شهد النقد العربي خلال العقود الأخيرة موجة من المصطلحات الوافدة التي انتقلت من سياقاتها النظرية الغربية إلى التداول الثقافي العربي دون تمحيص كافٍ أو استيعاب دقيق للشروط المعرفية التي أنتجتها. ومن بين هذه المصطلحات ما اصطلح على تسميته بـ«الميتا قص» أو «الميتاسرد»، وهو تعبير شاع استعماله في الوسط الثقافي حتى غدا عند بعضهم معياراً للتجريب والحداثة، مع أن كثيراً من استخداماته لا تعدو أن تكون ضرباً من التوصيف الفضفاض الذي يفتقر إلى الضبط المفهومي.لقد نشأت فكرة الميتاسرد في سياقات فلسفية وسردية معقدة، وكان المقصود بها في الأساس ذلك الوعي الذاتي الذي تبديه بعض النصوص تجاه طبيعتها بوصفها نصوصاً، بحيث تكشف آليات اشتغالها وتضع فعل الكتابة نفسه موضع مساءلة. وقد تناولت الباحثة الكندية ليندا هتشيون هذا المفهوم في كتابها «السرد النرجسي» بوصفه شكلاً من أشكال الوعي الذاتي في الرواية، بينما جعلته باتريشيا ووه في كتابها «الميتافكشن: النظرية والتطبيق» أحد مظاهر الرواية التي تعلن عن كونها بناءً تخييلياً. غير أن هذه المقاربة النظرية الدقيقة تحولت في التداول العربي إلى شعار عام، وصار يكفي أن يتحدث الراوي عن الكتابة أو أن يورد الكاتب شخصية تحمل صفاته حتى يُعلن أن النص ينتمي إلى «الميتا قص».إن هذا التوسع غير المنضبط في استعمال المصطلح جعل منه أقرب إلى الوهم النقدي منه إلى الأداة المعرفية. فالرواية منذ نشأتها تمتلك وعياً ضمنياً بذاتها، ولم يكن ثربانتس في «دون كيخوته» أو ديدرو في «جاك القدري» أو لورنس ستيرن في «حياة وآراء تريسترام شاندي» بحاجة إلى هذا الاصطلاح لكي ينجز نصوصاً تشتبك مع فعل الحكي ذاته. وما فعله النقد الحديث لم يكن اختراع ظاهرة جديدة، بل وضع تسمية لبعض الممارسات السردية الموجودة أصلاً ولعل الإشكال الأكبر يكمن في تحويل المصطلح إلى قيمة جمالية بحد ذاته، حتى بدا وكأن الرواية التي لا تمارس «الميتا قص» أقل حداثة أو أقل وعياً من غيرها. وهذا وهم آخر، لأن قيمة العمل الأدبي لا تتحدد بمقدار ما يحتويه من مصطلحات نقدية، بل بقدرته على إنتاج عالمه الفني الخاص. وقد كان ميلان كونديرا يؤكد أن الرواية ليست تطبيقاً لنظرية، بل شكلاً من أشكال المعرفة الإنسانية التي تكتشف وجود الإنسان عبر إمكاناته المختلفة. ومن هنا فإن اختزالها في تقنية بعينها أو في توصيف اصطلاحي ضيق يعد إفقاراً لطبيعتها المركبة.لقد حذر تزفيتان تودوروف من هيمنة اللغة النقدية على الأدب ، حين أشار إلى أن الدراسات الأدبية الحديثة انشغلت بالأدوات والمناهج أكثر من انشغالها بالأعمال الأدبية باعتبارها خبرات إنسانية. وهذا ما نلمسه في بعض الخطابات الثقافية العربية التي تتعامل مع المصطلحات بوصفها شهادات تفوق رمزية، فيتحول النقاش من السؤال عن قيمة النص إلى السؤال عن التصنيف الذي ينبغي أن يوضع فيه.إن الميتا قص، في صورته المتداولة عربياً، يبدو في كثير من الأحيان تعبيراً عن افتتان بالمصطلح أكثر من كونه وصفاً لظاهرة محددة. الكاتب حين يكتب عن الكتابة لا يخرج بالضرورة من دائرة السرد إلى دائرة أخرى، كما أن ظهور المؤلف داخل نصه أو تعليق الراوي على مجريات الحكاية ليس اكتشافاً حداثياً استثنائياً، بل جزء من تراث سردي طويل عرفته الآداب العالمية والعربية على السواء. ويمكن للمتلقي ايجاد أشكالاً من هذا الوعي الذاتي في «ألف ليلة وليلة» وفي المقامات العربية، وفي بعض النصوص التراثية التي تعلن صراحة عن لعبة الحكي وتكشف حيلها.