انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

في سوسيولوجيا الوعي:  من "اقْرَأْ" التأسيسية إلى انكسار الفعل الحضاري

عبد المجيد عبوبي
عبد المجيد عبوبي

شاعر وأديب مغربي

2 دقائق للقراءة
11 مشاهدة
في سوسيولوجيا الوعي: من "اقْرَأْ" التأسيسية إلى انكسار الفعل الحضاري
مشاركة:

لم تكن "اقْرَأْ" مجرد أمر إلهي بأداء فعلٍ مادي، بل كانت الشرارة التأسيسية التي فتحت باب الحضارة الإسلامية، ونقلت مجتمعاً أُمياً من الهامش التاريخي إلى مركز الفعل الحضاري والعمراني. إن القراءة بمفهومها الشامل هي مفهوم مركّب؛ فهي فعل نفسي يبني الوعي الذاتي، وسلوك اجتماعي يحدد هُوية الجماعة، وشرط تاريخي يقرر مصير الأمم. فحين تملك الأمة ثقافة القراءة العميقة، تملك القدرة على تفكيك العالم وإعادة بنائه.

وفي هذا السياق السوسيولوجي، تُزرع القراءة في البيوت وتتحول إلى عادة راسخة قبل أن تصبح منهجاً مدرسيّاً. غير أن هذا البناء الحضاري شهد هزات عميقة حين تخلت الدولة عن دورها في حماية الكتاب ورعايته؛ حيث تحولت المعارض الثقافية من منصات لإنتاج الفكر والترجمة إلى مظاهر تجارية تُباع فيها الكتب بالصنادق، ليتحول الكتاب إلى سلعة فاخرة يقتنيها الميسورون، ويُحرم منها عامة الناس، مما أدى إلى انحسار الأدب والفلسفة لصالح السطحية.

لقد أثبت التاريخ أن قوة الثقافة ترتبط بفضاءاتها المفتوحة؛ فقد كانت بؤر المعرفة الشعبية — كشارع المتنبي في بغداد، وسوق البحيرة في الدار البيضاء، وسور الأزباكية في القاهرة — شرياناً يغذي الروح الجماعية ويصنع حراكاً فكرياً يجمع كافة الطبقات. لم تكن هذه الأماكن مجرد أسواق لبيع الورق المستعمل، بل كانت مجتمعات مصغرة تعكس رفاهية المعرفة وإتاحتها للجميع.

أما اليوم، فإن المشكلة لا تكمن في انقطاع الناس عن القراءة كلياً؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن المواطن العربي يُمضي عشرات الساعات سنوياً في القراءة. لكن الخلل يكمن في نوعية السلوك القِرائي؛ حيث تحولت القراءة من فعل نُهوضي وفكري يُحلل النصوص العميقة إلى استهلاك سريع ومقتضب عبر الشاشات ومواقع التواصل.

إن التطور الرقمي لم يلغِ القراءة، لكنه سلبها عمقها النفسي والحضاري؛ حيث تراجعت سلطة المفكر والأديب لصالح المؤثر وصانع المحتوى الرقمي. وأصبح إنسان العصر يكتفي بالخلاصات السريعة والتسجيلات الصوتية. ولن يستعيد العقل العربي فاعليته الحضارية إلا بإعادة الاعتبار لروحيّة "اقْرَأْ" الأولى: القراءة التي تبني العقل، وتغير السلوك، وتصنع التاريخ، لا القراءة التي تُستهلك لقتل الوقت.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٢:٤٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

عَبدالوهاب البَيّاتِي  شاعر( الطَّلْقِ الصِّنَاعِيِّ)
آراء

عَبدالوهاب البَيّاتِي  شاعر( الطَّلْقِ الصِّنَاعِيِّ)

للبياتي صوته الشعري البسيط الخاص، الهادئ والمختلف حتى عن السياب، ذلك الصوت الهادر الضاج بالألم الحقيقي. وهنا تكمن المفارقة: البياتي يكتب عن (طَلْقٍ صناعي) بمحفزات لا (ولادة حقيقية )، صوته ناتج عن ألمٍ مصطنع في وقت راحة واسترخاء لا معاناة ولاهم حرارة ما تنتقل للقارئ من بين السطور؛ يكتب عن الصوفية…

· 3 د
هكذا سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الحب
آراء

هكذا سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الحب

هكذا سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الحب محمد إبراهيم الزموري ربما يكون الحب هو آخر المناطق التي ظن الإنسان أنها عصية على الخوارزميات. فالحب، في مخيلتنا، شيء لا يُحسب، ولا يُقاس، ولا يخضع لمنطق واضح؛ نظرة تأتي في اللحظة الخطأ، قلب يتلعثم أمام وجه لم يكن ينتظره، رسالة تُكتب ثم تُمحى عشر مرات، وغياب صغير…

· 8 د
الثقافة البيئية
آراء

الثقافة البيئية

مع إعلان حالة الطوارئ البيئية في العراق، يعود السؤال عن موقع البيئة في وعينا اليومي وفي عمل مؤسساتنا. فقد أعلنت وزيرة البيئة ووزيرة الثقافة والسياحة والآثار وكالةً السيدة سروة عبد الواحد، حالة الطوارئ خلال اجتماع عُقد برعاية النائب الأول لرئيس مجلس النواب، بالتزامن مع إطلاق منصة للرصد والاستجابة…

· 3 د