انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المولد النبوي: هل وُلدت الأخلاق فينا أم اكتفينا بالاحتفال؟

عبد المجيد عبوبي
عبد المجيد عبوبي

شاعر وأديب مغربي

3 دقائق للقراءة
21 مشاهدة
المولد النبوي: هل وُلدت الأخلاق فينا أم اكتفينا بالاحتفال؟
مشاركة:

في كلّ مولدٍ نبوي، نحتفل بميلاد رجلٍ غيّر وجه التاريخ، لكننا نادرًا ما نجرؤ على طرح السؤال الذي يزعج الاحتفال: ماذا وُلد فينا نحن؟ هل وُلدت الأخلاق، أم وُلدت عادةٌ سنوية من المدائح والأنوار والكلمات الجميلة؟

إن المولد النبوي ليس مناسبةً للذاكرة وحدها، بل مناسبةٌ لمساءلة الحاضر. فالنبي محمد لم يُبعث ليضيف إلى العالم خطابًا جديدًا فحسب، وإنما بُعث ليعيد بناء الإنسان من الداخل. ولذلك جاء المعنى واضحًا في الحديث الشريف: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فالأخلاق لم تكن تفصيلًا في الرسالة، بل كانت قلبها النابض وغايتها الكبرى.

غير أن السؤال يبقى قائمًا: هل نجح هذا المشروع الوجودي والأخلاقي؟

الجواب يقتضي قدرًا من الشجاعة. لقد نجحت الرسالة في وضع الإنسان أمام معيار جديد، معيار لا يجعل القوة وحدها مصدرًا للقيمة، ولا المال دليلًا على التفوق، ولا النسب مبررًا للامتياز. جعلت الرحمة فضيلة، والعدل مسؤولية، والصدق طريقًا، والكرامة حقًا لا منحة. وبذلك لم تغيّر الرسالة سلوك الأفراد فحسب، بل أعادت تعريف الإنسان وموقعه في العالم.

لكن نجاح الرسالة في تأسيس المبدأ لا يعني نجاحنا الكامل في تجسيده. فالمشروع النبوي قدّم النموذج، غير أن أتباعه لم يكونوا دائمًا على مستوى النموذج. وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية: أن نفرّق بين عظمة الرسالة وقصور الممارسة، وبين قداسة المبدأ وأخطاء البشر.

نحتفل بالمولد، ثم نعود إلى حياتنا كأن الأخلاق شأنٌ خاص بالمساجد والمنابر. نتحدث عن الرحمة، ونمارس القسوة. نرفع شعار الصدق، ونبرّر الكذب حين يخدم مصالحنا. نمدح التواضع، ونبحث عن السلطة والامتياز. نذكر النبي في الكلام، ثم نغيب أخلاقه عن الأسرة والعمل والسياسة والمعاملات.

فأين الخلل؟

الخلل في أننا حوّلنا الأخلاق من مشروع تغيير إلى خطاب احتفالي. جعلناها كلماتٍ نُعجب بها، لا التزاماتٍ نعيشها. أصبح من السهل أن نمدح النبي، لكن من الصعب أن نقتدي بعدله حين يتعارض العدل مع مصلحتنا. أصبح من السهل أن نتحدث عن رحمته، لكن من الصعب أن نرحم من يختلف معنا أو ينافسنا أو لا يملك قوةً يدافع بها عن نفسه.

إن ولادة الأخلاق لا تعني أن نحفظ تعريفاتها، بل أن تولد فينا قدرةٌ جديدة على مقاومة الظلم والكذب والغرور. أن يصبح الإنسان أكثر حرجًا من إيذاء غيره، وأكثر خوفًا من خيانة الأمانة، وأكثر استعدادًا للاعتراف بخطئه. الأخلاق لا تولد في الخطب الطويلة، بل في المواقف الصغيرة التي لا يصفق لنا فيها أحد.

