
يبدو نص نجم والي "اختراع بغداد"، في ظاهره، استعادة لسيرة طفل لم ير بغداد بعد، لكنه صنعها من الحكايات والصور وغياب الأب ورحلات المخيلة. غير أن القراءة وفق البنيوية التوليدية عند لوسيان غولدمان Lucien Goldmann تنقل النص من مستوى الذكرى الفردية إلى مستوى أوسع يتعلق بكيفية إنتاج الجماعة للمدينة داخل الوعي، وكيف تتحول بغداد من مكان جغرافي إلى بنية ذهنية تتقاطع فيها الذاكرة والأسرة والتاريخ والحرب والمنفى وصور الشرق في المخيلة الغربية. فغولدمان لا يتعامل مع العمل الأدبي بوصفه انعكاساً مباشراً للواقع، ولا بوصفه تعبيراً نفسياً مغلقاً عن ذات الكاتب، بل يبحث عن البنية الدالة التي تنتظم داخلها عناصر النص، وعن "رؤية العالم" التي تمنح تلك العناصر وحدتها، ثم يربطها بالبنية الاجتماعية والتاريخية التي أنتجتها. ومن هذا المنظور يصبح السؤال الرئيس في نص والي: من الذي اخترع بغداد؟ الطفل الذي رسمها على سقف غرفته؟ العائلة التي كانت تتحدث عنها؟ الأب الذي يسافر إليها؟ شهرزاد؟ الغرب الذي ورث صورتها من "ألف ليلة وليلة"؟ الجيوش التي دخلتها محملة بصور مسبقة عنها؟ أم المنفي الذي يعيد تركيبها من برلين؟ النص يجيب، من داخل بنيته، بأن بغداد لا يختلقها فرد واحد، بل تتولد عبر شبكة من الوعي الجمعي والذاكرة والتاريخ والصور المتوارثة. ولهذا فإن "الاختراع" في العنوان ليس نفياً لوجود المدينة، بل إشارة إلى المسافة بين المكان المادي والمكان الذي تصنعه المخيلة الاجتماعية. تبدأ البنيوية التوليدية من رفض الفصل بين بنية النص وشروط إنتاجه. كان غولدمان يرى أن العمل الأدبي المهم يبني عالماً ذا انسجام نسبي، وأن هذا العالم يتصل بما سماه "رؤية العالم" World Vision، أي ذلك التنظيم المتماسك للأفكار والقيم والتطلعات الذي يتجاوز وعي الفرد ليعبّر عن إمكانات وعي جماعة اجتماعية أو تاريخية. ومن هنا لا تكفي قراءة "اختراع بغداد" باعتباره ذكريات طفولة لنجم والي. الطفل نفسه ليس مركزاً مستقلاً للمعنى، لأن صوره عن بغداد جاءت من الأم والجدة والجد والجيران والأقارب وأصدقاء الأب، والقصص، والكتب، والصور. الذات الساردة تبدو منذ البداية ذاتاً اجتماعية. إنها تتخيل بمواد قدمها الآخرون إليها. وهذا ما يجعل النص قريباً من الفرضية الغولدمانية التي ترى أن الذات الحقيقية للعمل الثقافي ليست الفرد المعزول، بل ذات جماعية يجد الكاتب في تجربتها ومشكلاتها مادة لبناء عالمه الأدبي.
