتصادي ؟ ..
لقد حاولت في هذا البحث ، أن أعتمد وبشكل كبير على النصوص التي وردت في " إغاثة الأمة بكشف الغمة " ذلك أن الخروج بأحكام تحدد تفكير المقريزي أجتماعياً وأقتصادياً ، لن تكون كبيرة الاقناع للقارئ وللدارس والباحث ، ما لم يقف على النص الأصلي ومعروف أن في هذا احتراز من تحميل النص أكثر ما يحتمل.
الكتاب أساساً يدرس المجاعات والكوارث الطبيعية والأجتماعية التي حلت بمصر منذ العصور القديمة حتى عصر المقريزي نفسه حيث برز سنوات الجدب والقحط ونقص المياه والآفات الطبيعية ، ويحلل غلاء الأسعار والتضخم ، ويظهر أن مصر بين سنتي 796،808هـ ، الأمر الذي أثر في نفسه بعمق وأورثه حزناً شديداً () وهذا يعني أن جانب المعاناة والمعايشة للمشكلة متوفرة فيه ، فأذا علمنا أنه يتوفر على جانب العلم والمعرفة بطبيعة ما يحدث ، أدركنا مدى الأصالة في كتابه هذا .
ابتداءٍ يقرر المقريزي ، أن هذه المجاعات والمحن مرتبطة بأسباب مشخصة ، وأنها ليست قدراً يمكن الفكاك منه ، إذ يرفض الاستسلام الجبري ويأخذ بمبدأ السببية ، مقرراً أن ما تحدثه الطبيعة يمكن تجاوزه من قبل الإنسان الذي بمقدوره تحاشي المجاعة أو الكارثة الطبيعية عن طريق التخطيط والتصرف المستند إلى معرفة الأسباب والدوافع ، فهي تنتهي بانتهاء هذه الأسباب المرتبطة بسوء السياسة الأقتصادية للمسؤولين في الدولة : " وبعد فأنه لما طال هذا البلاء المبين ، وحل فيه بالخلق أنواع العذاب المهين ، ظن كثير من الناس أن هذه المحن لم يكن ما مضى مثلها ولا مر في زمن شبهها ،وتجاوزوا الحد فقالوا لا يمكن زوالها ،ولا يكون أبداً من الخلق انفصالها ، وذلك أنهم قوم لا يفقهون ، وبأسباب الحوادث جاهلون ، ومع العوائد واقفون ، ومن روح الله آيسون ، ومن تأمل هذا الحادث من بدايته إلى نهايته وعرفه من أوله إلى غايته علم أن ما بالناس سوى تدبير الزعماء والحكام ، وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد ، لا انه كما مر من الغلوات وأنقضى من السنوات المهلكات ، إلا أن ذلك يحتاج إلى إيضاح وبيان ، ويقتضي إلى شرح وتبيان ، فعزمت على ذكر الأسباب التي نشأ منها هذا الأمر العظيم ، وكيف تمادى بالبلاد والعباد هذا المصاب الشنيع ، وأختم القول بذكر ما يزيل هذا الداء ويرفع البلاء " .
فالمقريزي هنا لا يصف الداء وإنما يتجاوزه إلى وصف الدواء ، فهو لا يقف عند النكبات والمجاعات ، بل يسعى لوضع الحلول لزوالها ، لنا أن نسأل ما هي الأسباب التي تخلق هذه المحن والمجاعات في نظر المقريزي ؟ … يحدد المقريزي الأسباب في :
1 ـ الآفات الطبيعية :
من قصور مياه النيل أو فيضانه ، ومن قحط وهبوب رياح وعواصف حارة ورملية أو جراد يأتي على الزروع أو وباء يتفشى ويجهز على الناس ، وغير ذلك : " تم وقع الغلاء في الدولة الأيوبية وسلطنة العادل أبي بكر بن أيوب في سنة ست وتسعين وخمسمائة : وكان سببه توقف النيل عن الزيادة وقصوره عن العادة ، فانتهت الزيادة إلى اثني عشر ذرعاً ، وأصابع ، فتكاثر مجيء الناس من القرى إلى القاهرة من الجوع ، ودخل فصل الربيع فهب هواء أعقبه وباء وفناء ، وعدم القوت حتى أكل الناس صغار بني آدم من الجوع ، فكان الأب يأكل ابنه مشوياً ومطبوخاً ، والمرأة تأكل ولدها، فعوقب جماعة بسبب ذلك ، ثم فشا الأمر وأعيا الحكام ، فكان يوجد بين ثياب الرجل والمرأة كتف صغير أو فخذه أو شيء من لحمه ، ويدخل بعضهم إلى جاره فيجد القدر على النار فينتظرها حتى تتهيأ ، فاذا هي لحم طفل ، وأكثر ما يوجد ذلك في أكابر البيوت . ووجدت لحوم الأطفال بالأسواق والطرقات مع الرجال والنساء مختفية ... ثم تزايد الأمر حتى صار غذاء الكثير من الناس من لحوم بني آدم بحيث ألفوه ،وقل منعهم منه لعدم القوت من جميع الحبوب وسائر الخضراوات وكل ما تنبته الأرض".

