انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الدفن حياً في مقابر السرديات الزائفة:  تفكيك هندسة التحيز وتواطؤ الاستبداد المعاصر في الشرق الأوسط

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

7 دقائق للقراءة
4 مشاهدة
الدفن حياً في مقابر السرديات الزائفة: تفكيك هندسة التحيز وتواطؤ الاستبداد المعاصر في الشرق الأوسط
مشاركة:

البنية المعرفية والسياسية

تتأسس بنية هذا التحليل على تفكيك ثلاث عُقد مفاهيمية حاكمة؛ تتجلى الأولى في حقيقة "الدول الرخوة"، بوصفها كيانات تجمع بين الانفلات المؤسسي والفساد الإداري المستشري، وتلجأ في الوقت عينه إلى الإفراط العنيف في القمع العاري لتعويض عجزها القانوني وموت شرعيتها.

 تكشف العقدة الثانية عن أزمة سقوط السيادة الوطنية والشرعية الدستورية؛ إذ يدفع عجز السلطة عن صياغة عقد اجتماعي حر إلى البحث عن مبررات البقاء عبر الارتهان التام لشبكات الحماية في لعبة التوازنات الدولية.

 أما العقدة الثالثة، فترصد انحدار أجهزة الحكم لتؤدي دور "الحارس الداخلي بالوكالة"، حيث يُناط بها ضبط الغضب الشعبي وسحق أي فكرة تحررية قد تمس مصالح المراكز الكبرى، وهو ما يولد نمط استبداد رديء يمارس إرهاب الفكر عبر أدوات متوحشة وشديدة الفجاجة.

مفهوم الدولة الرخوة وتجلياته في الشرق الأوسط

يعود الجذر النظري لمصطلح "الدولة الرخوة" إلى عالم الاقتصاد السويدي غونار ميردال في دراسته الموسوعية الدراما الآسيوية:

 "بحث في فقر الأمم"، حيث رأى أن جوهر هذه الكيانات يكمن في غياب الانضباط الاجتماعي، واهتراء سيادة القانون، وتواطؤ الإدارة العامة مع قوى النفوذ الخفية وشبكات المحسوبية. يلتقي هذا المنظور مع الفحص الرائد الذي خطه عالم السياسة نزيه الأيوبي في دراسته المرجعية تضخيم الدولة العربية:

 "السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط". فرّق الأيوبي بدقة بين نمطين هيكليين: "الدولة القوية" و"الدولة الشرسة" أو "الضارية".

تستند الدولة القوية في بقائها إلى قدرتها على التغلغل التوافقي والمؤسسي المنظم داخل المجتمع، وحشد طاقاته بالرضا والتعاقد استناداً إلى مفهوم القيادة الأخلاقية والثقافية الجامعة. في المقابل، فإن الدولة الشرسة في الشرق الأوسط، على الرغم من انتفاخ ترسانتها الحربية وتعدد أجهزتها المخابراتية والإدارية، تعيش عجزاً بنيوياً وتفتقر تماماً إلى الجذور الشعبية. إن لجوء هذه السلطة إلى القهر العسكري وممارسات الإخضاع الجبري لا يعبر عن امتلاك لقوة حقيقية، بل يفضح ضعفاً أصيلاً ورخاوة تكوينية في مواجهة المجتمع المدني؛ مما يدفعها للاحتماء بأدوات البطش المباشر سبيلاً وحيداً للسيطرة على الفضاء العام وتفادي التداعي السريع.