بغداد بوصفها "رؤية عالم": من المكان الجغرافي إلى البنية الدالة
المفهوم الأول الذي يضيء النص هو مفهوم "رؤية العالم". لا يقصد غولدمان به رأياً شخصياً أو موقفاً أيديولوجياً مباشراً، بل نسقاً من العلاقات يمنح التجربة معنى. وإذا طبقنا ذلك على نص والي وجدنا أن بغداد لا تظهر باعتبارها مجموعة شوارع وأحياء ومبان، بل بوصفها مركزاً رمزياً تنتظم حوله حياة الطفل. الأب يذهب إلى بغداد، والناس يسألون عن الأب القادم من بغداد، والأم والجدة والجيران يتحدثون عنها، والطفل يعيد رسمها في سقف الغرفة شتاء وفي النجوم صيفاً. إنها غائبة مكانياً وحاضرة رمزياً. وهذا التناقض هو الذي يولد البنية الأساسية للنص. هنا تظهر قيمة مفهوم "البنية الدالة" Significant Structure. عناصر النص التي تبدو متفرقة، السقف، النجوم، الأب، البيت، البصرة، العمارة، بغداد، برلين، شهرزاد، البريطانيون، الأميركيون، ليست وحدات اعتباطية. تنتظم كلها حول علاقة مركزية هي العلاقة بين "المدينة الواقعية" و"المدينة المتخيلة". كل عنصر يكتسب معناه من موقعه داخل هذه الثنائية. السقف يتحول إلى خريطة، والنجوم إلى طرق، والأب إلى حامل لمفتاح المدينة، والقصص إلى مادة جغرافية، وبرلين إلى موضع يستعيد منه الراوي بغداد، والغزاة إلى جماعات دخلت مدينة واقعية وهي تحمل مدينة أخرى داخل رؤوسها. بهذا المعنى لا يستعيد الراوي طفولته فحسب، بل يعيد بناء الآلية التي تولد بها الأمكنة في الوعي. قوله إنه كان "مثل مهندس معماري يبني طرقاً هوائية في الفضاء" يقدم مفتاحاً بنيوياً للنص. الطفل لا يتلقى بغداد جاهزة، بل يبنيها. لكنه لا يبنيها من فراغ. المواد التي يبني بها مدينته جاءت من الجماعة المحيطة به. وهنا تتجلى دقة المقاربة الغولدمانية. الفرد يبدع، لكن إبداعه يتشكل داخل شبكة اجتماعية من المعاني. المخيلة فردية في نشاطها، واجتماعية في موادها. ومن هنا أيضاً نفهم أهمية الانتقال المستمر بين الضمائر والأزمنة. يبدأ النص من "أنا" الطفل، ثم ينتقل إلى "البشر جميعاً"، ثم إلى الغربيين والجنود والبريطانيين والأميركيين، ثم يعود إلى الطفل والعائلة والأب. هذا الاتساع ليس انحرافاً عن السيرة الذاتية، بل حركة توليدية تنقل الخبرة الخاصة إلى نموذج أوسع. فالطفل الذي اخترع بغداد يصبح مثالاً مصغراً للإنسان الذي يسبق المكان بصورة عنه. الفرق أن صورة الطفل تولدت من الحنين والحكاية العائلية، بينما تولدت صور الغزاة من مخزون استشراقي وتاريخي وسياسي مختلف. البنية واحدة، أما محتوياتها ونتائجها فتختلف.

الأب والمدينة: الذات الجماعية وتكوين المخيلة
تساعد فكرة "الذات الجماعية " Collective Subject على فهم الدور الذي يؤديه الأب في النص. الأب ليس شخصية عائلية فقط. إنه الوسيط الأول بين الطفل وبغداد. غيابه يحضر المدينة، وعودته تخفف حضورها، وسفره يعيد تشغيل آلة التخيل. لذلك يصل النص إلى مفارقة لافتة حين يتمنى الطفل، رغم شوقه إلى أبيه، أن يسافر الأب مرة أخرى "لكي أخترع المدينة على هواي من جديد". لا ينبغي اختزال هذه المفارقة في سيكولوجيا طفل متعلق بأبيه. ضمن بنية النص يمثل الأب الصلة المادية بما لا يستطيع الطفل بلوغه. إنه البرهان على أن بغداد موجودة، لكنه في الوقت نفسه شرط استمرار غموضها. ينشأ هنا تركيب دلالي يقوم على الحضور والغياب. عندما يغيب الأب تحضر بغداد في الخيال، وعندما يعود الأب تحضر البهجة في البيت، لكن المدينة تفقد جزءاً من قوتها التخيلية. هذه العلاقة تجعل الغياب منتجاً للمعنى. لا يمثل الغياب فراغاً، بل قوة توليد. وهو ما يفسر لاحقاً أهمية برلين في النص. الراوي البالغ بعيد عن بغداد مثلما كان الطفل بعيداً عنها، وإن اختلف نوع البعد. في الطفولة كان البعد ناتجاً عن عدم الوصول، وفي المنفى صار ناتجاً عن الانفصال. وبين البعدين تتكون بنية عميقة واحدة: بغداد تصبح أكثر كثافة كلما ازدادت المسافة بينها وبين الذات.
