انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

هكذا سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الحب

محمد إبراهيم الزموري
محمد إبراهيم الزموري

باحث ومفكر مغربي

8 دقائق للقراءة
15 مشاهدة
هكذا سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الحب
مشاركة:

ربما يكون الحب هو آخر المناطق التي ظن الإنسان أنها عصية على الخوارزميات. فالحب، في مخيلتنا، شيء لا يُحسب، ولا يُقاس، ولا يخضع لمنطق واضح؛ نظرة تأتي في اللحظة الخطأ، قلب يتلعثم أمام وجه لم يكن ينتظره، رسالة تُكتب ثم تُمحى عشر مرات، وغياب صغير يكبر في الداخل حتى يصبح وطناً.

لكن التكنولوجيا تقترب الآن من هذه المنطقة الحميمة التي كنا نظن أنها ملكنا وحدنا. لم يعد السؤال: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في العثور على شخص نحبّه؟ فهذا يحدث بالفعل. السؤال الأكثر إثارة للقلق هو: ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على معرفة من نحب، ولماذا نحبه، ومتى نحتاج إليه، وكيف يمكن أن يجعلنا نحب؟

عندها لن تكون المسألة مجرد تطبيق للمواعدة أو خوارزمية تقترح علينا شخصاً مناسباً، بل انتقالاً عميقاً من عصر كان الحب فيه حادثة إنسانية غامضة إلى عصر قد يصبح فيه الحب عملية محسوبة ومدارة وموجّهة بالبيانات.

لقد كان الخيال العلمي، منذ عقود، يتخيل اليوم الذي تتحول فيه الآلة من أداة في يد الإنسان إلى كائن ينافسه. كانت روايات وأفلام كثيرة تتنبأ بآلات تتعلم، وتفكر، وتتصرف باستقلالية، وربما تنازع الإنسان مكانه.

لكن الخطر الأكثر إثارة ليس بالضرورة أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً من الإنسان، وإنما أن تصبح أكثر معرفة بالإنسان من الإنسان نفسه.

فالآلة لا تحتاج إلى أن تشعر كي تعرف أنك حزين. يكفيها أن تقرأ سرعة كتابتك، ونبرة صوتك، ونوعية الكلمات التي تبحث عنها، والأغاني التي تستمع إليها، والأشخاص الذين تتواصل معهم، والوقت الذي تكون فيه أكثر وحدة، وما الذي يجعلك تفتح هاتفك في الثالثة صباحاً. إنها لا تحتاج إلى قلب حتى تفهم قلبك.

وهنا يبدأ السؤال المخيف. من يمتلك بيانات عواطفنا، قد يمتلك مفتاحاً إلى سلوكنا.

لطالما كانت السلطة تعرف شيئاً عن الإنسان من خلال ما يفعله. أما الذكاء الاصطناعي فيطمح إلى مرحلة أكثر عمقاً: أن يعرف الإنسان من خلال ما يفكر فيه، وما يرغبه، وما يخشاه، وما يتردد في قوله.

وهذا يفتح الباب أمام أكثر المناطق حساسية في وجودنا: الحب والرغبة والوحدة والحاجة إلى الاعتراف.

قال المتنبي:

وما الخوفُ إلا ما تخوّفَه الفتى

وما الأمنُ إلا ما رآهُ الفتى أمنا

ولعلنا اليوم نحتاج إلى قراءة هذا المعنى في ضوء جديد: فما نعتبره اختياراً حراً قد يصبح، شيئاً فشيئاً، نتيجة لما تخوّفته الخوارزمية لنا، أو ما اقترحته علينا، أو ما حجبت عنا رؤيته.

لقد تغيرت طريقة الناس في التعارف بصورة هائلة خلال سنوات قليلة. كان اللقاء في الماضي يحتاج إلى صدفة: مقهى، جامعة، شارع، سفر، صديق مشترك، كتاب، أو حتى نظرة عابرة. أما اليوم، فقد أصبحت الصدفة نفسها قابلة للبرمجة.

