تنشغل رواية "أساور مأرب" عبر مساراتٍ متعدّدةٍ من مسارات العمليّة التدوينيّة السرديّة، حيث الواقع في استثماره للأماكن والمخيال والفكرة والترميز. فهذه الرواية تغوص في تفاصيل الحياة اليمنيّة المعاصرة، وتحديدًا في ظلّ ظروف الحرب والنزوح، وهي بهذا تركّز على الصراع من أجل الأمان والبقاء.
فحكاية الرواية تدور حول قصّة "كنز"، وهي امرأة تجد نفسها وسط دوّامةٍ من المعاناة والمخاطر، حيث تبدأ الحكاية بوجودها في ليلتها الأولى داخل غرفةٍ ضيّقةٍ بمبنى منظّمة إغاثة أوروبيّة في مأرب. لتبدأ عمليّة استحضار ذكريات البطلة في العودة إلى الماضي/ فلاش باك، من خلال رسائل متبادلة مع صديقة أوروبيّة تُدعى "هيلين" (Hilen)، حيث تحاول "كنز" كتابة تفاصيل حياتها وصراعاتها.
العنوان ودلالاته
يحمل عنوان "أساور مأرب" عدّة دلالاتٍ مهمّة، لها علاقة برحلة البطلة وصراعاتها:
الأولى: الدلالة الواقعيّة/ القيود والمعاناة، حيث تظهر "الأساور" في سياق الرواية كرمزٍ للقيود التي تحيط بالمرأة في ظروف الحرب والنزوح. فالبطلة "كنز" تجد نفسها محاصرة بين مخاطر شبكات الاستغلال، حيث كانت ملاحقة من "مخالب شبكة دعارة" قبل وصولها لمأرب. وكذلك قيود الحرب، في مدينة مأرب التي وصلتها كونها تمتاز بزحام النازحين، وانتشار "شعارات الجهاد"، واتساع المقابر، مما يجعل المدينة نفسها تبدو كقيدٍ أو "سوارٍ" يحيق بالنازحين.
الثانية: الدلالة الرمزيّة/ الارتباط بالأرض والتاريخ، حيث تحوّلت مدينة مأرب كمركزٍ للأحداث، وهي ليست مجرّد مكان، بل هي الملاذ الذي قصدته "كنز" بحثًا عن أخيها "المزرّر" وبحثًا عن الأمان المفقود. والأساور كإرثٍ أنثويّ، وجوده في العنوان يوحي بالزينة التي تلبسها المرأة اليمنيّة، ولكن في الرواية تتحوّل هذه الزينة إلى "أساور" من الهموم والحكايات التي تحاول "كنز" تدوينها لصديقتها "هيلين".
الثالثة: الدلالة النفسيّة/ البحث عن الأمان، إذ إنّ العنوان يجمع بين صلابة "الأسورة" كقيدٍ أو حماية وبين "مأرب" كرمزٍ للوطن أو الملجأ. فالبطلة التي كانت تعيش في "البادية" وتتوق للعودة إليها، وتجد في مأرب حياةً قاسية داخل غرفٍ ضيّقةٍ أو "دُشم" (أكواخ صفيح)، مما يجعل "أساور مأرب" تعبيرًا عن حالة الحصار النفسيّ والمادّيّ التي تعيشها الشخصيّة المحوريّة. بمعنى أن العنوان يمثّل المزج بين الهويّة الأنثويّة/ الأساور، وبين الواقع السياسيّ والعسكريّ /مأرب، مصوّرًا رحلة البحث عن الأمان والحرّيّة وسط قيود الحرب.
مسارات التدوين
تشتغل الرواية على عدّة مساراتٍ تدوينيّة تهتمّ بتوزيع موتيفات الرواية بحكايتها وفكرتها وقصديّتها للوصول إلى المستوى التأويليّ الذي يتوّج بحاصل جمع كلّ المستويات الأخرى. فالرواية هي مزيج بين ثلاثة مساراتٍ مهمّة:
الأوّل: المسار الواقعيّ الذي يرصد تفاصيل النزوح ومأساة مأرب، وما يحصل من أحداثٍ مرّت على الشعب اليمنيّ من خلال الأماكن والشخوص والحكايات.
