انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المولد النبوي: هل وُلدت الأخلاق فينا أم اكتفينا بالاحتفال؟

عبد المجيد عبوبي
عبد المجيد عبوبي

شاعر وأديب مغربي

3 دقائق للقراءة
23 مشاهدة
المولد النبوي: هل وُلدت الأخلاق فينا أم اكتفينا بالاحتفال؟
مشاركة:

في كلّ مولدٍ نبوي، نحتفل بميلاد رجلٍ غيّر وجه التاريخ، لكننا نادرًا ما نجرؤ على طرح السؤال الذي يزعج الاحتفال: ماذا وُلد فينا نحن؟ هل وُلدت الأخلاق، أم وُلدت عادةٌ سنوية من المدائح والأنوار والكلمات الجميلة؟

إن المولد النبوي ليس مناسبةً للذاكرة وحدها، بل مناسبةٌ لمساءلة الحاضر. فالنبي محمد لم يُبعث ليضيف إلى العالم خطابًا جديدًا فحسب، وإنما بُعث ليعيد بناء الإنسان من الداخل. ولذلك جاء المعنى واضحًا في الحديث الشريف: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فالأخلاق لم تكن تفصيلًا في الرسالة، بل كانت قلبها النابض وغايتها الكبرى.

غير أن السؤال يبقى قائمًا: هل نجح هذا المشروع الوجودي والأخلاقي؟

الجواب يقتضي قدرًا من الشجاعة. لقد نجحت الرسالة في وضع الإنسان أمام معيار جديد، معيار لا يجعل القوة وحدها مصدرًا للقيمة، ولا المال دليلًا على التفوق، ولا النسب مبررًا للامتياز. جعلت الرحمة فضيلة، والعدل مسؤولية، والصدق طريقًا، والكرامة حقًا لا منحة. وبذلك لم تغيّر الرسالة سلوك الأفراد فحسب، بل أعادت تعريف الإنسان وموقعه في العالم.

لكن نجاح الرسالة في تأسيس المبدأ لا يعني نجاحنا الكامل في تجسيده. فالمشروع النبوي قدّم النموذج، غير أن أتباعه لم يكونوا دائمًا على مستوى النموذج. وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية: أن نفرّق بين عظمة الرسالة وقصور الممارسة، وبين قداسة المبدأ وأخطاء البشر.

نحتفل بالمولد، ثم نعود إلى حياتنا كأن الأخلاق شأنٌ خاص بالمساجد والمنابر. نتحدث عن الرحمة، ونمارس القسوة. نرفع شعار الصدق، ونبرّر الكذب حين يخدم مصالحنا. نمدح التواضع، ونبحث عن السلطة والامتياز. نذكر النبي في الكلام، ثم نغيب أخلاقه عن الأسرة والعمل والسياسة والمعاملات.

فأين الخلل؟

الخلل في أننا حوّلنا الأخلاق من مشروع تغيير إلى خطاب احتفالي. جعلناها كلماتٍ نُعجب بها، لا التزاماتٍ نعيشها. أصبح من السهل أن نمدح النبي، لكن من الصعب أن نقتدي بعدله حين يتعارض العدل مع مصلحتنا. أصبح من السهل أن نتحدث عن رحمته، لكن من الصعب أن نرحم من يختلف معنا أو ينافسنا أو لا يملك قوةً يدافع بها عن نفسه.

إن ولادة الأخلاق لا تعني أن نحفظ تعريفاتها، بل أن تولد فينا قدرةٌ جديدة على مقاومة الظلم والكذب والغرور. أن يصبح الإنسان أكثر حرجًا من إيذاء غيره، وأكثر خوفًا من خيانة الأمانة، وأكثر استعدادًا للاعتراف بخطئه. الأخلاق لا تولد في الخطب الطويلة، بل في المواقف الصغيرة التي لا يصفق لنا فيها أحد.