ومن هنا، فإن المولد النبوي ينبغي أن يكون لحظةً لإعادة النظر في معنى التقدم. فما قيمة التطور العلمي إذا لم يرافقه تطور في الضمير؟ وما قيمة المدن الحديثة إذا ظل الإنسان فيها مستعدًا لإهانة أخيه من أجل منفعة؟ وما قيمة كثرة المعرفة إذا لم تجعلنا أكثر عدلًا ورحمة؟ قد يتقدم العالم في التكنولوجيا، لكنه لا يتقدم بالضرورة في الأخلاق.

إن بعث محمد الأخلاقي لم ينتهِ، لأنه ليس مشروعًا مرتبطًا بزمنٍ مضى، بل أفقٌ مفتوح أمام كل إنسان ومجتمع. وكلما اتسعت الفجوة بين ما نقوله وما نفعله، ازدادت حاجتنا إلى استعادة هذا البعث من معناه الحي، لا من مظهره الاحتفالي فقط.

في المولد النبوي، لا يكفي أن نسأل: كيف نحتفل؟ بل ينبغي أن نسأل: كيف نتغير؟ لا يكفي أن نرفع أصواتنا بالمديح، بل علينا أن نخفض أصوات الظلم في حياتنا. لا يكفي أن نتحدث عن مكارم الأخلاق، بل علينا أن نعيد الأخلاق إلى المدرسة، والإدارة، والسوق، والبيت، والسياسة، والعلاقات بين الناس.

إن أعظم احتفال بالنبي ليس أن نكثر من الكلام عنه، بل أن نجعل كلامنا أقل كذبًا، وغضبنا أقل ظلمًا، وسلطتنا أكثر عدلًا، ووجودنا أكثر رحمة.

فهل وُلدت الأخلاق فينا؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يزعج كل احتفال، وأن يبقى مفتوحًا بعد انطفاء الأنوار وانتهاء الخطب. لأن المولد الحقيقي لا يكون حين نتذكر ولادة النبي فقط، بل حين تولد فينا، من جديد، إنسانيتنا.

مشاركة:

آخر تحديث: ٣١ آب ٢٠٢٦ في ١٠:٠٦ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

سُلطة القهر وأطياف البدء:

حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط
آراء

سُلطة القهر وأطياف البدء: حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط

بنية الوجود وأشكال الوعي الجمعي البدئية تتطلب مقاربة ظاهرة العنف والسلطة في مجتمعات الشرق الأوسط تجاوز التفسيرات الوقائعية العابرة، والنفاذ إلى الطبقات التكوينية العميقة للوعي الجمعي؛ حيث تتشكل الرؤى الغيبية الكلية وتستقر الأنماط البدئية الموجهة للسلوك البشري والمؤسسة للأنظمة السياسية. ينهض مفهوم…

· 7 د
جنازة لخمسين كتابا
آراء

جنازة لخمسين كتابا

في السنوات الأخيرة من عمري، بعد أن تجاوزت الستين ونيف، بدأت أستيقظ قبل شروق الشمس كما لو أن جسدي ما زال يتذكر موعدا قديما لم يعد له صاحب. أفتح عيني في الظلام، فأرى السقف أولا، ثم أسمع الصمت وهو يتحرك في الغرفة. كان الصباح في السابق يعني شيئا. يعني أن أنهض، أغسل وجهي، أعد الشاي، وأجلس إلى الطاولة…

· 4 د
الميتا قص: مصطلح الوهم وسوء فهم السرد!!
آراء

الميتا قص: مصطلح الوهم وسوء فهم السرد!!

(إشارات توضيحية) شهد النقد العربي خلال العقود الأخيرة موجة من المصطلحات الوافدة التي انتقلت من سياقاتها النظرية الغربية إلى التداول الثقافي العربي دون تمحيص كافٍ أو استيعاب دقيق للشروط المعرفية التي أنتجتها. ومن بين هذه المصطلحات ما اصطلح على تسميته بـ«الميتا قص» أو «الميتاسرد»، وهو تعبير شاع…

· 5 د