الثاني: المسار الرمزيّ، الذي تتحوّل فيه "الأساور" إلى قيودٍ تمنع الحرّيّة، وتمنع ممارسة حقّ الإنسان في الحياة نتيجة ما يقع عليه من حروبٍ هي ليست مسعاها.
الثالث: المسار النفسيّ، حيث تغوص المتون السرديّة في أعماق النفس للشخصيّات، وخاصة البطلة، وهو يتّضح من خلال كتابة الرسائل التي كانت المعادل الموضوعيّ بين المسارين السابقين.
إنّ هذه المسارات هي أهمّ وأبرز محاور الرواية، التي تبدأ من لحظة الهروب، حيث تبدأ "كنز" بسرد رحلة هروبها مع رفيقتها التي تُلقّب بـ "التي لم تعد سمينة" من منطقة "وادي القات" في أعالي الجبال بعد نشوب حريقٍ مهول، قاصدتين مأرب بحثًا عن الأمان. وتبرز الرواية مشاقّ السفر بين مناطق النزاع، والاضطرار للتعامل مع المهرّبين، مثل شخصيّة "الأشرم"، والوقوع في شباك استغلال العصابات وشبكات الدعارة. وكذلك البحث عن المفقودين، حيث تحمل "كنز" هدفًا أساسيًّا وهو البحث عن أخيها "المزرّر"، الذي غادر للجهاد دون مشورتها وانقطعت أخباره. فضلًا عن الحياة في مأرب، حيث تصف الرواية ملامح المدينة في زمن الحرب، من اتساع المقابر، وزحام النازحين، وشعارات الجهاد، إلى العيش في مخيّمات الصفيح ("الدُشم") وأوضاع المهمّشين والفقراء. وما يفعله الحنين إلى المكان الأصل/البادية، إذ يظهر في ثنايا العمل صراع الشخصيّة بين قسوة الواقع الحاليّ والرغبة العارمة في العودة إلى حياة البادية الفطريّة ورائحة الأمان المفقودة.

الاشتغال والمستويات السرديّة
إنّ الاشتغال السرديّ يقوم على بنيةٍ فنّيّةٍ مركّبةٍ، تتداخل فيها مستوياتٌ زمنيّةٌ ومكانيّةٌ متعدّدة، يقودها الرائي عبر راويه، ولأنّ الرواية متشعّبة الأحداث أو المسارات، فقد استخدم الروائيّ عدّة مستوياتٍ سرديّةٍ رئيسيّة:
أوّلًا: مستوى المراسلات/ السرد التبادليّ، وهو ما نجد الرواية تعتمده في بنائها على تبادل الرسائل النصّيّة والصفحات المكتوبة بين البطلة "كنز" في مأرب، وصديقتها (Hilen) في أوروبا. هذا المستوى يخلق حالةً من الميتاسرد، حيث تكتب "كنز" حكاياتها استجابةً لطلب هيلين، مما يجعل الكتابة فعلًا للتحرّر والبوح.
ثانيًا: مستوى الاسترجاع/ الفلاش باك، وهو الأمر الذي لا بدّ من وجوده لتقييم الحركة الآنيّة المرتبطة بالحاضر وأسبابها في زمن ما قبل الماضي، حيث يتحرّك السرد من الحاضر، الليلة الأولى لـ"كنز" في منظّمة الإغاثة بمأرب عام 2021، ليعود إلى الماضي عبر تقنية الاسترجاع، فنجد حركة الزمن تتقدّم من خلال السرد الماضويّ عند الهروب من وادي القات، 2018، بهدف استعادة رحلة النزوح المريرة مع رفيقتها "التي لم تعد سمينة"، وإعطاء ذكريات البادية/الأصل والتمكين والتفكير والبيئة، والعودة إلى جذور النشأة، وقصّة الجدّة "فازعة" (العايبة)، وتفاصيل حياة الرعي قبل الحرب.