تتضح هنا علاقة النص بما يسميه غولدمان التماثل البنيوي Structural Homology لا يعني التماثل أن الأدب ينسخ المجتمع أو التاريخ، بل يعني وجود تشابه بين تنظيم العلاقات داخل العمل وتنظيم بعض العلاقات في الواقع الاجتماعي الذي يتصل به. البنية القائمة على الاقتراب والابتعاد، الحضور والغياب، الواقع والتخيل، تظهر في أكثر من مستوى. الطفل مقابل بغداد، الأب مقابل البيت، الراوي في برلين مقابل وطنه، الغريب مقابل المدينة التي يدخلها، والمدينة الواقعية مقابل الصورة التي يحملها القادم إليها. النص يعيد إنتاج هذه العلاقة في مستويات مختلفة حتى تتحول إلى قانونه الداخلي. العائلة هنا ليست خلفية محايدة. إنها الجماعة الأولى التي تنتج معرفة الطفل بالعالم. الأم والجدة والجد والجيران والأقارب وأصدقاء الأب يشكلون جهازاً سردياً اجتماعياً. إنهم لا يقدمون معلومات جغرافية دقيقة عن بغداد، بل ينتجون صوراً وأخباراً وحكايات. وهكذا تصبح المدينة حصيلة تداول اجتماعي للخطاب. ويمكن، في ضوء غولدمان، القول إن الراوي لا يتذكر بغداد بقدر ما يتذكر "كيفية إنتاج بغداد" داخل جماعته الأولى. وتكتسب المقارنة مع البصرة أهمية خاصة. البصرة قابلة للتحقق والزيارة. إنها مكان يمكن الوصول إليه في العطلة، وله حر وماء وطعم وتجربة حسية. أما بغداد فتظل زمناً طويلاً مؤجلة، ولذلك تتحرر من ضغط الواقع وتتمدد في المخيلة. البصرة مدينة التجربة، وبغداد مدينة الإمكان. ومن هذه المعارضة ينتج النص جانباً مهماً من بنيته. فالمكان المتاح يخضع للحواس، بينما المكان البعيد يخضع للسرد. وحين يخضع المكان للسرد يصبح قابلاً للتكبير والتحوير وإعادة البناء.
من شهرزاد إلى الجيوش: حين يتحول المتخيل إلى قوة تاريخية
تبلغ القراءة الغولدمانية مستوى أكثر تركيباً عندما ينتقل نجم والي من طفولته إلى صورة بغداد لدى الغرباء. هنا تتجاوز "رؤية العالم" حدود العائلة لتدخل في مجال الذاكرة الثقافية والتاريخ السياسي. بغداد المرتبطة بـ"ألف ليلة وليلة" لم تعد صورة طفل، بل بنية ثقافية واسعة أعادت أجيال من القراء والرحالة والكتاب إنتاجها. واللافت أن النص يضع مخيلة الطفل ومخيلة الغازي ضمن آلية واحدة، مع اختلاف حاسم في القوة والنتائج. الإنسان، وفق منطق النص، لا يدخل المكان خالياً من الصور. إنه يحمله مسبقاً داخل رأسه. وحين يصل إليه يبدأ صراع بين المكان الذي أمامه والمكان الذي توقعه. يقول الراوي ما معناه إن البشر يشكلون خرائط متخيلة ثم يفاجئهم اختلاف الواقع عنها. هنا تتحول الفكرة إلى أطروحة معرفية. فنحن لا ندرك المدن بوصفها أشياء خاماً، بل من خلال أنساق سابقة من الصور والحكايات والتوقعات. غير أن والي يذهب أبعد من ذلك حين يربط هذه العملية بدخول الجيوش إلى بغداد. فالصورة المسبقة لم تعد بريئة حين يحملها صاحب سلطة عسكرية. وهنا تساعد البنيوية التوليدية على تجنب تفسير مبسط يقول إن الكاتب يقارن بين الطفل والغازي. المقارنة أعمق. النص يكشف بنية مشتركة هي "إنتاج المكان بواسطة المخيلة"، ثم يبين أن الموقع الاجتماعي والتاريخي للذات هو الذي يحدد نتائج هذا الإنتاج. الطفل ينتج مدينة لكي يحلم بها، بينما تستطيع القوة الإمبراطورية أن تدخل المدينة وهي تحمل تصوراً عنها، ثم تتعامل مع الواقع من خلال هذا التصور. بهذا المعنى تتولد في النص بنية مزدوجة للخيال. هناك خيال حميمي ينتج الانتماء، وخيال سلطوي قد ينتج سوء الفهم. الأول يتشكل من الأسرة والحنين وغياب الأب. والثاني يتشكل من تراث ثقافي طويل وصور تاريخية وسياسية. وكلاهما يصنع "بغداداً"، لكنهما لا يصنعان المدينة نفسها. تظهر هنا أهمية العلاقة بين الفهم والتفسير عند غولدمان. "الفهم" يعني