انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

عُنْصُرِيَّةُ الجَمَالِ: نَقْدٌ لِسُلْطَةِ المَظْهَرِ فِي المُجْتَمَعِ المُعَاصِرِ

مجيدة محمدي
مجيدة محمدي

قاصة وشاعرة تونسية

4 دقائق للقراءة
27 مشاهدة
عُنْصُرِيَّةُ الجَمَالِ: نَقْدٌ لِسُلْطَةِ المَظْهَرِ فِي المُجْتَمَعِ المُعَاصِرِ
مشاركة:

ظلَّ مفهوم العنصرية، عبر التاريخ، مرتبطًا بالتمييز القائم على العِرق أو اللون أو الدين أو الجنس، غير أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها العالم اليوم تدفعنا إلى إعادة النظر في أشكال التمييز المستحدثة، والتي لا تقل تأثيرًا في حياة الأفراد، وإن كانت أقل وضوحًا. ومن بين هذه الأشكال ما يمكن تسميته بـ «عنصرية الجمال»؛ أي ذلك النسق الخفي من الأحكام والممارسات الذي يمنح امتيازات أو يفرض عقوبات اجتماعية استنادًا إلى المظهر الخارجي.

ولا يُقصد بهذا المفهوم مساواة هذا النوع من التحيز بأشكال العنصرية التاريخية التي قامت على الاستعباد أو الإقصاء الممنهج، بل الإشارة إلى أنه يمثل صورة من صور التمييز الاجتماعي والتحيز القائم على المظهر، وهو تحيز تؤكده دراسات علم النفس والاجتماع، ويتجلى في الحياة اليومية بطرائق متعددة.

أولًا: الجمال بوصفه سلطة رمزية

لم يعد الجمال مجرد صفة جمالية، بل أصبح رأسمالًا اجتماعيًا. فالمجتمع يمنح الأشخاص الجذابين، في كثير من الأحيان، ثقةً وفرصًا لا تستند إلى الكفاءة، وإنما إلى الانطباع الأول.

ويرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن المجتمعات لا تقوم على رأس المال الاقتصادي وحده، بل على رؤوس أموال رمزية تمنح أصحابها النفوذ والقبول. ويمكن النظر إلى الجمال بوصفه أحد هذه الرؤوس؛ فهو يفتح الأبواب، ويصنع توقعات إيجابية، ويمنح صاحبه حضورًا اجتماعيًا قد لا يرتبط بإنجازاته الفعلية.

غير أن هذه السلطة ليست مستقرة، لأنها قائمة على معايير متغيرة، تحددها الثقافة والإعلام والذوق العام، لا الطبيعة الإنسانية.

ثانيًا: علم النفس... كيف يخدعنا الوجه؟

تؤكد أبحاث علم النفس الاجتماعي وجود ما يعرف بـ «تأثير الهالة»، وهو ميل العقل إلى تعميم صفة إيجابية واحدة على بقية الصفات. فإذا بدا الشخص جميلًا، افترض كثيرون – دون وعي – أنه أكثر ذكاءً أو نجاحًا أو لطفًا.

كما يوضح عالم النفس دانيال كانيمان أن الدماغ يعتمد على التفكير السريع، الذي يبني أحكامه من خلال الانطباعات الأولية والاختصارات الذهنية، وهو ما يجعل المظهر عنصرًا مؤثرًا في قراراتنا اليومية، حتى عندما نعتقد أننا موضوعيون.

وهكذا، يتحول الوجه إلى وثيقة غير مكتوبة، تُقرأ قبل السيرة الذاتية، وأحيانًا قبل الكلمة الأولى.

ثالثًا: المرأة الجميلة... بين الامتياز والاختزال

تُواجه المرأة الجميلة مفارقة قاسية؛ فهي قد تحظى بالقبول السريع، لكنها تُحرم في المقابل من الاعتراف الكامل بجهدها.

فكم من امرأة ناجحة وُوجهت بتلميحات تقلل من قيمة إنجازها، وكأن جمالها هو التفسير الوحيد لما حققته. وكم من امرأة اضطرت إلى بذل جهد مضاعف لإثبات أن عقلها لا يقل حضورًا عن ملامحها.

إن اختزال المرأة في جمالها ليس تكريمًا لها، بل هو شكل آخر من أشكال سلب هويتها الإنسانية، لأنها تُختصر في ما يُرى، لا في ما تفكر فيه أو تصنعه.

رابعًا: الرجل الوسيم... ضحية الصور النمطية أيضًا

على الرغم من أن الحديث عن الرجل الوسيم أقل حضورًا في الدراسات الاجتماعية، فإنه لا يخلو من التحيزات.