ورغم أن المقريزي يرسم هذه الصورة الدامية التي ترينا سعة حجم الكارثة الطبيعية والأجتماعية ، إلا أنه لا يرى في ذلك ثباتاً وديمومة ، فالظاهرة الأقتصادية والأجتماعية نسبية ، ولا تمتلك ديمومة أبدية ، ذلك أن فهم أسباب المحنة يرتبط بتدخل المسؤولين في الدولة حيث بمقدورهم ايقاف النزيف الأقتصادي والأجتماعي واتخاذ اجراءات أقتصادية صارمة من شأنها أن تحد من الاحتكار وتخفض الأسعار وتخفف عن الناس وترفع البلاء عنهم : ففي الحديث عن الغلاء سنة 358هـ يقـول : " ودخل القائد جوهر بعساكر الإمام المعز لدين الله ، وبنى القاهرة المعزية وكان مما نظـر فيه أمر الأسعار ، فضرب جماعة من الطحانين وطيف بهم وجمع سماسرة الغلات بمكان واحدة ، وتقدم الاتباع الغلات إلا هناك فقط ، ولم يجعل لمكان البيع غير طريق واحدة ، فكان لا يخرج قدح قمح إلا ويقف عليه سليمان بن عزة المحتسب " .
ويقدم المقريزي دليلاً ثانياً على إمكانية تدخل الدولة لرفع الغلاء والتصدي للنكبات والمجاعات وتقليص تأثير الكوارث الطبيعية ، عندما يتحدث عن مجاعة سنة 398هـ بسبب زيادة مياه النيل أربعة عشر ذراعاً ، وكيف تصرف الحاكم بأمر الله لمعالجة هذه المجاعة : " … فعظم الأمر، وكظ الناس الجوع ، فاجتمعوا بين القصرين ، واستغاثوا بالحاكم في أن ينظر لهم ، وسألوه ألا يهمل أمرهم ، فركب حماره وخرج من باب البحر ، ووقف وقال :- أنا ماضٍ إلى جامع راشدة ، فأقسم بالله لئن عدت فوجدت في الطريق موضعاً يطؤه حماري مكشوفاً من الغلة لأضربن رقبة كل من قال لي إن عنده شيئاً منها ، ولأحرقن داره وأنهبن ماله ـ ثم توجه وتأخر إلى آخر النهار ، فما بقي أحد من أهل مصر والقاهرة وعنده غلة حتى حملها من بيته أو منزله وشونها في الطرقات ، وبلغت اجرة الحمار في حمل النقلة الواحدة ديناراً ، فامتلأت عيون الناس ، وشبعت نفوسهم وأمر الحاكم بما يحتاج إليه كل يوم ، ففرضه على أرباب الغلات بالنسيئة وخيرهم بين أن يبيعوا بالسعر الذي يقرره بما فيه من الفائدة المحتملة لهم وبين أن يمتنعوا فيختم على غلاتهم ولا يمكنهم من بيع شيء منها إلى حين دخول الغلة الجديدة ، فاستجابوا لقوله وأطاعوا أمره ، وأنحل السعر وأرتفع الضرر ، ولله عاقبة الأمور ".