ثالثًا: مستوى الراوي المزدوج، حيث جعل الروائيّ راويه يتّخذ صيغة "الأنا" الراوي المتكلّم، ولكن من منظورين مختلفين:
1- صوت "كنز": الذي يمثّل معاناة الداخل اليمنيّ، والهروب من شبكات الاستغلال، والبحث عن الأخ المفقود.
2- صوت "هيلين": الذي يقدّم رؤيةً موازيةً وتجارب شخصيّة من واقع عملها الإغاثيّ واغترابها، مما يخلق توازنًا بين المأساة المحليّة والبعد الإنسانيّ العالميّ.
رابعًا: مستوى التوثيق المكانيّ، حيث يقود الروائيّ روايته عبر جغرافيا واقعيّةٍ ومتحرّكة، إذ تنتقل الشخصيّات بين البادية والجبال، كرمزٍ للفطرة والأمان المفقود، ومدينة مأرب التي تظهر في الرواية بزحامها، ومقابرها الواسعة، وشعاراتها القتاليّة، ومخيّمات النازحين "الدُشم".
خامسًا: المستوى الرمزيّ والدراميّ، إذ اشتغل الروائيّ على ثنائيّة الضحيّة/والناجي، فالبطلة، رغم انكساراتها، تحاول ممارسة فعل الحكي كأداة مقاومة. كما تبرز الرمزيّة في تحويل "الأساور" من زينةٍ أنثويّة إلى قيودٍ فرضتها الحرب والنزوح، وصور الموت التي تلاحق "كنز" في رحلة بحثها عن شقيقها "المزرّر". بمعنى أنّ الاشتغال هنا اتّخذ الطريقة التي يمكن أن نطلق عليها بالحلزونيّة، يبدأ من نقطة الاستقرار القلق في مأرب، ليتوسّع نحو آفاق الماضي والذاكرة، مستخدمًا الرسائل كجسرٍ للربط بين هذه المستويات السرديّة المختلفة.
الزمن وإدارة الأحداث
الرواية تنشغل بالزمن ليس بهدف التوثيق الواقعيّ ولا بهدف الاستشهاد الرمزيّ، بل لتفعيل تصاعد الحبكة والحدث، وهما بحاجةٍ إلى زمنٍ موثوق، فاستخدم الروائيّ التقسيم الزمنيّ المتمثّل في السنوات والليالي، وهو اشتغالٌ ذكيّ من الروائيّ على هذه البنية الزمنيّة من أجل تأويل الحكاية وقصديّتها عبر عددٍ من الأهداف:
الأوّل: الليالي، إذ تتحوّل إلى زمن الحاضر والبوح / الزمن المحصور، وهي تمثّل في الرواية/ مثل الليلة الأولى، الثانية، وهكذا) زمن الاستمرار القلق. يبدأ الحدث من عام 2021 داخل غرفةٍ في منظّمة إغاثةٍ بمأرب، وهو ما يعطي الوظيفة السرديّة إطارًا فاعلًا، حيث تكون "كنز" في حالة سكونٍ جسديّ، لكنها في حالة غليانٍ ذهنيّ. في هذه الليالي، يتحوّل السرد إلى مونولوجٍ داخليّ أو رسائل تكتبها لهيلين، وهي المساحة التي تُحلّل فيها البطلة مشاعرها وتستعرض انكساراتها. لذا نرى إدارة الحدث في الليالي بطيئةً، تعتمد على أصوات الانفجارات الخارجيّة أو التفاصيل الصغيرة داخل الغرفة، مما يعزّز شعور الحصار والانتظار.
الثاني: السنوات، حيث هي زمن الحركة والمأساة، بمعنى أنّه الزمن الممتدّ، من خلال الانتقال عبر السنوات/ منذ 2018 وما قبلها وصولًا إلى 2021، لترصد التحوّلات الكبرى. وهنا تكون الوظيفة السرديّة كتقسيمٍ يماثل المتن الحكائيّ. من خلال السنوات، راح الروائيّ يدير أحداث النزوح، والهروب من حريق "وادي القات"، والضياع في الجبال، والتعامل مع المهرّبين. والحدث هنا يتّسم بالسرعة، والعنف، والتغيّر المكانيّ المستمرّ. السنوات تسمح للقارئ برؤية "تآكل" الشخصيّة وتغيّر مصيرها من امرأةٍ في باديتها إلى نازحةٍ تبحث عن مأوى وأخٍ مفقود.