اكتشاف وحدة النص الداخلية، أما "التفسير" فيعني وضع هذه الوحدة داخل بنية تاريخية واجتماعية أوسع. داخلياً، نفهم النص من خلال ثنائية بغداد الواقعية وبغداد المتخيلة. تاريخياً، نفسر هذه الثنائية من خلال تراكم صور بغداد في الثقافة العربية والغربية، ومن خلال الحروب والمنفى وتحولات العراق في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. ولذلك فإن ذكر برلين و"ألف ليلة وليلة" ودخول الجيوش ليس معلومات تزيينية، بل توسيع لمجال البنية الدالة. مع ذلك، توجد في النص إشارة تاريخية تستحق التصحيح عند التعامل معه دراسةً نقدية. دخول القوات البريطانية بغداد وقع في 11 آذار/مارس 1917، وليس في 17 حزيران/يونيو 1914. أما دخول القوات الأميركية إلى بغداد في 9 نيسان/أبريل 2003 فيتوافق مع التسلسل المعروف لأحداث الغزو. هذا التصحيح لا يغير البنية الأدبية للحجة، لكنه ضروري عند نقل النص من مجال السيرة الأدبية إلى التحليل التاريخي.
المنفى بوصفه مولداً ثانياً لبغداد
أكثر عناصر النص خصوبة في ضوء غولدمان هو أن السارد يكتب من برلين. هذه المعلومة القصيرة تغير موقع السرد كله. فالطفل الذي كان يخترع بغداد لأنه لم يصل إليها أصبح كاتباً يستعيدها لأنه ابتعد عنها. المسافة الأولى كانت مسافة طفولة، والمسافة الثانية مسافة منفى. وبينهما تستمر الآلية نفسها: البعد يولد المدينة. هنا تظهر بنية دائرية دقيقة. في البداية يسير الطفل مع أبيه في بغداد المتخيلة. وفي الحاضر يستعيد الكاتب الطفل من مدينة أوروبية بعيدة. لم يعد الأب وحده الغائب، بل صارت بغداد نفسها موضوع الغياب. ومن ثم يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها إعادة إنتاج أدبية للفعل الطفولي القديم. الطفل كان يرسم خرائط على السقف والسماء، والكاتب يرسمها باللغة. النجوم والسقف تحولا إلى كلمات، والدوران البصري تحول إلى حركة سردية، والمدينة المتخيلة تحولت إلى نص. هذا التحول يقترب من مفهوم غولدمان عن "الوعي الممكن" Possible Consciousness فالعمل الأدبي لا يكرر الوعي اليومي للجماعة كما هو، بل يمنحه درجة أعلى من التنظيم والاتساق. الناس المحيطون بالطفل كانوا يتحدثون عن بغداد بصورة متناثرة. الكاتب البالغ يجمع تلك الشظايا داخل بنية ويكتشف العلاقة التي لم يكن الطفل قادراً على إدراكها. إنه يدرك الآن أن بغداد التي عرفها أولاً لم تكن جغرافيا، بل خطاباً اجتماعياً. ومن ثم تصبح الكتابة انتقالاً من الوعي المعيش إلى الوعي المنظم. ويمكن قراءة النص كذلك بوصفه تعبيراً عن خبرة جيل عراقي تشكلت علاقته ببغداد تحت ضغط الهجرة والحروب والانقطاعات السياسية. لا ينبغي أن ننسب إلى النص تمثيل جماعة محددة من دون دليل تاريخي إضافي، لأن مفهوم الذات الجماعية عند غولدمان يحتاج إلى إثبات اجتماعي يتجاوز التحليل النصي. لكن النص يسمح بفرضية أكثر تحفظاً: تجربة الراوي الفردية تتقاطع مع خبرة عراقية أوسع صار فيها الوطن لدى قطاعات من المهاجرين والمنفيين مكاناً مادياً وذاكرةً وصورةً متخيلة في الوقت نفسه. هنا تكمن إحدى نقاط قوة النص، لأنه لا يقول ذلك في صورة أطروحة سياسية مباشرة، بل يجعله جزءاً من تنظيم السرد. وتؤدي برلين وظيفة بنيوية أخرى. إنها تثبت أن المدينة لا تُعرف دائماً بالحضور فيها. الراوي موجود جسدياً في برلين، لكنه يبني بغداد ذهنياً. وهذا يعيد طرح السؤال الذي بدأ به النص: أين توجد المدينة؟ في الجغرافيا أم في الذاكرة؟ لا يقدم النص إجابة تلغي أحد الطرفين. بغداد المادية موجودة، لكن بغداد التي تؤثر في الذات هي حصيلة تفاعل بين المادة، والصورة واللغة والذاكرة. وهذا التفاعل هو جوهر العملية التوليدية.