أزمة الشرعية واغتراب السيادة

تتعمق جذور الهشاشة السياسية بالنظر إلى كيفية ولادة الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار بالمنطقة العربية، وهو التحول الذي تناوله المفكر برهان غليون في أطروحته المحنة العربية:

 "الدولة ضد الأمة". يشرح غليون كيف تحولت هذه الدولة، التي كان يفترض بها أن تكون أداة للاستقلال وبناء النهضة، إلى كيان غريب الجذور عن محيطه الشعبي، وجهاز احتكاري مسخر لمصالح فئات حاكمة ضيقة وظفت أدوات القمع والإدارة لتطويع الأمة ومصادرة إرادتها الحرة. ويؤكد غليون أن القهر المعاصر في المشرق العربي ليس استمراراً آلياً لتقاليد "التسلط المشرقي" الموروث، بل هو نتاج تشوه أصاب نموذج "الدولة الحديثة" المستوردة، والتي أخذت عن الغرب ترسانته الفنية والبيروقراطية ونبذت فلسفته القائمة على محاسبة الحاكم، وفصل السلطات، وصون الحريات الفردية والعامة.

قاد هذا المسار المشوه إلى تجريد السيادة الوطنية من روحها التحررية، وتحويلها إلى مجرد سلطة أمنية باطشة تفرغ غضبها في صدور المحكومين. ومع غياب التوافق التأسيسي بين المجتمع والدولة، تلاشت إمكانية إبرام عقد اجتماعي عادل، وغدت أجهزة الحكم تنظر إلى جماهيرها بوصفهم رعايا مشبوهين تجب مراقبتهم وتقييد قدرتهم على المبادرة والتنظيم الذاتي. هذا السقوط في فخ فقدان المشروعية الشعبية أحدث فراغاً وجودياً هائلاً؛ وحيث إن السلطة لا يمكنها أن تظل معلقة في العدم دون سند يحميها، فقد لجأت إلى تعويض خلو الوفاض الداخلي ببيع الإرادة والارتهان لمظلات الرعاية الأجنبية، ليصبح الاستبداد الداخلي ثمناً واجباً تفرضه التبعية وتمليه خسارة الاستقلال الفعلي.

التبعية البنيوية وتوظيف السلطة كـ "حارس داخلي بالوكالة"

تكشف أطروحات التبعية والمنظومة الشاملة مسارات الارتباط العضوي بين مراكز السيطرة الدولية وهوامشها المستباحة؛ فالكيانات التابعة لم تدخل الساحة العالمية كدول ذات سيادة كاملة، بل جرى ترويضها لتغدو مساحات وظيفية لتوريد المواد الأولية، وتصريف فائض الإنتاج، وحماية خطوط الملاحة وقنوات الطاقة. ويتطلب هذا الدمج الجائر وجود نخب محلية تتطابق مصالحها المعيشية والسياسية مع مطامع الخارج، وتتولى إخماد الاحتجاج الشعبي وتسكين الانفجارات الطبقية بالحديد والنار حفاظاً على استمرار الامتيازات الأجنبية.

يتسع هذا التحليل دلالياً باستدعاء مفهوم "الدولة والجماعات الوظيفية" الذي صاغه المفكر عبد الوهاب المسيري. أثبت المسيري أن القوى الاستعمارية دأبت عبر التاريخ على استنبات أو استخدام نخب يُسند إليها الاضطلاع بأدوار أمنية واقتصادية قذرة تعزف الإمبريالية عن أدائها بنفسها تجنباً للتكاليف المادية والتبعات الأخلاقية. ومع أن المسيري بلور هذا الإطار لتفكيك الكيان الصهيوني بوصفه قاعدة استعمارية متقدمة، فإن قدرته التفسيرية تنطبق بامتياز على نظم التسلط العربية الرخوة؛ حيث تنفض الدولة يدها من التزاماتها الاجتماعية ورعاية مواطنيها، لتنحدر إلى مجرد أجير وظيفي يدير السجون ويحرس المصالح الغربية الحيوية.

