كان "تموز" يمشي في هواءٍ يابسٍ كأنما يتهجّى لوحَ قدرٍ مكسورٍ عُثر عليه تحت ركامِ مدينةٍ أحرقتها البلاغة. لم تكن رحلته مجرد انتقالٍ بين عالمين تفصلهما تخومُ الجغرافيا، بل كانت كتابةً سرّيةً تجري في الخفاء، تُنجزها رغبةٌ عنيدةٌ ترفض الإقرار بالفناء؛ رغبةُ قلبٍ يتوهّم أنه قادرٌ على ترويض العدم، ويطالب الروح بأن تصدّق الأكاذيب حتى بعدما أثقلتها سلاسلُ الخيبة. في هذا الامتداد الكالح، كانت العالم السفلى يتهيأ لاستقباله أثر محذوف:
أبوابٌ شُيّدت من الدُّخَان الأسود، أنهارٌ تجري بصدى الكلمات المنسية، وسماءٌ واطئة تضغط على الصدور لتخمد ما تبقى من وميض الوعود. هناك، عند المنحدر الذي لا يرجع منه إلا من امتلك شجاعة التحديق في هلاكه، كان الحبيب ينتظر الخاتمة التي زيّنتها له الأحلامُ الباطلة، متوهمًا أن الحكاية إذا رُوِيت مرتين ستكتسب قدرًا من الرحمة، غافلًا عن حقيقة أن النص إذا فسد ضميره، تحوّل السردُ فيه إلى مشنقة.
في بئر هاروت وماروت المعلّقة بين سماء الوهم وركام بابل، أخلعُ عن نفسي صفةَ السارد الرؤوف الذي يتلطف بك ليدلك على مخرج؛ أنا شريكك المُدان، وجلادك الذي يقودك من ناصيتك إلى هذا المأزق الحبري. حين أكتب لفظة "الحبيب"، لا تلتفت باحثًا عن وجهٍ غائبٍ في سجلات ذكرياتك؛ المعنيّ هو عنقك أنت، المحشور بلا فداء بين هذا السطر والسطر الذي يليه. عيناك هما تجويف القبو المعتم، وحركة القراءة هي الأنشوطة الخشنة التي تعقدها بيدك حول أنفاسك كلما تعمقت في التهام المعنى. هذا النص لا يستعرض البلاغة لتزجية الفراغ، بل يُجري تشريحًا فاحش القسوة لكيفية اشتغال المكيدة الميتاسريالية داخل خلايا وعيك. تموز يهوي إلى القاع، وأنت تتبعه خطوةً بخطوة، مدفوعًا بفضولٍ مسموم يمنحك وهمًا زائفًا بأنك تقف فوق أرضٍ آمنة.
من شقوق البياض الممتد بين الكلمات، برز هاروت وماروت؛ كائنان جُبِلا من رماد الحكمة المنبوذة وصلصال العقاب الأبدي. لم ينظرا إلى الورق، بل ركّزا حدقتيهما في ارتباكك مرآتين تخلعان الأقنعة. تفكك صوت هاروت ليدوي في أرجاء البئر:
أتظن السحر رقيةً غريبة تُهمس في الدجى، أم هو استسلام العقل لزخرف القناع حين يشتهي الضلال؟ إننا ما فتنا الناس إلا بعدما ألفيناهم يستعذبون الخديعة ويشترون الأمان بالأوهام. السحر الحقيقي ليس سوى اللغة حين تنفصل عن جوهر الصدق؛ وحين تمنح ثقتك المطلقة لعبارة جوفاء، فأنت تصبح الساحر والمسحور والضحية في آنٍ واحد.
تقدّم ماروت ليُشرّح ما تبقى من صمتك المذعور:
لنا قل أيها القابع خلف عينيك:
هل الغباء عجزٌ بيولوجي في الفهم، أم هو شهوةٌ باطنية للانقياد والتنازل؟ الخيانة لا تولد في فراش الغادر، بل تنمو أولًا في مسامحة المغفّل الذي يُسمّي التفريط كرمًا، ويُطلق على العَمى اسمًا نبيلًا كالوفاء. من يشرع أبواب قلبه قبل أن يشحذ نصل بصيرته، لا يستحق أن يقف العالم ليبكي على جثمان سذاجته.
