باسم "المتفرّغين للصمت" الذين يملؤون الفجوات بعواءٍ لئيم... نُقِلَ هذا اللوح من حافة الوادي الرملي إلى كاهنٍ لا ينام.
كان اسم الوادي "وادي الرَّملِ الأخضر"؛ تتوزع فيه سبع طرقاتٍ تتشعّب ثم تعود لتتشابه، كأنها تُخدّر الدليل وتطمس الخاتمة. وعلى كل طريقٍ، كان ينتصب حجرٌ نصف منحوت على هيئة قلبٍ خجول، غير أن ملامح الحجر كانت تتبدّل مع كل ذكرى تمرّ به. في ذلك الوادي، عاش كاتبٌ يُدعى "أورو-ناريم"، يحرث بياضَ ورقه بمخالب الكلمات، وكان يرافقه كائنٌ غريب يُدعى "سَمَرُو"، حمّالُ الجردل، الذي لم يكن يطير ولا يسبح، بل يجرّ إيقاعه كمنشارٍ خشبيّ فوق أديم الأرض.
قال أورو-ناريم:
"الحب هنا لا يموت... الحب يُستبدَل"
ثم أشار بسبابته إلى أعمدةٍ جرداء لا تحمل تيجاناً. كانت تلك الأعمدة تُسمّى "أعمدة الصدق المُصادَر"؛ لأن أيّ عابرٍ حاول أن يصف حبّه بوصفٍ مباشر وصريح، تبدّلت لغته إلى شقوقٍ غائرة لا تلتئم، فتتهشم تيجان الأعمدة وتتساقط.
من بين ثنايا الغيوم، ظهر شعارٌ على شكل زهرةٍ تقبض على أوراقها من الداخل. قيل إن هذا الشعار هو "علامة الزنبق المُستقيل":
" زهرةٌ قررت أن تتعطر قبل أن يأذن لها الربيع".
عند الفجر الكاذب، وصلت قافلة العشاق القادمة من مدينة "سِرْدالَة" المُعلّقة. كان يتقدّمهم دليلٌ اسمه "نُقْرَس"، يطوف بين المنعرجات ويهمس بحذر:
" لا تحبّوا بصوتٍ عالٍ... الحبّ هنا تلتقطه الوحوش!"
لكن العشاق، في كل زمان، يظنون أن التحذير ليس إلا وجهاً آخر من وجوه الرومانسية؛ فساروا خلف أملٍ متوهّج في صدورهم، مادّين أصابعهم كأنها قناديل بحرٍ شفافة تبحث عن ملامسة.
كان هناك زنبقٌ منفرد ينتصب قرب بركةٍ ماؤها ورديّ محمرّ تشوبه زرقة بنفسجية. لم تكن تربة الحافة من زجاج، بل من غبار اعترافاتٍ قديمة تآكلت بفعل الريح. وحين لمح العشاق ذلك الزنبق، اشتعلت في قلوبهم جملةٌ صامتة:
" ها هو الدليل!"
غير أن الدليل كان فخّاً يبتلع كل من يفكّ شفرته.
بدأت بتلات الزنبق تتفلّت من حدود الزهرة المألوفة؛ لم يكن التحول فجائياً، بل تدرّج بنسقٍ سينمائي بطيء:
أولاً، انفتحت بتلةٌ بلا عطر، ثم تلتها بتلةٌ عادت لتُغلق فماً غير مرئي، ثم تشكّل في مركزها فاصلٌ يشبه فوّهة ميزانٍ دقيق... وعندئذٍ برز الوحش: "الزنبق-المَصّاص".
كانت عيناه شبكتين من ضوءٍ قطبيّ بارد. وحين تقدّم وحش الزنبق، لم يمزّق أجساد العشاق كما تفعل الوحوش في المرويات القديمة، بل اجترح فعلاً أشدّ سخرية وقسوة:
مصّ أصابعهم..!
تحولت الأصابع في جوفه إلى شقوقٍ من حنينٍ يابس؛ فكلّ مصّة كانت تُسقط طبقةً من الذاكرة:
تُسقط التوقّع، ثم تُسقط الدهشة، ثم تجتثّ سبب الحبّ ذاته. وعندما قفل العشاق راجعين إلى قافلتهم، عادوا بترديدٍ واحدٍ مكرور على شفاهٍ لا تتقن إلا النفي:
"لقد أخطأنا حين سمّينا ذلك حباً!"
في تلك اللحظة بالذات، حفر أورو-ناريم في لوحه:
"الوحش لا يفترس الجسد... إنه يلتهم المعنى، حتى يغدو الجسد دليلاً شاخصاً على الخديعة"
تحوّل المشهد بعد ذلك إلى ما يشبه مذبحاً صغيراً؛ حيث انقضّ سربٌ من حماماتٍ حُمر تشبه طيور الطفولة، لكن مناقيرها كانت شفراتٍ مسننة تحمل على أطرافها جراديل خشبية، تجمع من الأزهار الذابلة "الوجبة الأخيرة" من رحيقها. وعلى امتداد طرقات الوادي، كانت بقايا الرحيق تُصبّ في أخاديد رملية تشبه خطوطاً مرسومة لعيونٍ غائبة؛ وما إن تتبخر حتى تترك على الجلد وسماً لا يُمحى، كأنه نقشٌ يُخلّد الندم.