ويورد مثلاً ثالثاً يبين كيف أن الآمر بأحكام الله قد عالج الغلاء في زمنه تأكيداً لقدرة الدولة في دفع البلاء عن الناس وتحجيم الغلاء : " ... فختم على مخازن الغلات وأحضر أربابها وخيرهم في أن تبقى غلاتهم تحت الختم إلى أن يصل المغل الجديد ، أو يفرج عنها وتباع بثلاثين ديناراً كل مائة أردب ، فمن أجاب أفرج عنه ، وباع بالسعر المذكور ، ومن لم يجب أبقى الختم على حواصله . وقدر ما يحتاج إليه الناس في كل يوم من الغلة ، وقدر الغلال التي أجاب التجار إلى بيعها بالسعر المعين ، وما تدعو إليه الحاجة بعد ذلك ، غلات الديوان على الطحانين بالسعر ، فلم يزل الأمر على ذلك إلى أن دخلت الغلة الجديدة ، فانحلت الأسعار ، وأضطر أصحاب الغلة المخزونة إلى بيعها خشية من السوس ، فباعوها بالنزر اليسير ، وندموا على ما فاتهم من البيع بالسعر الأول " ويحدد المقريزي أسباب الغلاء الفاحش الذي وقع في عهد المستنصر بسبب قصور مياه النيل وغياب الزارعين واختلال منظومة الري إضافة إلى ضعف السلطنة وانحلال أمور الدولة سياسياً والمتمثل في استيلاء الأمراء على مقاليد الأمور . بحيث عمت الفتن بين البدو وغابت الطمأنينة وأفتقد الأمان ، وساد الخوف ، وانتشر الوباء ، واشتعلت الأسعار ، ووصل الأمر إلى أن النـاس : " … أكلت الكلاب والقطط حتى قلت الكلاب ، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانيـر ، وتزايد الناس حتى أكل الناس بعضهم بعضاً ، وتحرر الناس ، فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال في كلاليب ، فإذا مر بهم أحد القوها عليه ونشلوها في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه . ثم آل الأمر إلى أن باع المستنصر كل ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره ، وصار يجلس على حصير ، وتعطلت دواوينه ، وذهب وقاره ، وكانت نساء القصور تخرجن ناشرات شعورهن تصحن : " الجوع ! الجوع ! " تردن المسير إلى العراق، فتسقطن عند المصلى ، وتمتن جوعاً.
فالمقريزي في تشخيصه الدقيق للبلاء والكارثة ، لا يقف عند حدود المسألة الطبيعية ، وإنما يتعداها إلى سياسة الدولة الأقتصادية وإلى دور المحتكرين في التخريب الأقتصادي من أمراء وتجار مياسير ، ولذا فهو يستكمل تفكيره بشأن الغلاء والمجاعات إلى ايراد أسباب أخرى لهما تتمثل في :
2 ـ الأسباب السياسية والادارية :
ان الفوضى السياسية في زمن المماليك قد تداخلت مع الاختناقات الأجتماعية والأقتصادية ، فالحكام قد اتصفوا بسياسة مالية خرقاء ولم يكن ليعنيهم سوى تكديس الأموال من خلال منح الوظائف والرتب الادارية المؤثرة ، لقاء المال أو الرشاوي ، فتم بيع وظائف كبرى واشتريت وظائف عسكرية وسياسية وادارية ودينية وفكرية ، وكان من الطبيعي لمجموعة من الفاسدين ، الجاهلين الذين احرزوا مواقعهم عن طريق غير مشروعة ، أن يقوموا بممارسات أقتصادية وأجتماعية ذات مردود مدمر على الدولة والمجتمع وحياة الناس : " وأصل هذا الفساد ولاية الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة ، كالوزراء والقضاء ونيابة الأقاليم وولاية الحسبة وسائر الأعمال ، بحيث لا يمكن التوصل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل ، فتخطى لأجل ذلك كل جاهل ومفسد وظالم وباغ إلى ما لم يكن يؤلمه من الأعمال الجليلة والولايات العظيمة ، لتوصله بأحد حواشي السلطان ، ووعده بمال للسلطان على ما