تطبيقات المواعدة لا تسألك فقط عمن أعجبك، وإنما تجمع عنك آلاف الإشارات التي قد لا تعي أنت نفسك أهميتها. ثم تبدأ الآلة في بناء صورة عنك: من يجذبك؟ من تتجاهله؟ متى تشعر بالوحدة؟ ما نوع الصور التي تستوقفك؟ ما الكلمات التي تجعلك تتفاعل؟ وما الشخص الذي يحتمل أن تستمر معه أكثر؟

في الظاهر، يبدو الأمر مريحاً. لماذا نضيّع سنوات في البحث إذا كانت الآلة تستطيع أن تختصر علينا الطريق؟ لكن الحب ليس دائماً بحثاً عن الشخص الأكثر توافقاً معنا. أحياناً يكون الحب اكتشافاً لشخص لم نكن نعرف أننا نبحث عنه.

وهذه واحدة من مفارقات التكنولوجيا: كلما أصبحت أفضل في إعطائنا ما نريد، ربما أصبحت أقل قدرة على مفاجأتنا بما لم نكن نعرف أننا نريده.

قال جبران خليل جبران: "المحبة لا تعطي إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها."

والحب، بهذا المعنى، ليس صفقة بين رغبتين متشابهتين، ولا معادلة توافق بين شخصين؛ إنه خروج من الذات نحو آخر لا يمكن اختزاله في مجموعة من الصفات والبيانات.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالبحث عن الحبيب المحتمل. لقد بدأ يدخل إلى العلاقة نفسها.

يمكنه أن يقترح عليك ماذا تقول، وكيف تعتذر، وكيف تصوغ رسالة حب، وكيف تفتح حديثاً مع شخص غاضب، بل وربما كيف تجعل كلماتك أكثر تأثيراً. قد يقول لك: لا ترسل الرسالة الآن، انتظر ساعتين. وقد يخبرك: هذه الجملة قد تبدو هجومية. وقد يقترح: استخدم نبرة أكثر دفئاً.

وفي لحظة ما، قد يصبح الإنسان أمام سؤال لم يكن يعرف أنه سيواجهه: هل هذه كلماتي حقاً؟

إذا كان الذكاء الاصطناعي قد كتب رسالة الاعتذار، واقترح كلمات الحب، وصحح نبرة الغضب، واختار التوقيت، فما الذي بقي من عفوية العلاقة؟

الحب يحتاج أحياناً إلى كلمة سيئة الصياغة، واعتذار مرتبك، ورسالة طويلة بلا فواصل، وغيرة غير منطقية، وصمت لا يعرف صاحبه كيف يفسره. نحن لا نقع في الحب لأن الآخر كامل. بل ربما نقع فيه بسبب تلك الكسور الصغيرة التي تجعل الآخر إنساناً.

ولهذا كتب نزار قباني: "الحب ليس رواية شرقية بختامها يتزوج الأبطال."

الحب ليس نهاية سعيدة مرتبة مسبقاً، وإنما مسار مليء بالالتباس، وسوء الفهم، والانتظار، والخوف، والاقتراب، والابتعاد. إنه، قبل كل شيء، تجربة لا يمكن ضمان نتائجها.

المشكلة الأكبر تبدأ عندما يتحول الحب من تجربة شخصية إلى سوق ضخم للبيانات. فالإنسان الذي يعرف كيف يبيع لك حذاءً تعرفه خوارزميات الإعلان جيداً. لكن تخيل أن تصبح الخوارزمية قادرة على معرفة الشخص الذي يجعلك أكثر تعلقاً، والوقت الذي تكون فيه أكثر استعداداً للوقوع في الحب، والكلمات التي تجعلك أكثر ضعفاً، ونوع العلاقة التي تخشى فقدانها.

عندها لا تعود البيانات مجرد معلومات عن المستخدم. تصبح خريطة لخوفه ورغبته ووحدته. وقد يتحول القلب إلى آخر حقول الاقتصاد الرقمي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تستبدل الآلة الإنسان في الحب، بل أن تتوسط بين الإنسان وحبه حتى يصبح من الصعب معرفة أين تنتهي رغبتنا وأين تبدأ توصية الخوارزمية.