وفي الساحة الوسطى، المسماة "ساحة الصوت المُلغى"، اعتلى المنصة كبيرُ العصافير، "رَشْدُر-صَمت". لم يكن طائراً فحسب، بل كان منصباً وسلطةً وقراراً يرتدي ريشاً. رفع جناحه الآمر وقال:
“تُمنع الزقزقة"
صار فتح المنقار حركةً مفرغة من النغم، وأضحى زغب الحناجر يرتجف دون صدى. وما إن حُرّمت الزقزقة حتى أخذت البلابل تفقد ألوان أجنحتها؛ لم يحدث الانسحاب دفعةً واحدة، بل تراجع اللون مثل شريط فيلمٍ قديم: ينسحب من الأطراف، ثم ينحسر نحو الداخل، حتى يتلاشى كأن الألوان كانت تقيم هناك بموجب عقدٍ مؤقت فُسخ لتوه.
على حواف الساحة، كانت الأشجار تُدعى "أشجار الميثاق المتشقق". عند تموّج الهواء، تجهش الأشجار بالبكاء، كانت دموعها دماً أزرق كدم السلطعون، كثيفاً وبارداً كبحر كانون؛ تسيل قطراته لتتجمّد على الرمال مثل حروفٍ طلسمية لا يستطيع فكّها إلا من تنازل عن شطرٍ من روحه.
يقول اللوح:
"حين يلامس الدمُ الأزرقُ الجلدَ، يتحول الاعتراف إلى عادة... وتتحول العادة إلى خراب"
وفي ذروة هذا المشهد، يتلاشى الأفق كما لو أن عين الرائي قررت مغادرة الحكاية للولوج إلى "ما وراء السرد". ظهر قطيعٌ من الكلاب السائبة: "الضُّوَاعَن-المُعلّقة"، تنفرد بالمكان كما ينفرد القبح حين يغيب الجمال. لم يكن عواؤها يطارد طريدة، بل كان يُعلن بصوتٍ حاد:
"كلّ ما كان... لم يكن سوى وعدٍ باطل منذ البدء..!"
كل نباحٍ منها كان يثير زوابع رملية صغيرة تهبط على هيئة علامات ترقيمٍ لم تُكتب بعد، لكنها محفورة سلفاً في ذاكرة الوادي.
هنا، وقع الانكسار الميتاسريالي الذي علّق القصة برمتها داخل مرآة؛ فصار اللوح هو الذي يكتب "أورو-ناريم"! وكلما همّ الكاتب بشرح علّة التحول، انبثق في صلب الطين سطرٌ يُحذّره:
"لا تظنّ أنك مجرد مراقب... أنت ضلعٌ في هذه المعادلة!"
ثم دوّى النذير:
"المجنون قادم...!"
لا أحد يقف على اسمه الحقيقي؛ ينادونه فقط "المجنون المتفلسف". يسير في خطوطٍ ملتوية لأن دربه انحناءة قدر، وحين يدنو، يدنو معه مفهوم "الالتواء القسري".
احتشد الجميع في صعيدٍ واحد:
العشاق الذين أثقلهم الندم، والطيور التي صودرت زقزقتها، والأشجار الدامعة بالأزرق، والحمامات المنشارية بجراديلها الخشبية، والكلاب التي ترفع عواءها لتقطع سبل النجاة. وقفوا جميعاً يرتقبون الخرافة، رافعين صوتاً موحداً بتضرّعٍ سومريّ:
لا نملك اسماً ثابتاً؛ لأن الأسماء في "وادي الرَّملِ المُستعاد" تُمتَحن قبل أن تليق بحامليها. كلما نطقتُ اسماً تحوّل إلى قيد، ولذا ننتقل بين القيود كما يتسلل الضوء بين الشقوق. لقد جئنا لأن الحبّ هنا استحال "مادة"، والمواد بطبيعتها تتطلب مصنعاً وقوالب!.
اتخمونا بالاشاعات
قالوا: الزنبق يمتص أصابع العشاق.
قالوا: للحمامات مناشير وجرادلها خشب.
قالوا: كبير العصافير يُلجم الحناجر ويصادر الزقزقة.
قالوا: دموع الشجر دمٌ أزرق كئيب.
قالوا: الكلاب السائبة تملأ الفراغ لؤماً وعدمية....!
كثيرٌ هو ما قالوه... أما أنا فأقول:
كل هذا ليس تتابعاً لأحداثٍ منفصلة، بل هو بنيانٌ تركيبي واحد! الخرافة ليست خاتمة المطاف، بل هي أداة لتحويل المعنى من "حرارة الشعور" إلى برودة الوظيفة".