لم ينبس أحدٌ ببنت شِفَة، فالأسئلة حين تُصاغ شفرات المخاصم البابلي تقطع دابر الاعتذار. في تلك اللحظة، تقدّمت الحبيبة، عشتار في حُلتها المسمومة، وكانت ملامحها قناعًا مصاغًا من مادة "الإقناع" المحض، وإرشكيجال التي تتربص بقطرات الدَّم في قعر العالم السفلي. رفعت طرف ردائها الكلسي ببرودٍ يابس، فتجلت الخديعة وهي تتشح بمسوخ البراءة. قالت بصوتٍ يشبه خشخشة الأفاعي في ورقٍ الاشجارالجاف:
""رأيتك ملاكًا... فاغفر لي ما جناه قلبي
عندها هوى جدار الإيهام، وانشقت بوابات "الكور" السبع لتبدأ شعائر الطين الكبرى:
سرُّ السبعة
لِمَ كَانَتِ البَوَّابَاتُ سبعًا؟
لَيْسَ تبركًا بِأَفْلَاكِ السَّمَاءِ وَلَا إتمامًا لِدَوْرَةِ المَجَرَّات؛
بَلْ لِأَنَّ السُّقُوطَ كَائِنٌ كَامِلُ الخِلْقَة، لَا يَكْتَمِلُ مَوْتُهُ إِلَّا بِسَبْعِ مَرَاتِبَ مِنَ التَّجَرُّدِ وَالانْكِسَار، سَبْعٌ هِيَ أَوْهَامُكَ الَّتِي نَسَجْتَهَا فَوْقَ الأَرْض:
التَّاجُ، وَالقِلَادَةُ، وَالدَّبَابِيسُ، وَالأَسَاوِرُ، وَالصَّوْلَجَانُ، وَالرِّدَاءُ، ثُمَّ نَبْضُ الحَيَاةِ العَارِي.
عِنْدَ البَابِ الأَوَّل: خَلَعْتَ تَاجَ الكِبْرِيَاءِ، فَقَالَ حَارِسُ الصَّمْت
ادْخُلْ أَيُّهَا العَابِرُ، فَلَا مَلِكَ يَدْخُلُ حِمَى إِرِشْكِيجَالَ بِبَرِيقِ غَفْلَتِه
عِنْدَ البَابِ الثَّانِي: سُحِبَتْ قِلَادَةُ التَّبْرِير، فَصَاحَ صَدَى القَبْو
لَا مَكَانَ هُنَا لِلأَعْذَار؛ مَنْ جَرَحَكَ لَمْ يَكُنْ ساهيًا عَنْ أَلَمِك
عِنْدَ البَابِ الثَّالِث: انْتُزِعَتْ دَبَابِيسُ الأَمَلِ السَّاذَج
كُفَّ عَنِ التَّمَنِّي، فَالرَّبِيعُ لَا يَنْبُتُ فِي حَقْلٍ رُوِيَ بِالخِيَانَة
عِنْدَ البَابِ الرَّابِع: نُزِعَتْ أَسَاوِرُ الرِّضَا الزَّائِف
كُلُّ تَنَازُلٍ قَدَّمْتَهُ لِلْخَوَاءِ كَانَ معولًا هَدَمْتَ بِهِ رُوحَك
عِنْدَ البَابِ الخَامِس: سُلِبَ صَوْلَجَانُ البَرَاءَةِ المُدَّعَاة
أَنْتَ لَسْتَ ضَحِيَّةً مَحْضَة؛ أَنْتَ مَنْ شَرَّعَ البَابَ لِلْغَدْرِ وَأَغْمَضَ عَيْنَيْه
عِنْدَ البَابِ السَّادِس: تَمَزَّقَ رِدَاءُ الأُلْفَةِ وَالمَجَاز
انْظُرْ إِلَى الحَقِيقَةِ عَارِيَةً؛ صَنَمُكَ الَّذِي عَبَدْتَهُ لَمْ يَكُنْ سِوَى هَبَاء
عِنْدَ البَابِ السَّابِع: سَقَطَ السَّاتِرُ الأَخِيرُ عَنِ الجَسَد
فَأُلْقِيَ بِكَ فِي قَاعِ (الكُور)... بِلَا دِرْعٍ، بِلَا صَوْتٍ، وَبِلَا نَجَاة
أُوصِدَتِ الأَبْوَابُ السَّبْعَةُ رتاجًا إِثْرَ رِتَاج، وَغَارَ مَاءُ البِئْرِ فِي الحُمَرِ وَالقَار
لَا تَمُوزَ يَنْهَضُ مِنَ الثَّرَى، وَلَا عشرات تَمْلِكُ غُفْرَاناً لِمَنْ صَدَّقَ الوَهْمَ بِاخْتِيَارِه فَامْكُثْ هُنَا فِي أَرْضِ الخَرَاب، محصورًا بَيْنَ طَبَقَاتِ الآجُرِّ وَالصَّلْصَال، حَيْثُ لَا قِيَامَةَ لِمَنْ رَأَى الفَخَّ... ثُمَّ انْحَنَى لِيُقَبِّلَ الشَّبَكَة.