ومن هنا، فإن المولد النبوي ينبغي أن يكون لحظةً لإعادة النظر في معنى التقدم. فما قيمة التطور العلمي إذا لم يرافقه تطور في الضمير؟ وما قيمة المدن الحديثة إذا ظل الإنسان فيها مستعدًا لإهانة أخيه من أجل منفعة؟ وما قيمة كثرة المعرفة إذا لم تجعلنا أكثر عدلًا ورحمة؟ قد يتقدم العالم في التكنولوجيا، لكنه لا يتقدم بالضرورة في الأخلاق.

إن بعث محمد الأخلاقي لم ينتهِ، لأنه ليس مشروعًا مرتبطًا بزمنٍ مضى، بل أفقٌ مفتوح أمام كل إنسان ومجتمع. وكلما اتسعت الفجوة بين ما نقوله وما نفعله، ازدادت حاجتنا إلى استعادة هذا البعث من معناه الحي، لا من مظهره الاحتفالي فقط.

في المولد النبوي، لا يكفي أن نسأل: كيف نحتفل؟ بل ينبغي أن نسأل: كيف نتغير؟ لا يكفي أن نرفع أصواتنا بالمديح، بل علينا أن نخفض أصوات الظلم في حياتنا. لا يكفي أن نتحدث عن مكارم الأخلاق، بل علينا أن نعيد الأخلاق إلى المدرسة، والإدارة، والسوق، والبيت، والسياسة، والعلاقات بين الناس.

إن أعظم احتفال بالنبي ليس أن نكثر من الكلام عنه، بل أن نجعل كلامنا أقل كذبًا، وغضبنا أقل ظلمًا، وسلطتنا أكثر عدلًا، ووجودنا أكثر رحمة.

فهل وُلدت الأخلاق فينا؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يزعج كل احتفال، وأن يبقى مفتوحًا بعد انطفاء الأنوار وانتهاء الخطب. لأن المولد الحقيقي لا يكون حين نتذكر ولادة النبي فقط، بل حين تولد فينا، من جديد، إنسانيتنا.

مشاركة:

آخر تحديث: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٤٧ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

المحركات الفلسفية لانهيارات الشرق الأوسط:

 من الانسياق الأعمى إلى التدمير المتبادل
آراء

المحركات الفلسفية لانهيارات الشرق الأوسط:  من الانسياق الأعمى إلى التدمير المتبادل

لفهم المأزق الحالي للمجتمعات التي تعاني من انهيارات مؤسسية وقيمية شاملة، يتحتم علينا الغوص عميقاً في الآليات النفسية والاجتماعية التي تحكم سلوك الأفراد داخل الفضاء العام. ففي أوقات الأزمات الكبرى، وتآكل الثقة في المؤسسات الرسمية، تتراجع النزعات الفردية العقلانية لصالح محركات جمعية بدائية. هذه…

· 8 د
أسئلة المعرفة وتحرير العقل
آراء

أسئلة المعرفة وتحرير العقل

منذ أن وِجِدَ الإنسان على هذه البسيطة, وفي كل مرة يتعرض فيها تاريخه لمنعطفات حادّة, تبرز لديه تلك الأسئلة القديمة الحديثة لتفرض نفسها عليه بقوّة خصوصاً عندما يشعر بعمق غربته واستلابه وضياعه أمام كلّ التطورات والتناقضات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة التي خلقها هو نفسه عبر علاقته مع…

· 5 د
الدفن حياً في مقابر السرديات الزائفة:

 تفكيك هندسة التحيز وتواطؤ الاستبداد المعاصر في الشرق الأوسط
آراء

الدفن حياً في مقابر السرديات الزائفة:  تفكيك هندسة التحيز وتواطؤ الاستبداد المعاصر في الشرق الأوسط

غالب المسعودي البنية المعرفية والسياسية تتأسس بنية هذا التحليل على تفكيك ثلاث عُقد مفاهيمية حاكمة؛ تتجلى الأولى في حقيقة "الدول الرخوة"، بوصفها كيانات تجمع بين الانفلات المؤسسي والفساد الإداري المستشري، وتلجأ في الوقت عينه إلى الإفراط العنيف في القمع العاري لتعويض عجزها القانوني وموت شرعيتها. تكشف…

· 7 د