ربما نعتقد أننا اخترنا. بينما تكون الخيارات قد صممت لنا بعناية. ومع ذلك، ليس من الضروري أن يكون مستقبل الذكاء الاصطناعي قاتماً.

فالتكنولوجيا يمكن أن تساعد شخصاً خجولاً على التواصل، وتمنح شخصاً وحيداً فرصة للقاء الآخرين، وتساعد الأزواج على تحسين التواصل، وتوفر أدوات لمن يعانون صعوبات في التعبير عن مشاعرهم. المشكلة ليست في الأداة وحدها. المشكلة تبدأ عندما نسمح للأداة بأن تصبح بديلاً عن التجربة الإنسانية.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح علينا جملة جميلة، لكنه لا يستطيع أن يعيش ارتباك اللحظة التي قيلت فيها. يستطيع أن يكتب اعتذاراً مثالياً، لكنه لا يستطيع أن يشعر بثقل الندم. يستطيع أن يحلل آلاف العلاقات، لكنه لا يستطيع أن يعرف لماذا احتفظ إنسان بصورة قديمة لشخص لم يعد في حياته. ويستطيع أن يخبرنا أن شخصاً ما مناسب لنا بنسبة عالية، لكنه لا يستطيع أن يفسر لماذا خفق قلبنا لشخص آخر لا يناسب أياً من معاييرنا.

وهنا تكمن مفارقة الحب الكبرى: الإنسان لا يحب دائماً ما يناسبه.

لطالما حاول البشر التخلص من عيوبهم. نحن نعدل أجسادنا، ونحسن صورنا، ونصحح أصواتنا، ونبحث عن الكلمات الأكثر أناقة، ونريد أن نظهر أمام الآخرين في أفضل صورة.

وقد يأتي يوم نستطيع فيه، بمساعدة التكنولوجيا، أن نعيد تصميم بعض جوانب شخصياتنا أيضاً: أن نصبح أكثر هدوءاً، وأكثر ثقة، وأقل غيرة، وأكثر قدرة على التواصل، وأقل خوفاً من الرفض.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس: هل نستطيع أن نصبح أفضل؟ بل: ماذا لو أصبحنا متشابهين أكثر مما ينبغي؟ فقد تكون بعض عيوبنا هي التي تمنحنا تفردنا.

الخجل الذي يجعل شخصاً يصمت، والعناد الذي يجعل آخر يعود بعد سنوات، والحساسية الزائدة التي تجعل أحدهم يتأثر بجملة عابرة، والذاكرة التي لا تستطيع نسيان شخص مضى منذ زمن.

هذه الأشياء ليست دائماً أخطاء ينبغي إصلاحها. إنها أحياناً المادة الخام التي يصنع منها الإنسان شخصيته.

قال محمود درويش: "ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا."

ولعل الحب نفسه أحد سبلنا إلى الحياة؛ لأنه يعيدنا إلى هشاشتنا، إلى حاجتنا إلى الآخر، إلى خوفنا من الفقد، وإلى ذلك الجزء فينا الذي لا يريد أن يكون آلة مكتفية بذاتها. ربما سيكون مستقبل الحب أقل اعتماداً على السؤال: "من أحب؟" وأكثر اعتماداً على سؤال جديد: "من اختار لي من أحب؟" وقد يصبح الفرق بين السؤالين بالغ الخطورة.

لأن الحب، في جوهره، ليس مجرد العثور على الشخص المناسب، بل أن نشعر أننا نحن الذين اخترناه. قد تخبرنا الخوارزمية أن هذا الشخص أكثر توافقاً معنا من غيره. وقد تحلل تاريخنا النفسي، وأذواقنا، وشخصياتنا، واحتياجاتنا، وتقدم لنا قائمة دقيقة بالأشخاص الذين ينبغي أن نحبهم.

لكن الحب الحقيقي قد يبدأ تحديداً عندما نعصي هذه القائمة. عندما نختار شخصاً لا تفهمه البيانات. عندما ننجذب إلى روح لا تنتمي إلى أي نموذج تنبؤي. عندما يحدث شيء لا تستطيع الآلة تفسيره.