إذا جمعنا مستويات النص وفق منهج غولدمان، ظهرت أمامنا بنية كلية واضحة. في المستوى الأول نجد الطفل الذي يفتقد الأب. في المستوى الثاني نجد الأسرة التي تنتج خطاباً عن بغداد. في المستوى الثالث نجد المدينة بوصفها موضوعاً للخيال. في المستوى الرابع نجد التراث الثقافي الذي صنع صورة بغداد عبر "ألف ليلة وليلة". في المستوى الخامس نجد القوى الأجنبية التي تدخل المدينة محملة بصور مسبقة. وفي المستوى السادس نجد الكاتب في برلين يعيد بناء هذه المستويات كلها داخل الذاكرة. هذه المستويات لا تتراكم ميكانيكياً، بل ينتظم بعضها داخل بعض وفق علاقة مركزية واحدة: المسافة بين الواقع والصورة. ولهذا يبدو عنوان "اختراع بغداد" دقيقاً من منظور البنيوية التوليدية. الاختراع هنا عملية اجتماعية وتاريخية. المدينة لا توجد في الوعي بالطريقة نفسها التي توجد بها على الخريطة. كل جماعة تنتج بغدادها من موقعها التاريخي. العائلة تنتج بغداد الأب الغائب. الطفل ينتج بغداد المغامرة. التراث ينتج بغداد شهرزاد. القادم الأجنبي ينتج بغداد الشرق المتخيل. والمنفي ينتج بغداد الذاكرة. أما النص الأدبي فيجمع هذه الصور ويضعها في مواجهة بعضها، فيجعل القارئ يرى عملية إنتاج المدينة نفسها. لكن تطبيق غولدمان يفرض أيضاً حدوداً منهجية. لا يكفي النص وحده لإثبات أن "رؤية العالم" التي يحملها تمثل طبقة اجتماعية أو جماعة تاريخية محددة، كما كانت دراسات غولدمان الكلاسيكية تحاول أن تفعل عند الربط بين الأعمال الأدبية والتكوينات الاجتماعية. يحتاج ذلك إلى دراسة أوسع لأعمال نجم والي، وسيرته الثقافية، وتجربة المثقفين العراقيين في المنفى، وتحولات صورة بغداد في الأدب العراقي المعاصر. لذلك فإن ما يمكن إثباته بقوة من هذا المقطع هو وجود بنية دالة قائمة على ثنائيات الحضور والغياب، الواقع والتخيل، القرب والبعد، البيت والمنفى. أما تعيين الذات الجماعية التي تمثلها هذه البنية، فيظل فرضية بحثية تحتاج إلى مدونة نصية أوسع من أعمال الكاتب. مع ذلك، تكشف القراءة الغولدمانية أمراً مهماً. نجم والي لا يكتب هنا سيرة مدينة ولا سيرة طفل بصورة منفصلة، بل يكتب سيرة العلاقة بين الوعي والمكان. بغداد لم تبدأ عنده عندما دخلها، بل قبل ذلك بكثير، عندما سمع اسمها. لقد وُلدت أولاً في اللغة. ثم غذتها الحكاية، وجسدها الأب، ووسعتها المخيلة، وأعادت التجربة اختبارها، ثم أعاد المنفى إنتاجها.