يريده من الأعمال ، فلم يكن بأسرع من تقلده ذلك العمل وتسليمه أياه ، وليس معه وما وعد به شيء قل ولا جل ، ولا يجد سبيلاً إلى أداء ما وعد إلا باستدانة بنحو النصف مما وعد به ، مع ما يحتاج إليه من شارة وزي وخيول وخدم وغيره ، فتضاعفت من أجل ذلك عليه الديون ، ويلازمه أربابها . لا جرم أن يغمض عينيه ولا يبالي بما أخذ من أنواع المال ، ولا عليه بما يتلفه في مقابلة ذلك من الأنفس ، ولا بما يريقه من الدماء ٍ، ولا يسترقه من الحرائر ، ويحتاج إلى أن يقرر على حواشيه وأعوانه ضرائب ، ويتعجل منهم أموالاً ، فيمدون هم أيضاً أيديهم إلى أموال الرعايا ، ويشرئبون لأخذها بحيث لا يعفون ولا يكلفون ، ثم ينساق البائس في جمع الأموال التي استدانها اذا أتته استدعاءات من الأمراء وحواشي السلطان ، أو نزل به أحد منهم ان كان المتولي متقلداً عملاً من أعمال الريف ، فيحتاج له إلى ضيافات سنية ومقادم جليلة من الخيول والرقيق وغير ذلك بحسب الحال . ولا يشعر مع ذلك إلا وغيره قد تقلد ذلك العمل بمال التزم به ، وقد بقيت عليه جملة من الديون ، فيحاط على ما يوجد له من أثاث وحيوان وغيره . ويشخص في أنحس حال . وقد أحيط كما ذكرنا بماله ، ويعاقب العقوبات المؤلمة ، فلا يجد بدأً من الألتزام بمال آخر ، ليقلد العمل الأول أو غيره من الأعمال . فلما دهى أهل الريف بكثرة المغارم وتنوع المظالم ، اختلت أحوالهم وتمزقوا كل ممزق ، وجلوا عن أوطانهم ، فقلت مجابي البلاد ومتحصلها ، لقلة ما يزرع بها ، ولخلو أهلها ورحيلهم عنها لشدة الوطأة من الولادة عليهم ، وعلى من بقي منهـم . وكان هذا الأمـر كما قلنا مـدة أيـام الظاهر برقوق ... ".
هكذا أذن يرينا المقريزي أن الفساد يبدأ من الرأس ليدب في الجسد ، وأن أعلى الهرم السياسي عندما يكون منحلاً فأن الأنحلال سيجرف جوانبه وقواعده، معبراً برصده الذكي عن تأثير سوء الادارة والرشوة وعدم كفاءة أصحاب المناصب ، على الأحوال الأجتماعية لسكان الريف وعلاقة ذلك بتدمير أقتصاده وهجرة سكانه وافقارهم، ليدهموا المدن ويثيروا الكثير من المشاكل ، فتتفاقم المجاعة وتشتد وطأة الأسعار والغلاء ، ويقرر بمرارة أن اهمال الدولة للأمور يورث البلاء ويضر بالناس موحياً بأدانة للترف والمترفين : " وتزايدت غباوة أهل الدولة ، وأعرضوا عن مصالح العباد ، وانهمكوا في اللذات لتحق عليهم كلمة العذاب . وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا.
وواضح هنا الربط الذي يقيمه المقريزي بين ما هو سياسي وما هو أجتماعي وأقتصادي وفق رؤية ترى في الظاهرة أكثر من دلالة ، وتصل إلى أكثر من سبب محرك لها ، ومن هنا فهو يضيف إلى أسباب الغلاء ، أسباباً أخرى تتمثل في :
3 ـ الأسباب الأجتماعية والأقتصادية :
يرجع المقريزي ارتفاع غلاء الأطيان ، أي القطائع والأراضي الزراعية في الريف إلى علاقة المصلحة ذات الطابع النفعي المتبادل بين الولاة في الدولة وبين أصحاب الملكيات الكبيرة في تحالف صريح لأستنزاف فلاحي الريف عبر تشديد بدلات ايجار الأراضي واستخدامهم في أعمال السخرة ، وتسخيرهم لتحقيق مآرب وفوائد لمصلحة المتنفذين من كبار المسؤولين في الدولة وأصحاب الشأن : " وذلك أن قوماً ترقوا في خدم الأمراء يتولفون إليهم بما جبوا من الأموال إلى أن استولوا على أحوالهم، فأحبوا مزيد القربة منهم ولا وسيلة أقرب إليهم من المال ، فتعدوا إلى الأراضي الجارية في اقطاعات الأمراء ، واحضروا مستأجريها من الفلاحين ، وزادوا في مقادير الأجر . فثقلت لذلك متحصلات مواليهم من الأمراء ، فاتخذوا ذلك يداً يمنون بها إليهم ، ونعمة يعدونها إذا شاءوا عليهم . فجعلوا الزيادة ديدنهم كل عام . حتى بلغ الفدان لهذا العهد نحوا من عشرة أمثاله قبل هذه الحوادث . لا جرم أنه لما تضاعفت أجرة الفدان من الطين إلى ما ذكرنا ، وبلغت قيمة الأردب من القمح المحتاج إلى بذره ما تقدم ذكره وتزايدت كلفة الحرث والبذر والحصاد وغيره وعظمت نكاية الولاة والعمال ، واشتدت وطأتهم على أهل الفلح ، وكثرت المغارم في عمل الجسور وغيرها . وكانت الغلة التي تتحصل من ذلك عظيمة القدر زائدة الثمن على أرباب الزراعة ، سيما في الأرض منذ كثرت هذه المظالم ، منعت الأرض زكاتها ، ولم تؤت ما عهد من أكلها ، والخسارة يأباها كل واحد ولا يأتيها طوعاً . ومع أن الغلال معظمها لأهل الدولة أولي الجاه وأرباب السيوف الذين تزايدت في اللذات رغبتهم ، وعظمت في احتجاز أسباب الرفة نهمتهم ، استمر السعر مرتفعاً لا يكاد يرجى انحطاطه فخرب بما ذكرنا معظم القرى ، وتعطلت أكثر الأراضي من الزراعة فقلت الغلال وغيرها مما تخرجه الأرض ، لموت أكثر الفلاحين وتشردهم في البلاد من شدة السنين وهلاك الدواب ، ولعجز الكثير من أرباب الأراضي عن ازدراعها لغلو البذر وقلة المزارعين . وقد أشرف الأقليم هذا الذي قلنا على البوار والدمار ويولي المقريزي أهمية خاصة للنقود ودورها في الأحوال الأجتماعية والأقتصادية عادا اياها من أسباب الغلاء والمجاعات ، وأن لها علاقة وطيدة بالركود والكساد الأقتصادي . فهو يركز على قيمة الذهب بالدرجة الأساس ، مع الأخذ بنظر الأعتبار ادراكه لدور النقود في تحقيق الرخاء إذا خلت من الزيوت والغش، وتمييزه للنقد الثمين عن النقد الرخيـص ، فقد أكد المقريزي أن الأرتفاع الفاحـش في الأسعـار يرجع إلى طرح كميات كبيـرة من النقـد ورواج الفلـوس المصنوعة من النحاس ويبين المقريزي دور الحاشية في التخريب الأقتصادي وخلق الأختناق في المجتمع بقوله : " ... وجاءت حاشية السلطان ومماليكه على الناس ، وطمعوا في أخذ الأموال والبراطيل والحمايات ، وضربت الفلوس توقف الناس فيها لخفتها . فنودي في سنة خمس وتسعين وستمائة أن توزن بالميزان وأن يكون الفلس زنة درهم ، ثم نودي على الرطل منها بدرهمين ، وكان هذا أول ما عرف بمصر من وزن الفلوس والمعاملة بها وزناً لا عدا ". فثمة علاقة بين السيولة النقدية والتضخم وبين ارتفاع الأسعار ، وثمة علاقة بيـن وجود كميات ضخمة من النقود النحاسية وبين الغلاء وتصاعد الأسعار ، وثمة تركيز للمقريزي على الذهب وعده بمثابة مقياس للقيمة ووسيلة خلاص من الغلاء والأزمات مشيراً إلى أن وجود الذهب والفضة مع كميات كبيرة من الفلوس النحاس قد أفضى إلى انقاص القيمة الشرائية لهما بسبب التضخم .
ويتجلى التفكير الأجتماعي والأقتصادي بشكل ساطع وعميق لدى المقريزي في تحديده لفئات المجتمع في عصره ، وفق ما يلي :-
1 ـ أهل الدولة .
2 ـ أهل اليسار من التجار وأولي النعمة من ذوي الرفاهية .
3 ـ الباعة وهم متوسطو الحال من التجار ويقال لهم أصحاب البز ، ويلحق بهم أصحاب المعايش وهم السوقة .
4 ـ أهل الفلح وهم أهل الزراعات والحرث ، سكان القرى والريف .
5 ـ الفقراء ، وهم جل الفقهاء وطلاب العلم ، والكثير من أجناد الحلقة ونحوهم .
6 ـ أرباب الصنائع والأجراء أصحاب المهن .