ينهض هذا "الاستبداد بالوكالة" على مقايضة وضيعة:

 يمنح المركز الأجنبي الحكام المستبدين الحماية السياسية وصفقات السلاح والغطاء القانوني، مقابل اضطلاع هؤلاء بدور "الشرطي الداخلي" المكلف بقمع الجماهير وتطويق أي محاولة نهوض وطني. وتبرز مأساة هذا النمط في كونه يبطش برعونة وفجاجة تفوق ما يمارسه المستعمر نفسه؛ إذ إن المركز الاحتلالي أقام داخل حدوده ضوابط حقوقية ودستورية تردع التوحش المباشر ضد مواطنيه، في حين تمارس النخب الوظيفية قمعاً عارياً ومتحللاً من أي التزام أخلاقي أو قيد قانوني، معوضة فقدانها لشرعية البقاء ببناء منظومة تعذيب وتضييق ذهني وحشي مجرد من أي وازع إنساني.

تتحول هذه السياسات تدريجياً إلى أداة لممارسة "الإرهاب الفكري" وخنق المجال العام؛ فتحتكر السلطة الرخوة تعريف "الوطنية" وتختزله في موالاة شخص الحاكم وأجهزته الباطشة، حتى يغدو كل مطلب حقوقي أو نقد موضوعي جريمة خيانة وتواطؤاً مع مؤامرات أجنبية مزعومة، ما يمنح زبانية الأمن رخصة رمزية لإبادة المخالفين بذريعة حماية الاستقرار. وتستعير النخب في الوقت ذاته خطابات "الإصلاح الإداري والتقني الزائف" كغطاء يخفي تدمير المقدرات العامة وتوزيع الثروات على المحاسيب، ناشرة فرية أن الديمقراطية ترف يعطل التنمية، وأن الحسم الأمني المشدد هو المدخل الوحيد للنمو؛ وهي ذات الشروط التي تمليها مراكز المال الدولية. يترافق ذلك مع استنزاف ممنهج لوعي المجتمع وقيمه عبر إغراقه في دوامة الاستهلاك الشرس وتشتيت طاقاته في تأمين متطلبات العيش الأولية لشل قدرته على التغيير.

في هذا السياق، فكك الباحث ستيفن هايدمان في دراسته التأسيسية "تحديث الاستبداد في العالم العربي" سبل تكيف الأنظمة الشمولية مع المستجدات لحفظ وجودها؛ إذ لم تعد تركن إلى وسائل البطش الغليظة وحدها، بل طوّرت أساليب مضللة استوعبت بها تقنيات العصر الحديث؛ فأنشأت هيئات ومؤسسات مجتمعية صورية تديرها الأجهزة الأمنية لمصادرة المجتمع المدني، وهيمنت على الفضاء الرقمي لتحويله من مساحة للحرية إلى مرتع للرقابة وبث الزيف، وأعادت هندسة علاقاتها مع رجال الأعمال لربط مصالحهم ببقاء النظام. إن هذا التحديث يعني باختصار توظيف أدوات الانعتاق ذاتها لتشييد سجن جماعي يطمس الحقيقة في مهدها ويمنح القهر مرونة تتيح له النجاة من الأزمات المتتالية.

هنا يظهر بوضوح أن الفصل الشائع بين القمع الداخلي والتدخل الخارجي هو فصل واهم يجهل تشابك خيوط اللعبة؛ فنظم القهر في الشرق الأوسط تقتات على "المناورة المزدوجة". تخاطب شعوبها بفرية الاستهداف والمؤامرات الخارجية لتبرير الاعتقال والفقر، وتقدم نفسها للقوى الغربية كحارس أمين وحيد لمنع الفوضى وصد قوافل الهجرة وتأمين المصالح الحيوية؛ وبذلك تتاجر بضعفها الداخلي في أسواق النفوذ الدولي، في دورة مقفلة تعيد إنتاج البؤس ومصادرة المستقبل.

