بدأ الشتاء فعلاً. طلائعه تتقدم نحونا كالكشافة، ونحن في حالة دفاع استنهضته غرائزنا.
هذا شتاء ربما يكون الأخير لنا، نحن الفقراء. لا نحتمل مفاجآته.
كنت جالساً في المقهى الشعبي أراقب حامد.
كان يشرب سيكارته بشهوة، مرة يتحدث، ومرة يبتسم، وبعدها يكتئب فجأة. كأنه خرج للتو من معركة منكسراً.
كلمته، لم يبالِ. بقيت أراقبه.
بعد عناء قال:
"الغرفة توسعت، يملأها ضوء غريب وموحش، وأنا أتمدد على أرض لا نهاية لها. أغطي رأسي بالوسادة. أصوات الانفجارات تختلط بضربات قلبي المنفلتة. أسمع الساعة تدق كإيقاع مطر على صفيح فارغ... أنا حامد الشجاع، لماذا تطاردني الأشباح؟!"
حامد هذا، كان أسير حرب، والآن هو أسير الحياة.
يعيش في غرفة خصصت له في بيت أخيه، يدخلها ولا يخرج إلا صباحاً. لديه راديو صغير يقلب فيه للتسلية. لا يجلس مع عائلة أخيه أمام التلفاز، لأن زوجة أخيه قاسية، تود التخلص منه. لكنه مصر على البقاء... أين يرحل؟
عاد ليكمل:
"أرتمي على الفراش، والانفجارات تتوالى في مساء اختفت فيه حمرة الشمس. الغرفة التي احتوت ذكرياتي وأحلامي صارت لا تسع جسدي الهزيل. أنفجر بالبكاء، فأشعر بيد تربت على كتفي... إنها أمي الحنونة المتوفاة، التي أناجيها دائماً أن تأخذني معها."
في الصباح، كان الندى يتساقط على الوجوه كورود ناعسة. أزاح حامد ستارة النافذة ليحس بوجوده أحد.
فجأة دوى انفجار قوي، فانطلق بعيداً وتعثر وسقط على وجهه. تحسس الدم يسيل من أثر بقايا طابوق واسمنت.
لم يكن هناك انفجار... كان الرعد. حامد يتصور صوت الرعد انفجارات، وصوت المطر إطلاق رصاص.
ضحك مكشراً عن أسنان صفراء وقال:
"عندما كنت طفلاً، أخذني أبي لأول مرة إلى السينما. حملني على كتفيه ليقطع تذكرة. رأيت رجلاً سميناً في غرفة صغيرة يقطع التذاكر من كوة صغيرة. سألت أبي: كيف دخل هذا السمين من هذه الفتحة؟ فضحك أبي وقال: أمه ولدته هنا حتى كبر وأصبح يقطع التذاكر... وصدقته!"
ظل يضحك، ثم ضرب الطاولة بقوة، فقفز استكان الشاي الفارغ وسقط متهشماً، أثار غضب صاحب المقهى، فخرج ولم يعد.
مضت أيام...
شاهدته متمدداً أمام محل مغلق، وأمامه ماء وبعض الأكل ممن يعرفونه. أصبح لا يطيق أحداً، حتى أنا، نسي اسمي وكلامي ومواساتي له في المقهى.
بعد فترة ليست طويلة، شاهدت رجال البلدية يرفعون جثته إلى سيارة مكب النفايات لغرض دفنه.
راحت أيامه وأحلامه... ذهبت أدراج الرياح.








التعليقات