ثالثًا: التناوب بين السكون والحركة/ الديالكتيك الزمنيّ، وقد نجح الروائيّ في إدارة الحدث من خلال التقابل بين هدوء الليالي من جهة، وصخب السنوات من جهةٍ أخرى، فكلّما ضاقت الغرفة على "كنز" في "الليالي"، انفتحت الذاكرة على سنوات التيه والنزوح. وهذا التقسيم جعل الحدث لا يسير في خطٍّ مستقيم، بل في خطٍّ دائريّ حلزونيّ، حيث تبدأ القصّة من النهاية، الوصول إلى مأرب، ثم تعود لترمّم الفجوات وتفسّر كيف وصلت إلى هذه اللحظة.
رابعًا: الزمن كعنصر تشويقٍ وتوثيق، فإدارة الأحداث عبر الزمن/السنوات تضفي صبغةً توثيقيّةً على الرواية، وكأنها تؤرّخ للمأساة اليمنيّة المعاصرة وتحوّلات الحرب وتأثيرها على الإنسان البسيط. ومن خلال إدارة التشويق، فإنّ تقسيم الرواية إلى "ليالٍ" يجعل القارئ يتساءل: هل ستنجح "كنز" في السفر عبر المنظّمة؟ وماذا سيحدث في الليلة التالية؟ بينما يظلّ سؤال "السنوات" معلّقًا حول مصير أخيها "المزرّر".
ولذا يتّضح أنّ هذه الثنائيّة الزمنيّة جعلت من الليالي مرآةً للتأمّل والمراجعة، ومن السنوات مسرحًا للفعل والمطاردة. هذا التداخل جعل الحدث الروائيّ يتأرجح بين الوجع الذاتيّ/في الليالي، والوجع الجماعيّ/ في السنوات، مما منح النصّ عمقًا نفسيًّا وواقعيًّا في آنٍ واحد.
ويمكن تحديد مسار هيكليّة الزمن والأحداث عبر مستويين زمنيين متداخلين، يُقسمان أحداثها كالآتي:
أوّلًا: عدد الليالي، إذ تنتظم الرواية من خلال خمس عشرة ليلة (مثل الليلة الأولى، الليلة الثانية، وصولًا إلى الليلة الخامسة عشرة)، وهي تمثّل زمن الحاضر (عام 2021) الذي تقضيه البطلة "كنز" في مأرب داخل مقرّ منظّمة الإغاثة.
ثانيًا: عدد السنوات، حيث لا تعتمد الرواية تقسيم الفصول التقليديّ، بل تتحرّك عبر سنواتٍ زمنيّةٍ متباعدةٍ ترصد رحلة البطلة منذ ما قبل الحرب وحتى لحظة الاستقرار القلق في مأرب، وهي تمتدّ من عام 1999، ذكريات "هيلين" وبدايات عملها الطبّيّ الإغاثيّ، وعام 2009، لحظة إصابة البطلة في سوق الجمعة ومقتل شقيق "الأمير"، وعام 2013، حيث أحداثٌ مفصليّة في حياة البطلة قبل اشتداد النزاع، وعام 2018، ليلة الهروب من "وادي القات" وبداية رحلة التيه نحو مأرب، وكذلك عام 2021، أي زمن السرد الحاليّ (الليالي).