أفق الانعتاق وتفكيك شبكات الهيمنة المزدوجة

تقودنا القراءة النقدية المتماسكة إلى أن وصف "الدفن حياً في مقابر السرديات الزائفة" يمثل التوصيف الأكثر أمانة للمأزق الوجودي الذي يحاصر شعوبنا. حصار يتألف من طبقتين متكاملتين:

 طبقة مادية قمعية تشرف عليها أجهزة متوحشة تعيش على ريع العمالة وتعمل كأدوات قهر لا يردعها قانون، وطبقة فكرية مخادعة تزور الحقائق وتصور كل رغبة في الانعتاق كطريق يقود حتماً إلى الخراب. إن فقدان المشروعية الحرة يجعل هذه المنظومة خاوية من أي مضمون أخلاقي؛ إذ تستمد أسباب نجاتها من ابتزاز الدوائر الخارجية ومقايضة كرامة الإنسان وحقوقه بصفقات السلاح والاتفاقات الاستخباراتية.

إن أوهام "تحديث القمع" وتنميقه تكنولوجياً ليست حلاً حقيقياً، بل هي محض تأجيل لانفجار شعبي محتوم؛ فمحاصرة الوعي بالأكاذيب واستبدال الإرادة الشعبية بصفقات الولاءات المشتراة لن يورثا إلا مزيداً من التهالك في جسد المجتمع. ومن هنا، يغدو الرهان على إصلاحات فوقية تمنحها النخب المستبدة أو ترعاها العواصم مجرد وهم صفيق يكرس الفشل التاريخي ذاته.

إن الخروج من مقابر الزيف يتطلب إسقاط هذه الوصاية واقتلاع تحالف القمع والتبعية من جذوره عبر كفاح تحرري شامل يدرك أن الحرية الداخلية والاستقلال الوطني وجهان لعملة واحدة. لا مناص من نسف المنظومات الفكرية المنحازة عبر اجتهاد معرفي تحرري شجاع يعيد للإنسان سيادته ويسحق خرافات الاستبداد المستتر ؛ وبناء جبهة تاريخية صلبة تعيد انتزاع مفهوم الدولة من أيدي هؤلاء الوكلاء الذين يحكمون بالنيابة، وإرجاع السلطة إلى اصاحبها الأصلاء ؛ فلا مساومة بعد اليوم على عدالة اجتماعية ناجزة وكرامة إنسانية كاملة، ولن تسقط أغلال الخارج إلا بكسر عصا الشرطي الداخلي وإلى الأبد.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

المحركات الفلسفية لانهيارات الشرق الأوسط:

 من الانسياق الأعمى إلى التدمير المتبادل
آراء

المحركات الفلسفية لانهيارات الشرق الأوسط:  من الانسياق الأعمى إلى التدمير المتبادل

لفهم المأزق الحالي للمجتمعات التي تعاني من انهيارات مؤسسية وقيمية شاملة، يتحتم علينا الغوص عميقاً في الآليات النفسية والاجتماعية التي تحكم سلوك الأفراد داخل الفضاء العام. ففي أوقات الأزمات الكبرى، وتآكل الثقة في المؤسسات الرسمية، تتراجع النزعات الفردية العقلانية لصالح محركات جمعية بدائية. هذه…

· 8 د
أسئلة المعرفة وتحرير العقل
آراء

أسئلة المعرفة وتحرير العقل

منذ أن وِجِدَ الإنسان على هذه البسيطة, وفي كل مرة يتعرض فيها تاريخه لمنعطفات حادّة, تبرز لديه تلك الأسئلة القديمة الحديثة لتفرض نفسها عليه بقوّة خصوصاً عندما يشعر بعمق غربته واستلابه وضياعه أمام كلّ التطورات والتناقضات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة التي خلقها هو نفسه عبر علاقته مع…

· 5 د
روح العراق وأسراره
آراء

روح العراق وأسراره

| عبد الغني سلامة كاتب | فلسطيني قد تساعد البيانات والإحصاءات الرسمية في فهم طبيعة بلدٍ ما، ومعرفة مستويات الحياة فيها.. وقد تساعد الانطباعات الشخصية التي ينقلها من زار البلد، أو أقام فيها ردحا من الزمان.. وقد تعطي نشرات الدليل السياحي فكرة أوضح، أو ما تقوله كتب الجغرافيا والتاريخ.. لكن كل ما سبق…

· 4 د