7 ـ ذوو الحاجة والمسكنة ، وهم السؤال الذين يتكففون الناس ويعيشون منهم .
ولا يملك الباحث سوى الأعجاب ، وهو يقرأ تحليل المقريزي للوضع الأقتصادي لهذه الفئات الأجتماعية ، فأهل الدولة من كبـار الوزراء والمسؤولين يجنون الأموال الطائلة على حساب بقية فئات المجتمع ، وهم يتصورون بأنهم قد زادوا أموالهـم . بينما يشير واقع الحال إلى انخفاض قدرتهم الشرائية بسبب التضخم : " فأهل الدولة لو الهموا رشدهم ، ونصحوا أنفسهم ، لعلموا أنهم لن ينلهم ربح البتة بزيادة الأطيان ، ولا بغلاء سعر الذهب الذي كان أصل هذا البلاء، وسبب هذه المحن ، بل هم خاسرون ، وأن ذلك من تلبيس مباشر لهم لنيلهم ما يحبـون من أعراضهم ، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله " . أما أثرياء التجار وأولو النعمة والترف فأنهم يحققون أرباحاً معتبرة في فترات الغلاء بيد أن قيمة نقودهم تنخفض عما كانت سابقاً لتناقص قدرتها الشرائية وقياسها بالفلوس : " ... فأن التاجر إذا استفاد مثلاً ثلاثة الآف درهم في بضاعته ، فإنما يتعوض عنها فلوساً أو عشرين مثقالاً من الذهب ، ويحتاج إلى صرفها فيما لا غنى له من مئونته ومئونة عياله ، فهو لو تأمل لأتضح له أنه لما كان أولاً يستفيد في مثل هذه البضاعة ألف درهم مثلاً ، أنها تغني عنه في كلفته أكثر مما تغني عنه هذه الثلاثة الآف درهم من الفلوس بكثير . فالبائس لغباوته يزعم أنه استفاد وفي الحقيقة أنما خسر، ولسوف عما قليل ينكشف له الغطاء ، ويرى ما له قد أكلته النفقات ، وأتلفه اختلاف النقود ... " .
بينما تحقق الفئة الثالثة من أرباب المعايش والمهن الأرباح والفوائد الكبيرة مستغلة هذه المحن ، وتشترك معها الفئة السادسة في تحقيق هذه الأرباح .
أما فئة الفلح ، فيقصد بهم أصحاب الأراضي من مزارعين وفلاحين ، ويرى ان معظم الفلاحين قد هلكوا بفعل المجاعات والأوبئة ، بينما حقق المزارعون ما يرضيهم من فوائد مالية .
ويتألق المقريزي في حديثه عن فئة الفقراء الذين هم أكثر الفقهاء وطلاب العلم وموظفي الدولة ، ليجسد ما لحقهم واصفاً اياهم بأنهم :" ما بين ميت أو مشتهي للموت " بسبب سوء ما أصابهم من أضرار وفاقة وضعف في القدرة الشرائية بسبب التضخم : " ... فأن أحدهم إذ أتته مائة درهم مثلاً فأن ما يأخذ عنها فلوساً أو ثلثي مثقال ينفق ذلك فيما كان ينفق فيه من قبل عشرين درهماً من الفضة . فلحقهم من أجل ذلك القلة والخصاصة ، وساءت أحوالهم ".
أما القسم الأخير من الفئات الأجتماعية ، فهم أهل الخصاصة والمسكنة ، ففي معظمهم نجد جوعاً وبرداً ، ولم يبق منهم إلا أقل القليل.
أن المفارقة المثيرة في تحليل المقريزي لهذه الفئات الأجتماعية ، هي اشتراك أهل الدولة وأثرياء التجار بالثراء من جهة ، وبروز فئات أهل المعاش والحرفيين مستغلين ظروف المجاعات والكوارث لتحقيق عوائد مالية عالية من جهة أخرى . بينما كان المثقف والعالم والمفكر والموظف يندرج ضمن فئة الفقراء ، ولا يعاني من اختناقات المجاعة والكوارث فحسب ، وإنما يعاني أيضاً من نهم وجشع أهل الدولة وكبار المسؤولين وسوء تصرفهم ، مثلما يعاني من أنانية وطمع التجار المحتكرين المستفيدين من الأوضاع الأستثنائية.
*البحث موثق علمياً







التعليقات