صرخ حارس الصمت:
"اخلع تاج غفلتك، فلا ملك يدخل مملكة الفَنَاء بوهْم مجده! وأنت أيها القارئ المتستر بالحياد، اخلع وهم براءتك؛ فمن يقرأ الجريمة دون أن يصرخ شريكٌ في وقوعها." سأله تموز مرتعشًا: "كيف أمضي بلا اسمي الذي عرفتني به السماء؟" فأجابه الحارس: "تمضي كما خُلقت... مجردًا من ادعاء أنك استثناءٌ فوق ناموس الغدر.
امتدت يدٌ متحجرة لتنتزع قلادة التبرير من عنقه. قال له السادن بلهجةٍ لا تعرف المساومة: "لا مكان في هذا المعبر لحروف من أهداك السم لم تكن يده ترتجف سهوًا، ومن ألقاك في الجب كان يُدرك تمامًا أن القاع لا قاع له. ارتعد محتجًا:
"كنت ألتمس لها سبعين عذرًا لأحفظ المودة!" فجاءه الرد كفحيح الآجر: "وكل عذرٍ التمسته لم يكن سوى حجرٍ أضفته إلى جدار زنزانتك التي تحبسك الآن.
عندما سُلبت منه دبابيس الأمل الصبياني في العودة. صاح الحارس في وجهه: "أتطلب ربيعًا يخضرّ من حطبٍ رُوِي بالخيانة؟ القيامة في هذا القبو ليست للأجساد بل للمأساة. تخلّ عن أوهام استرجاع ما انكسر؛ فالنهر إذا جرى بالسموم، صار الإصرار على ارتشافه نوعًا من الانتحار الجبان. والتفت الحارس نحوك قائلًا: "كفّ عن التمني له بنهايةٍ سعيدة تُرضي رغبتك الرخيصة، فالرقيم قد جفّ حبره وانتهى الأمر
بكى تموز من فرط الهوان:
"لقد كنت طيعًا أسبق رغباتها بالخضوع!" فأجابه صدى القبو المظلم: "وتلك كانت خطيئتك الكبرى التي لا تُغتفر؛ الطاعة للخداع خيانةٌ للذات، وكل تنازلٍ قدمته لتشتري به بقاءً هشًا كان فأسًا تهدم بها أركان كرامتك حتى صرت هباءً لا وزن له.
سُحب صولجان البراءة المدّعاة. وقف الحارس الميتاسردي كجبلٍ أصمّ: "أتدّعي أنك مجرد ضحيةٍ لا حول لها؟ أنت من خطّ فصول مصرعه بيده حين رضي، البراءة إذا اقترنت بتبلّد العقل تحوّلت إلى رذيلةٍ وضيعة تقتات عليها هوامّ هذا العالم.