العشاق عندما وفدوا؛ الأصابع كانت هي المجسّ الأول للإمساك بجمر الحياة. وحين يمدّ عاشقان أطرافهما، يطلق العالم على ذلك اسم "القُرب"؛ وفي تلك اللحظة تحديداً، يتدخل الزنبق. لا تسألوا:
"لماذا الزنبق؟"، بل اسألوا:
"لماذا وُجِد الزنبق هناك في الأصل؟". اللوح يجيب:
الزنبق كان يُغذّي وعداً مؤجلاً منذ القدم! وأنا حين أستحضر الخرافة، إنما أنتزع السبب الذي يدفع القلب لتصديق أنه يحيا بالحب؛ فتغدو الأصابع مجرد مستودعٍ للتذكّر البارد. الندم لا يحلّ منفرداً، بل تصحبه كيمياء اللغة المشوهة، ليغدو الحب عاجزاً عن النجاة من قيود تعريفه.
الرحيق في الطبيعة يُحيل العاطفة إلى أريج؛ لكنه في هذا الوادي يُحيلها إلى ندبة. والخشب لا يعرف الشفقة؛ الخشب خُلق ليُنحت فحسب. وكل حمامة تجرّ جردلها إنما تُلقّن القصة أن التكرار أثبتُ من الحقيقة، وهكذا يغدو المشهد عادة، وتغدو العادة عقوبةً مُنمّقة المظهر.
عندما حرم كبير العصافير الزقزقة ،لعلمه أن التغريد هو بدء الاعتذار؛ وحين تكفّ الطيور عن الزقزقة، يُحرم الجميع من حق التدارك والتصحيح. فلا اعتذار بغير صوت، ولا توبة بغير اختلاج... ومن هنا حُرّم النغم، وغدا الصمت أداةً لضبط إيقاع الخضوع.
ألا ترون؟ حتى الأجنحة نكصت عن ألوانها؛ ليس لأن اللون تلاشى، بل لأن اللون كان احتجاجاً يطالب بالفرح! ودموع الأشجار لو كانت ماءً لقلتم: "إنها تبكي لأن لها فؤاداً"، بيد أن الدم الأزرق ليس فؤاداً، بل هو سجلّ إدانة؛ فحين ينزف الأزرق، لا تبكي الأشجار حزناً، بل تنتصب كشواهد دامغة تُثبت أن الخراب واقعٌ لا مجرد كابوس عابر.
أنا لا أحطّم نموذج الحب الذي يدرّبكم على تسويغ العذاب باسم المشاعر. آفة البشر أنهم يُوقّعون على وثيقة استعبادهم حين يتوهمونها اقتراباً! الخرافة تعيد صياغة الإدراك لتقول:
"إذا كان الحب يلتهمك، فليس حباً، بل هو نزعة امتلاك ترتدي ثوب العاطفة".
أ تتساءلون لماذا توقف الوادي في تلك اللحظة الخاطفة؟ لماذا سكن الوجود دقيقةً كاملة؟
ليس لأن العالم تداعى، بل لأن الخرافة ضغطت على "زرّ إيقاف المشهد"، لتزجّ بنا في لقطة ميتاسريالية تكشف أننا لم نكن سوى دمى في مسرحٍ مُحكم. وعندما نتوهم أننا أدركنا الحقيقة، يتحول ذلك الفهم بالذات إلى حبل مشنقة يلتفّ حول الجميع!.
أعود الآن إلى قاع الوادي بعد انقضاء دقيقة السكون؛ لأهمس لكم بالقول الفصل قبل أن تنغلق مساحة اللوح:
ما لم يُحفر فيه سطرٌ مغاير...!
إذا رمتم الخلاص من هذا المآل المحتوم ومن سيول الدم الأزرق، فلا تشهروا سيوفكم في وجه الوحش... بل قارعوا "المفهوم" الذي يمنح القيد مشروعيته وقداسته! احذروا الطغيان حين يُصاغ في قالب حكمة، واحذروا الفلسفة حين تَعِدكم بتحويل الجرح إلى عبرةٍ مجانية.
سأترك في أسفل هذا الطين سؤالاً واحداً يكسر رتابة الدائرة:
"من الذي يخطّ السطر التالي الآن؟ أهو أنا الساكن في اللوح... أم أنت الذي تقرأ ،ام كاتب القصة ام المجنون...!؟
في الختام تقفون صفا واحدا تتضرعون لانليل
يا إنليل... يا سيّد الرياح العاتية، ويا واضع النواميس في ألواح القدر ،إن كان نسيم الوادي قد تحوّل إلى قيد، فردّه إلى عاصفةٍ تقتلع الصمت الزائف وإن كانت أصابع العشاق قد ذُبحت في جوف الزنبق، فلا تُعدها إلى اللمس، حوّلها إلى قبضةٍ تكسر المرايا.
يا قاضي "إيكور"، يا من تُنصت لهمس الطينإن صادروا الزقزقة فامنع عنهم سكينة الطاعة،وإن سال الأفق بالدم الأزرق البارد، فاجعل ذلك الدم شراعاً يعبر بنا التيه، لا نصلاً يذبح المعنى في الصدور،أعد للوادي اضطرابه الأول... واجعل الكلمة سيدة اللوح إلى أبد الآبدين.







التعليقات