قال أبو الطيب المتنبي:

"وما كل ما يتمنى المرء يدركه

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"

وربما كان هذا العجز تحديداً جزءاً من جمال الحياة. أن نتمنى ولا نحصل. أن نحب ولا نُبادَل. أن نفقد. أن نخطئ. أن نلتقي بالشخص المناسب في الوقت الخطأ. أن نقول الكلمة بعد فوات أوانها. أن نندم. أن نبدأ من جديد.

هذه ليست عيوباً في النظام الإنساني. هذه هي الحياة نفسها. ولهذا فإن السؤال الحقيقي أمام الذكاء الاصطناعي ليس: هل يستطيع أن يجعل الحب أكثر كفاءة؟ بل: هل نريد للحب أن يكون أكثر كفاءة أصلاً؟

فالكفاءة تصلح للمصانع، وللطرق، ولإدارة الوقت، وللأسواق. أما الحب، فربما يحتاج إلى شيء من الفوضى. إلى المصادفة. إلى الخطأ. إلى الانتظار. إلى المسافة. إلى الغموض. إلى ذلك الجزء من الإنسان الذي لا يمكن تحويله إلى جدول بيانات.

ربما لن تكون المعركة القادمة بين الإنسان والآلة حول من هو الأذكى، وإنما حول شيء أكثر حميمية: من يملك حق تعريف مشاعرنا؟

فإذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على معرفة ما نريد قبل أن نعرفه نحن، وعلى اقتراح من نحب، وكيف نحب، ومتى نحب، وكيف نحافظ على العلاقة، فإن الخطر لا يكمن في أن الآلة ستشعر بدلاً منا. الخطر أن نتوقف نحن عن الشعور بالطريقة التي لا تستطيع الآلة توقعها.

وقد يكون أجمل ما في الإنسان أنه لا يزال قادراً على أن يحب شخصاً لم تقترحه عليه أي خوارزمية. أن يختار الطريق الخطأ. أن يكتب رسالة في منتصف الليل. أن يرتكب حماقة باسم الحب. أن يظل، رغم كل ما ستعرفه الآلات عنه، محتفظاً بسر صغير لا تستطيع قراءته: لماذا أحببت؟ وربما، في النهاية، تكون هذه المساحة الغامضة هي آخر ما يجعلنا بشراً.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:١٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال
آراء

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال أ.محمد إبراهيم الزموري لم يعد الحب يموت بالضرورة لأن أحدًا توقف عن الحب. أحيانًا يموت لأن العالم من حوله أصبح سريعًا إلى درجة لا تسمح له بأن ينضج. يبدأ الحب اليوم في زمن يريد كل شيء فورًا: الاستجابة الفورية، المتعة الفورية، الاختيار الفوري،…

· 9 د
الانتحار جبن أم شجاعة ؟!
آراء

الانتحار جبن أم شجاعة ؟!

أياد خضير سؤال هزني عندما سألني ولدي الذي يأتي بالمرتبة قبل الأخيرة: ما الذي يدور في ذهنه؟ لقد أربكني.. أخافني.. ربما أراد الاطلاع على ما يدور في ذهنه أو... لا أدري! سألني: الانتحار جبن أم شجاعة؟ لا بد أن أتحدث معه، أن أكون أكثر صراحةً. أخذت نفساً عميقاً.. وقلت: يصل الانتحار إلى الإنسان في حالات…

· 3 د
واقعية الثبات والسيولة الرقمية
آراء

واقعية الثبات والسيولة الرقمية

أ.د محمد كريم الساعدي في عالم اليوم، لا يوجد فضاء حاكم بين الواقعي والافتراضي إلا بعملية التكوين الخاص بحدود السلوك والأخلاقيات في المجالات كافة، سواء أكان على المستوى النخبوي أم على المستوى الشعبي. لكن لكل فضاء من الفضائيين حدوده ومتبنياته الفكرية التي تنعكس على بناء الرؤية المرتبطة بتشكيل الفهم…

· 15 د