هكذا تتحول العبارة الأخيرة، رغبة الطفل في أن يسافر الأب مرة أخرى "لكي أخترع المدينة على هواي من جديد"، إلى مركز دلالي للنص كله. فالاختراع لا يحدث مرة واحدة. كل غياب يعيد تشغيله. وكل مسافة تستدعي خريطة جديدة. وكل حكاية تضيف شارعاً إلى مدينة لا تطابق تماماً المدينة المادية. وهذا هو المعنى الأعمق الذي تكشفه البنيوية التوليدية: المخيلة لا تعمل خارج التاريخ، والتاريخ لا يدخل الأدب في صورة وقائع جاهزة، بل يتحول داخله إلى علاقات وبنى وصور. من هنا يمكن القول إن "اختراع بغداد" يقدم نموذجاً أدبياً لما يمكن تسميته "التوليد الاجتماعي للمكان". بغداد في النص ليست موضوعاً ثابتاً ينتظر الوصف، بل علاقة متحركة بين الذات والجماعة والذاكرة والتاريخ. وكلما تغير موقع الراوي تغيرت المدينة معه. بغداد الطفل ليست بغداد الكاتب في برلين، وبغداد الأسرة ليست بغداد الغريب، وبغداد شهرزاد ليست بغداد القرن الحادي والعشرين، لكنها جميعاً تنتظم حول اسم واحد ومكان واحد. في هذا المستوى يلتقي نجم والي مع جوهر مشروع غولدمان من دون حاجة إلى افتراض تأثر مباشر به. قيمة الأدب، وفق البنيوية التوليدية، تكمن في قدرته على منح التجربة المبعثرة شكلاً ذا معنى. وهذا ما يفعله النص. ذكريات الأب والسقف والنجوم والبيت والبصرة والعمارة وبرلين وشهرزاد والجيوش تبدو في القراءة الأولى شظايا سيرة، لكنها تكشف عند تحليل علاقاتها عن بنية واحدة: الإنسان يسكن المكان مرتين، مرة في الجغرافيا، ومرة في الوعي.
ولعل المفارقة الأعمق أن السكن الثاني أطول عمراً من الأول. المدن تتغير، الشوارع تهدم، الأنظمة تسقط، الناس يهاجرون، والبيوت القديمة تختفي، لكن المدينة التي تشكلت داخل الوعي تستمر في مقاومة التحولات. ولهذا لا يعود "اختراع بغداد" فعلاً طفولياً عابراً، بل يصبح فعلاً متجدداً تقوم به الذاكرة كلما شعرت بأن الواقع لم يعد قادراً على إعادة المدينة التي عرفتها. وفق هذا المنظور، لا يبحث نجم والي عن بغداد الضائعة بقدر ما يبحث عن الشروط التي جعلت بغداد ممكنة في وعيه. وهنا تبلغ البنيوية التوليدية أقصى فائدتها النقدية. إنها تنقل السؤال من "ماذا يتذكر الكاتب؟" إلى "كيف انتظمت هذه الذكريات في بنية ذات معنى، وأي خبرة اجتماعية وتاريخية جعلت هذه البنية ممكنة؟". عندئذ يصبح الأب أكثر من أب، والبيت أكثر من بيت، وبرلين أكثر من مكان إقامة، وبغداد أكثر من عاصمة. كل عنصر يتحول إلى موقع داخل شبكة من العلاقات التي تنتج المعنى. إن بغداد التي يخترعها نجم والي ليست مدينة وهمية تقابل مدينة حقيقية، بل هي الحقيقة الثقافية للمدينة كما تعيش داخل الإنسان. والجملة التي يمكن أن تختصر القراءة الغولدمانية للنص هي أن نجم والي لم يخترع بغداد من عدم، بل أعاد توليدها من مواد قدمتها له جماعته وذاكرته وتاريخه ومسافته عن المكان. فالطفل رسم المدينة على السقف وبين النجوم، والجماعة ملأت الخريطة بالحكايات، والتاريخ أثقلها بصور الغزاة والغرباء، والمنفى أعاد ترتيبها، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذه العناصر المتفرقة بنية دالة. عند هذه النقطة يصبح "اختراع بغداد" نصاً عن بغداد، وعن الذاكرة، لكنه يصبح أيضاً نصاً عن الطريقة التي يصنع بها البشر أمكنتهم داخل الوعي قبل أن يسكنوها، وبعد أن يفقدوها.








التعليقات