الاشتغال المكانيّ وهيمنة الواقع
المكان لُبّ العمل حين يكون على المستوى الواقعيّ، بوصفه عنصرًا دراميًّا فاعلًا، وليس مجرّد خلفيّةٍ جغرافيّةٍ للأحداث. يمكن رصد هذا الاشتغال من خلال عدّة مستوياتٍ فنّيّة:
أوّلًا: ثنائيّة القرية/البادية مقابل المدينة/الملجأ، المكان الفطريّ المرتبط برائحة الأرض والرعي، وهو في الوقت ذاته مكانٌ "طارد" بسبب الحرائق والحروب والفقر. وثنائيّة المدينة حيث تتحوّل مأرب بوصفها "المغناطيس" الذي يجذب النازحين، فتغدو مكانًا "مختنقًا" رغم اتساع صحرائها، مما يجعل المكان يعكس حالة الحصار النفسيّ للشخصيّات.
ثانيًا: الغرفة كمكانٍ للاسترجاع، وهي هنا رمزيّة المكان الضيّق، حيث تبدأ الرواية وتنتهي في مكانٍ محصورٍ جدًّا، غرفةٍ في مبنى منظّمة إغاثة. هذا المكان الضيّق هو الذي يفجّر فاعليّة المكان الواسع في الذاكرة، وهو اشتغالٌ فنّيّ، كون الروائيّ استخدم ضيق الغرفة ليجعل البطلة تلوذ بالكتابة والرسائل، ليتحوّل المكان إلى محرّكٍ لفعل السرد، مما جعل الأحداث تندفع لاستعادة سنوات التيه والهروب.
ثالثًا: المكان العبوريّ، الطريق والشتات، وهو مكانٌ يأخذ فاعليّة الرمز، حيث ركّز الروائيّ على الطريق كجغرافيا قاسية، فكانت الرحلة من وادي القات إلى مأرب ليست مجرّد انتقال، بل هي مكانٌ بحدّ ذاته مليءٌ بالمخاطر، والمهرّبين، والنقاط العسكريّة. والمكان هنا متشعّبٌ وغير مستقرّ، مما يعكس ضياع الهويّة والأمان لدى الشخصيّات التي لا تجد أرضًا ثابتةً تقف عليها.
رابعًا: أنسنة المكان وتصويره حسّيًا، حيث جعل الروائيّ المكان من حيّزٍ صوريّ إلى مكانٍ حسّيّ، من خلال أنسنته عبر الروائح والأصوات: روائح البارود في ليل مأرب، رائحة لفافة الرضيعة، صرير أبواب الزنك. وهذا الاشتغال حوّل المكان إلى كائنٍ مشارك، فهو يشعر، ويحترق، ويضيق بأهله.
خامسًا: المكان كرمزٍ سياسيّ واجتماعيّ، حيث تحوّل جزءٌ من العمل/مأرب في الرواية إلى مسرحٍ للصراعات الأيديولوجيّة، من خلال تصوير المطار المهجور أو المقبرة الكبيرة أو المسجد الذي آوى البطلة، وكلّها أماكن مشحونة بدلالاتٍ عن واقع اليمن المعاصر، حيث يختلط الدينيّ بالسياسيّ بالإنسانيّ.
وقد أدار الروائيّ المكان بذكاءٍ ليجعله مرآةً للداخل النفسيّ للبطلة، فهو مانح الشعور للشخصيّات، فكلّما شعرت "كنز" بالخوف ضاق المكان في وصفه، وكلّما حنّت إلى الماضي اتّسع المكان ليحمل تفاصيل البادية والحرّيّة المفقودة.
الاشتغال التأويليّ لفكرة الرواية
المتن الحكائيّ والمبنى السرديّ يقودان العمليّة التدوينيّة، وهما يريدان الوصول إلى المستوى التأويليّ، لذا فالاشتغال التأويليّ في الرواية يتجاوز كونه مجرّد توثيقٍ لرحلة نزوح، ليتحوّل إلى بنيةٍ رمزيّةٍ عميقةٍ تحتمل قراءاتٍ متعدّدة.
وهذا الاشتغال يعتمد على عددٍ من المرتكزات الأساسيّة، أهمّها:
أوّلًا: تأويل "الأساور" من الزينة إلى القيد، حيث الاسم يحمل ثقلًا تأويليًّا كبيرًا، فالسوار في الثقافة الشعبيّة رمزٌ للأنوثة والجمال، لكنه في الرواية يتحوّل إلى "قيد". وهو هنا تأويل الحصار الذي تفرضه الحرب والتقاليد والظروف القاسية على المرأة "كنز". ومأرب هنا ليست مجرّد جغرافيا، بل هي "السوار" الذي يحيط بحياة الأبطال، حيث يمتزج فيها الأمل بالخوف، والنجاة بالاحتجاز.