تمزّقت عباءة الألفة والاعتياد، فانكشف المشهد عن قبحه الأصلي. قال الحارس ملوحًا بمشعله: "انظر إلى الصورة العارية بلا لمسة وبلا استعاراتٍ تستر العورات؛ هل تُرَى فيها سوى صنمٍ من طينٍ هش، نفخت فيه من رغباتك حتى خلتَه إلهًا؟ لا مفرّ الآن من أن تُحملق في بشاعة الوهم الذي أنفقت عمرك في تجميله.
انهار الساتر الأخير الذي يستر عري الروح والجسد، فرُمي تموز ورُميتَ معه في لجة "الكور" السحيقة، أمام إرشكيجال وسدنة العدم؛ بلا رداءٍ يقي من صقيع الحقيقة، وبلا كلمة تصلح عكازًا للنجاة.
هنا، في أعماق البئر الذي تنكر الضوء، لا ينفذ القصاص بالسلاسل المحماة ولا بالنيران؛ بل يخرج العقاب حيًا من بين علامات الترقيم. انبثقت أفاعي العالم السفلي من هوامش الصفحة، كائنات تشكلت من منطق النهايات الصارم الذي لا يحابي أحدًا. زحفت ببرودٍ حبري، والتفت حول نبض الحبيب لتنتزع "رحيق القلب". لم تكن تطلب لحمًا ولا دمًا، بل كانت تستخلص آخر ذرة سذاجة استودعها في صدره، لتُثبت أن المشاعر الصادقة إذا بُذلت لمن لا يزن الوفاء، استحالت طعاماً رخيصًا يُلقى في جوف العَتَمَة.
حاول تموز أن يلملم بقاياه، يمد يده الحبرية المرتجفة ليقبض على وعيك المتخاذل:
أنت لست شاهدًا نزيهًا يتابع من بعيد؛ أنت شريكٌ أصيلٌ في هذه المذبحة. قرأتني لتتلذذ برؤية انكساري وتملأ فراغك بعذابي، لكن قاع البئر لا يتيح لك رَفَاهيَة المشاهدة؛ الغفلة لا تقتل صاحبها وحده، بل تجعل الحب وقودًا بائسًا في محارق الفَنَاء.
تتداعى الأشكال، وتُغلق البوابات السبع وراءك رتاجًا إثر رِتاج بصريرِ أقفالٍ نحاسية أزلية. ينطفئ بريق المجاز، ويغور ماء البئر في باطن القار والحُمَر، ليتلاشى المشهد بكامله في سديم الطين الممحو، ولا يتبقى في أرض الخراب إلا رقيمٌ بابليٌّ مهشّم، كُتب بمخرز الفجيعة ليوصد عليك منافذ الهروب:
... مِنْ ثَقْبِ الرَّقِيمِ المُنْكَسِرِ فِي صَمْتِ
إِلَيْكَ أَيُّهَا العَابِرُ فِي لَيْلِ بَابِلِ المَهْجُور
لَقَدْ أُوصِدَتِ الأَبْوَابُ السَّبْعَةُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ رتاجًا إِثْرَ رِتَاج، وَغَارَ مَاءُ البِئْرِ فِي الحُمَرِ وَالقَارِ وَتَلَاشَى النِّدَاء، لَا تَمُوزَ يَعُودُ مَعَ انْبِثَاقِ الرَّبِيعِ مِنَ الثرى ولا عِشْتَارَ تَغْفِرُ لِمَنْ صَدَّقَ الغُوَايَةَ بِاخْتِيَارِهِ الأَعْمَى، لَقَدْ سَلَّمْتَ زِمَامَ عَقْلِكَ لِلظِّلِّ، فَامْكُثْ هُنَا فِي أَرْضِ الخَرَابعُرْيَاناً مِنَ المَعْنَى، مَحْصُوراً بَيْنَ طَبَقَاتِ الآجُرِّ وَالصَّلْصَالِ البَارِد، حَيْثُ لَا شَفَاعَةَ لِمَنْ عَشِقَ هَلَاكَهُ، وَلَا قِيَامَةَ لِمَنْ رَأَى الفَخَّ كوكبًا... ثُمَّ انْحَنَى لِيُقَبِّلَ الشَّبَكَة...!







التعليقات