فقد يُنظر إليه باعتباره سطحيًا أو مغرورًا أو أقل جدية، وقد يُساء تقدير كفاءته المهنية بسبب مظهره. كما قد يُحمَّل توقعات اجتماعية مبالغًا فيها، فيصبح مطالبًا بالحفاظ على صورة مثالية لا تعبّر بالضرورة عن شخصيته الحقيقية.

وهذا يكشف أن التحيز المرتبط بالمظهر لا يقتصر على النساء، وإن اختلفت أشكاله وحدته.

خامسًا: وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الجمال

لم يعرف التاريخ سلطة للجمال كالتي نعيشها اليوم.

فالمنصات الرقمية لا تعرض الجمال فحسب، بل تعيد إنتاجه وفق معايير تجارية دقيقة، تعتمد على الخوارزميات والإعلانات وتقنيات التعديل البصري.

ومع الوقت، أصبح الإنسان يقارن حياته الحقيقية بصور مصممة بعناية، فتتراجع ثقته بنفسه، ويغدو الجسد مشروعًا دائمًا للتحسين، لا بيتًا تسكنه الروح.

وهكذا، لم يعد السؤال: «كيف أعيش؟»، بل أصبح: «كيف أبدو؟».

سادسًا: هل الجمال فضيلة؟

من الناحية الفلسفية، لا يمكن اعتبار الجمال فضيلة أخلاقية، لأنه ليس ثمرة اختيار حر، بل هو، إلى حد بعيد، معطى بيولوجي.

فالفضائل الحقيقية هي ما يكتسبه الإنسان بالإرادة: الحكمة، والعدل، والشجاعة، والصدق، والرحمة.

أما الجمال، فهو أشبه بموهبة طبيعية؛ قد تمنح صاحبها فرصًا، لكنها لا تمنحه قيمة أخلاقية، كما أن غيابها لا ينتقص من إنسانية أحد.

خاتمة

إن أخطر ما في التحيز القائم على الجمال أنه يجعل الإنسان أسيرًا لشيء لم يختره. فالجميل قد يُختزل في ملامحه، وغير الجميل قد يُقصى بسببها، وفي الحالتين يُختزل الإنسان في قشرة خارجية، بينما تتوارى شخصيته الحقيقية خلف الأحكام المسبقة.

إن المجتمع الذي يقيس قيمة الإنسان بوجهه، لا يظلم الأفراد فحسب، بل يظلم نفسه أيضًا؛ لأنه قد يخسر العقول المبدعة، والطاقات الخلاقة، والقلوب النبيلة، فقط لأنها لم تُولد وفق معايير جمالية عابرة.

ولعل العدالة الإنسانية تبدأ عندما يصبح السؤال الأول: «ماذا يحمل هذا الإنسان من فكر وقيم؟»، لا: «كيف يبدو؟». فالجمال قد يجذب العين لحظة، أما الفكر والأخلاق فيصنعان أثرًا يبقى طويلًا بعد أن تتغير الملامح ويذبل الجسد.

المراجع

دانيال كانيمان، التفكير، السريع والبطيء.

بيير بورديو، التمييز: نقد اجتماعي لملكة الحكم.

إرفنغ غوفمان، عرض الذات في الحياة اليومية.

ناعومي وولف، أسطورة الجمال.

إريك فروم، فن الحب.

مشاركة:

آخر تحديث: ٣٠ آب ٢٠٢٦ في ٠٤:١٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

فلسفة الكتابة من الذات إلى الوجع الإنساني
آراء

فلسفة الكتابة من الذات إلى الوجع الإنساني

الكتابة بوصفها اعترافًا بالعجز وانتصارًا للإنسان مقال فكري تأملي في فلسفة الكتابة وأسئلة الذات والوجع الإنساني حسن غريب أحمد كاتب ناقد باحث روائي مصري ليست الكتابة دائمًا فعلًا صادرًا عن روح واثقة من نفسها، ولا هي بالضرورة ثمرة عقل استقر على إجابات نهائية، أو نفس امتلكت من اليقين ما يجعلها قادرة…

· 13 د
عزفٌ على جثةِ حمارٍ ميت
آراء

عزفٌ على جثةِ حمارٍ ميت

منذُ أن وقفَ أجدادُنا النياندرتال أمامَ النارِ الأولى وحرقوا ألسنتهم لأنهم ظنوا أن الضوءَ طعمُهُ لذيذ ونحنُ نكررُ الخطيئةَ ذاتها بنفسِ الحماسِ الأعمى ، اخترعنا العجلةَ كي نصلَ أسرع لكننا اكتشفنا أن المكانَ الذي وصلنا إليهِ ليس بأفضلَ من المكانِ الذي هربنا منه ، اخترعنا الكتابةَ لنخلّدَ أفكارنا…

· 8 د
 إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ 
الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين
آراء

إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين

إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين بقلم: د. زُبير سُلطان رَبّانِيْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا كان الله سبحانه وتعالى قد عَلِمَ أعمال…

· 12 د