ثانيًا: جدليّة الداخل والخارج، المثاقفة كمرآةٍ للذات، فمن خلال الرسائل المتبادلة بين "كنز" التي تمثّل صوت الداخل اليمنيّ المنكوب، و"هيلين" التي تمثّل صوت الخارج الأوروبيّ المستكشف، يشتغل المؤلّف على تأويل مفهوم "الآخر". فيكون الاشتغال التدوينيّ مرتبطًا بفكرة أنّ الكتابة هنا ليست مجرّد سرد، بل هي محاولةٌ "لتأويل الذات" أمام الآخر، والكشف أمام الآخرين في حالةٍ تبادليّةٍ للمواقف والمشاعر لتأجيج مفهوم أنّ الألم الإنسانيّ لغةٌ عالميّة تتجاوز الحدود.
ثالثًا: المكان مأرب كبرزخ، حيث يكون الاشتغال من أنّها في الرواية لا تظهر كمدينةٍ تاريخيّةٍ فقط، بل كمنطقةٍ وسطى أو "برزخ" بين الموت والحياة، بمعنى أنّ المدينة مزدحمةٌ بالمقابر والنازحين، مما يجعلها رمزًا لوطنٍ مؤقّت. وهذا يصل إلى مستوى التأويل حين يضع القارئ أمام تساؤل: هل مأرب هي الملاذ الأخير أم أنّها مجرّد محطة انتظارٍ كبرى لموتٍ مؤجّل؟
رابعًا: فعل التدوين/الرسائل كفعل نجاة، حيث يكون الإصرار على كتابة الحكاية باستخدام الواتساب أو الرسائل الورقيّة يحمل دلالةً تأويليّة حول سلطة الحكاية، منها أنّ الحكي في الرواية هو الأداة الوحيدة لمواجهة المحو، ليتحوّل إلى ممارسةٍ لأرخنة الواقع من جهة، وممارسة طقسٍ تأويليّ لمعنى الوجود واستعادة ما فعلته الحرب من تشظيةٍ للواقع.
خامسًا: الفطرة والخراب، البادية/الحرب، حيث يكون الاشتغال التأويليّ واضحًا في المقارنة بين حياة البادية، الرعي/الجدّة فازعة، الفطرة، وواقع المدينة الحربيّ. وهو تأويلٌ قصديّ من قبل الروائيّ من أنّ الحرب كقوّة اقتلاع تنزع الإنسان من جذوره الفطريّة لترمي به في أتون صراعاتٍ أيديولوجيّةٍ ومادّيّة، فيكون الرمز إلى الحنين لليمن "الأصل" قبل أن تلوّثه صراعات الراهن.
إنّ الاشتغال التأويليّ في الرواية يتمحور حول الأنثى كحاملةٍ للذاكرة الوطنيّة، من خلال حركة شخصيّةٍ تمثّل الإنسان في الواقع والحنين كرمز.
صيغ الاشتغال واللعبة التدوينيّة
الرواية فيها حالاتُ استحكامٍ فاعلة، مثلما فيها مهارةُ اللعبة التي تُعدّ واحدةً من أهمّ اشتغالات الرواية الحديثة. فمهارة التدوين تبدأ من صيغتي المتكلّم والغائب، حيث إنّ تحليل التناوب السرديّ بينهما يكشف عن ذكاءٍ تقنيّ، إذ لم يكن هذا الانتقال عفويًّا، بل كان اشتغالًا مقصودًا لتحقيق توازنٍ بين الذاتيّ والموضوعيّ، ولكلّ واحدةٍ اشتغالٌ مهمّ:
أوّلًا: صيغة المتكلّم، حيث استُخدمت غالبًا في كتابة الرسائل بين الشخصيّات، لمنح القارئ اتصالًا مباشرًا مع وجع الشخصيّة. فبصيغة المتكلّم تتحوّل الشخصيّة من مجرّد لاجئةٍ إلى شاهدةٍ على مأساتها، وهو ما يعطي تأثيرًا مهمًّا لكسر الحاجز بين المتخيّل والواقعيّ، ويجعل القارئ يشعر وكأنّه يتلقّى اعترافًا شخصيًّا، مما يعزّز التعاطف النفسيّ مع معاناة المرأة النازحة.
