لن يقص علينا يوسف بعد الآن شيئا عن محنته ،
يقول الصديق : كنت في تلك الليلة ، منبوذا وحدي في الجب ،
تراءى لي أني أرى أشباح أخوتي ، لم يكن إلا الزمن يفرقنا
وقد طوى جناحه، وحط الرحال سريعاً في بغداد ،
شاخ الزمن كثيراً وأنا في الغيهب ، ولكن أمثال أخوتي لم يهرموا
وضعوا على وجوههم الجديدة أقنعة آخرى،
كنت أسمع رنين الدراهم في جيوبهم ، وأرى قاماتهم تتماهى في الأفق،
كأنو سكارى بخمرة الخبث ، وأصواتهم تجرح طيور السماء
وأكتافهم تهتز طربا من الضحك ، حينما يسرفوا بالشتيمة،
رأيت أشباحهم في حلكة ليل الصحراء ، تولي الأدبار،
وكان قرع نعالهم الثقيلة يفزع القطا ، رأيتهم يدخلون بغداد،
من غربها ، فإختلط في رأسي صدى صراخهم المرعب،
ودوي إنفجارت هزت بيت المقدس ، وأركان الكعبة ،
رأيت فوقي من فتحة الجب ، ناراً تقدح في السماء السوداء ،
وبروقاً شرقية تومض وتنطفئ، في ليلة آذارية مكفهرة
أرعبت آبي يعقوب في خيمته المنعزلة ،
فبكى حتى إخضلت لحيته البيضاء على بغداد ،
أم المدن العظمى ولؤلؤة الشرق القديم ،
وحين عاد أخوتي سألهم أبي : من أين قدمتم ؟ ،
قالوا : تهنا أياماً وليال في عاصفة الصحراء العربية ،
وكنّا قبائل وعشائر شتى، من عرب المشرق والمغرب ،
ودخلنا بغداد من باب الشام ، مع جحافل المحتلين الغزاة ،
وفي الطريق ، نحرنا لهم الجزور طعاما لجنودهم
وأشعلنا في كتبنا المقدسة النيران ، فأنرنا لهم الطريق ،
وأرقنا لهم خمرتنا المعتقة ، وكان مزاجها الدم وماء الوجه ،
وعبثنا معهم بأوراق الإرشيف البابلي ،
وربطنا خيولنا في عروة بوابة المتحف القديم ،
وحطمنا غطرسة نبوخذنصر، وبابل ، كنّا مع الغزاة أدلاء ونصحاء وأصحاب ،
ورقصت فتياتنا لهم الدبكة حتى الفجر،
وحين سألهم أبي : وأين تركتم أخاكم يوسف ؟ قالوا عجباً تسألنا عنه ،
وهل كان لنا أخ أسمه يوسف ؟ لا ريب أن أبانا يهجر
،أو أن العزلة والشيخوخة أنسته من نحن
فإختلط عليه الأمر، فتوهم إنَّا كنّا نلهو ونستبق كالصبية ،
أو إنَّا كنّا نستقبل ونأوي الغزاة كما يفعل الرجال أمثالنا ،
ورموا أمامه أكياساً ملآى بقناطير الذهب ،
قال : بل سولت لكم أفعالكم عذراً ، فصبراً حتى ينجلي الأمر ،
ولكني أشم رائحة دم يوسف تفوح من أكياسكم ،
وأرى بغداد كقنديل يضئ بدمه الحرام ،
يسطع كنجمة الصبح ، يخترق أطباق الدخان ،
أرى دمه وسط النيران يتلظى ، يتوهج بالنبوءات ،
بحروب قادمة تكتسح اليابس والأخضر
وحينما طردهم أبي من خيمته ،
حملوا أكياسهم الثقيلة ورحلوا ،
نكصوا على أعقابهم صوب الجنوب القصي
حملوا معهم عارهم الأبدي ، ليستخفوا عن الأنظار
برمال الصحراء العربية.
*
ورأيت تلك الليلة مرايا تسطع بالأضواء ، بصور الحرب على العراق،
رأيت أسراباً من طير أبابيل ، وإبرهة الحبشي ،
ببدلة جنرال أمريكي ، فوق رأسه رفوف من طيور الموت ،
تحجب عين الشمس العربية .
وسمعت صوت الذئب البرئ من دمي يناديني : لا تخف يا يوسف ،
أن دماً كذباً يلوح في أفق الصحراء ،
يسيل من أبراج النفط على شواطئ الخليج ، يتلوى كثعبان أعمى وسط النيران ،
سينير جبل أبي قبيس بمكة ، وبيت نار المجوس بأصبهان ،
لا تخف يا يوسف ، إن النار التي أشعلوها إخوتك الآن ،
في أصول القصب ، وجذوع نخيل ألبصرة ، سترتد عليهم قريباً ،
لا تخف يا يوسف ، لن تبقى وحدك في الجب زمناً طويلاً،
وستخرج ثانية للدنيا معافى ، حين تفيض بالغلال أجران قرى السواد ،
وسيأتي أخوتك الأعراب من كل مكان ، حين يعضهم ناب الجوع
يأتون إليك كأسراب جراد ، يأتون من أبواب المدن المتهاوية ،
وسيبقى صواع الملك بأيديهم رمزاً أبديا لهزيمتهم ،
ولن يُطفئوا أبداً بعد الآن ، نور الله الكوني ، في هياكل معابدهم .







التعليقات