ومن هنا فإن التعامل مع «الميتا قص» باعتباره جنساً مستقلاً أو فتحاً نقدياً غير مسبوق لا يخلو من مبالغة. فالمصطلحات ليست حقائق مقدسة، وإنما أدوات وصفية قابلة للمراجعة والتجاوز. وقد صدق بورخيس حين قال إن التصنيفات ليست سوى وسائل مؤقتة لفهم الفوضى الهائلة التي يمثلها الأدب. والأدب أكبر دائماً من القوالب التي يحاول النقد أن يحصره فيها.ولعل الحاجة اليوم ليست إلى الإكثار من المصطلحات، بل إلى إعادة الاعتبار للنصوص ، لأن الروايات العظيمة لا تخلد بفضل الأسماء التي يطلقها النقاد عليها، وإنما بفضل قدرتها على البقاء في الذاكرة الإنسانية. أما المصطلحات، مهما راجت وانتشرت، فإنها تخضع لمصير الأفكار العابرة، وقد يثبت الزمن أن بعضها لم يكن سوى أوهام ثقافية أفرزتها لحظة معينة ثم انطفأت، بينما ظل الأدب وحده قادراً النجاة من ضجيج التسميات.ولعل الحاجة اليوم ليست إلى الإكثار من المصطلحات، بل إلى إعادة الاعتبار للنصوص ، لأن الروايات العظيمة لا تخلد بفضل الأسماء التي يطلقها النقاد عليها، وإنما بفضل قدرتها على البقاء في الذاكرة الإنسانية. أما المصطلحات، مهما راجت وانتشرت، فإنها تخضع لمصير الأفكار العابرة، وقد يثبت الزمن أن بعضها لم يكن سوى أوهام ثقافية أفرزتها لحظة معينة ثم انطفأت، بينما ظل الأدب وحده قادراً على النجاة من ضجيج التسميات.ومن المفارقات أن كثيراً من الأعمال التي تُستدعى اليوم بوصفها نماذج لـ«الميتا قص» لم تُكتب تحت هذا الشعار، ولم يكن أصحابها منشغلين بإثبات انتمائهم إلى تصنيف بعينه، بل كانوا معنيين قبل كل شيء بابتكار أشكال جديدة للتعبير عن التجربة الإنسانية. ولهذا فإن التاريخ الأدبي لا يحتفظ بالمصطلحات إلا بقدر ما تخدم فهم الأعمال، أما حين تتحول إلى غاية قائمة بذاتها فإنها تفقد وظيفتها المعرفية وتصبح جزءاً من البلاغة الثقافية التي سرعان ما تتآكل.
إن النقد الحقيقي لا يصنع الأوهام ولا يلاحق الموضات الاصطلاحية، وإنما يسعى إلى إضاءة النصوص والكشف عن أسرارها، لأن الأدب في جوهره أسبق من النظريات وأبقى من المصطلحات. وقد تتبدل المدارس وتتغير المناهج وتضمحل التسميات التي ظن أصحابها أنها تمثل نهاية التاريخ الأدبي، لكن الحكاية الجيدة تبقى عصية على الزوال، لأنها تستمد مشروعيتها من الإنسان نفسه لا من القواميس النقدية. ولعل هذا ما قصده رولان بارت حين أشار إلى أن الأدب يمتلك قدرة دائمة على الإفلات من القبضات التصنيفية، فهو يراوغ التعريفات ويقاوم الحدود التي يرسمها النقاد.وعليه فإن «الميتا قص» ليس أكثر من اصطلاح نقدي قابل للأخذ والرد، وليس قدراً جمالياً محتوماً ولا علامة امتياز تمنح النصوص قيمتها. أما تحويله إلى راية ترفع في الأوساط الثقافية وإلى مقياس للتفاضل بين الأعمال، فذلك مما يدخل في باب الأوهام التي يصنعها الافتتان بالمفاهيم أكثر مما يصنعها الأدب نفسه. فالأدب العظيم لم يكن يوماً ابن المصطلحات، بل كانت المصطلحات دائماً أبناءً متاخم للأدب.








التعليقات