ثانيًا: صيغة الغائب، وهو اشتغالٌ فنّيّ لتصوير المشاهد الكبرى، خاصّة في "الليالي" وفي وصف جغرافيا مأرب والحروب. فقد أعطت هذه الصيغة حرّيّة الحركة للراوي العليم في حركيّة الزمان والمكان، بهدف السماح بالتعبير عن الداخل وتحميل ما هو في الخارج، وهو ما يعني العمل كعدسة كاميرا سينمائيّة ترصد حركة الجموع، واتّساع المقابر، وتفاصيل المدينة، مما يعطي الرواية بعدًا ملحميًّا وواقعيًّا يتجاوز التجربة الفرديّة.
ثالثًا: التناوب كآليّةٍ لتعدّد الأصوات، فهنا يكون التعدّد (البوليفونيّة) لخلق حالةٍ من الديناميكيّة السرديّة، فعندما يشتدّ الوجع تلوذ الشخصيّة بصيغة "المتكلّم" لتفرغ شحنتها العاطفيّة في الرسائل، وعندما يحتاج السرد إلى رصد التحوّلات السياسيّة والعسكريّة في مأرب يعود "الراوي الغائب" ليمسك بزمام الحكاية ويقدّم لنا مشهدًا شاملًا.
رابعًا: كسر الرتابة الزمنيّة، وهنا ما يتّصل باللعبة التدوينيّة التي كانت صورتها العليا هي تقسيم الرواية إلى "ليالٍ" و"سنوات"، فيكون التناوب بين الضمائر مساعدًا في الفصل بين زمن الاسترجاع وزمن الحاضر، لجعل القارئ في حالة تيقّظٍ مستمرّة، متنقّلًا بين عين الشخصيّة وعين المؤلّف.
خامسًا: الربط مع روح الفكرة والعمل على الوصول إلى المستوى التأويليّ، فضمير الغائب يمثّل القدر أو القوى الخارجيّة التي تتحكّم في مصير الأبطال، بينما يمثّل ضمير المتكلّم محاولة الإنسان لإثبات وجوده وكسر ذلك الطوق عبر الحكي.
الاشتغال وفاعليّة الرسائل
الرسائل، كما أوضحنا، هي جزءٌ من الفاعليّة الروائيّة سواء على مستواها الحكائيّ أم على الفكرة، وهي أساس الالتقاء بين الزمان والمكان والمتن والمبنى، ولم تكن مجرّد حيلةٍ تقنيّة لملء الفراغات فحسب، بل صارت محورًا جوهريًّا بنى عليه الروائيّ رؤيته الفنّيّة، ويمكن تحليل هذا الاشتغال عبر النقاط الآتية:
أوّلًا: الرسائل كفعل مقاومةٍ ونجاة، فهي كما ذكرنا لم تكن الكتابة ترفًا أدبيًّا، بل كانت وسيلةً وحيدةً للتشبّث بالحياة. في ظلّ الحصار والنزوح تصبح الرسالة هي المساحة التي تستطيع فيها "كنز" ترميم ذاتها المحطّمة، والاشتغال هنا جعل من الكتابة فعلًا تحرّريًّا يكسر "أساور" الصمت والخوف.
ثانيًا: جسر بين الأنا/الآخر، فمن خلال الرسائل المتبادلة خلق الروائيّ حوارًا حضاريًّا وإنسانيًّا، فوزّع صوت الوجع المحلّيّ والمأساة الواقعيّة، وصوتًا يمثّل عين الخارج التي ترصد وتحلّل وتتعاطف. وهذا التناوب حوّل المتن السرديّ من مجرّد حكايةٍ محليّة إلى قضيّةٍ إنسانيّةٍ كونيّة، حيث تصبح الرسالة وسيطًا لنقل الحقيقة إلى العالم.
ثالثًا: كسر خطّيّة الزمن/الزمن الموازي، حيث اشتغلت الرسائل كأداةٍ ديناميكيّةٍ للتلاعب بالزمن ما بين الحاضر والماضي، مما جعل اللعبة التدوينيّة في هذا الاتجاه تأخذ الحدث عبر توازي زمنين: زمن الكتابة/الحاضر، وزمن الحكاية/الماضي، فأبعد ذلك الملل عن القارئ وجعل السرد متدفّقًا باستمرار.
رابعًا: الرسالة وتعرية الواقع والاشتغال على الأعراف، حيث سمحت صيغة الرسائل ببوحٍ صريحٍ قد لا توفّره صيغة الراوي العليم، مثلما تمكّنت من تعرية واقع المجتمع بما فيه من شبكات الاستغلال وتُجّار الحروب بلغةٍ مباشرةٍ وصادقة. هذا الاشتغال منح الرواية صبغةً توثيقيّةً وجدانيّة، وكأنّنا نقرأ مذكّراتٍ سرّيّةً لم تكن معدّةً للنشر.
خامسًا: توظيف التكنولوجيا، وهو الأمر الذي جعل الرواية سرديًّا تأخذ أبعاد التطوّر الميتاسرديّ، من خلال توظيف التقنيّات، فكانت اللعبة قد أخذت الاشتغال على المتن السرديّ عبر الدمج بين الرسائل الورقيّة ورسائل الواتساب، وهذا التوظيف يعكس واقعًا معاصرًا، حيث أصبحت الوسائط الرقميّة هي ملاذ النازحين الوحيد للتواصل والبحث عن المفقودين.
إنّ رواية الغربيّ عمران لا تُقرأ بوصفها سردًا عن الحرب فحسب، بل بوصفها مختبرًا فنيًّا تتجاور فيه مستويات الواقع والرمز والتأويل. فقد استطاع الروائيّ أن يحوّل حكاية النزوح الفرديّ إلى سؤالٍ إنسانيٍّ شاملٍ عن معنى النجاة والذاكرة والهويّة، وأن يجعل من "كنز" صوتًا يتجاوز حدود التجربة الشخصيّة ليغدو مرآةً لوجعٍ يمنيٍّ وعربيٍّ أوسع.
وعبر لعبةٍ تدوينيّةٍ ذكيّةٍ جمعت بين الرسائل والليالي والسنوات، وبين ضميري المتكلّم والغائب، تشكّلت بنيةٌ سرديّةٌ مفتوحةٌ على احتمالاتٍ تأويليّةٍ متعدّدة، جعلت النصّ يتأرجح بين التوثيق والاعتراف، بين الشهادة والتخييل. ومن خلال الاشتغال المكانيّ الذي أنسن مأرب وحوّلها إلى كائنٍ دراميٍّ حيّ، والزمن الذي توزّع بين سكون الحاضر وعنف الماضي، بدت الرواية كأنها خريطةٌ للروح قبل أن تكون خريطةً للجغرافيا.
لقد قدّمت "أساور مأرب" نموذجًا للرواية التي لا تكتفي بسرد المأساة، بل تُعيد تأويلها، وتكشف طبقاتها الخفيّة، وتمنح الضحايا حقّ الكلام. فهي روايةٌ عن الحرب، نعم، لكنها أيضًا عن قدرة الإنسان على مقاومة محوه بالحكي، وعن تحوّل الذاكرة إلى وطنٍ بديل، حين تضيق الأوطان الواقعيّة. وبهذا المعنى تغدو الرواية شهادةً جماليّةً على زمنٍ منكسر، ونداءً أخلاقيًّا بأنّ الأدب، مهما كان هشًّا، يظلّ آخر الأساور التي تحمي الروح من السقوط في العدم.







التعليقات