انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

لعنة الظل والوحدة

أطياف السعيد
أطياف السعيد

روائية وأديبة عراقية

2 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
لعنة الظل والوحدة
مشاركة:

حائرةٌ كطائرٍ نسي وجهته، لا يدري أضاع الطريق، أم أن السماء لم تعد تتّسع لجناحيه.

أجلس على الأرض، والجدران تندفع نحوي ببطءٍ مخيف، كأن الغرفة تضيق بما أحمله في صدري. أُلصق جسدي بالأرض، فأشعر بدفئها، وأتساءل: أيمكن للجماد أن يكون أكثر رحمةً من البشر؟

حتى ذلك العنكبوت القابع في الزاوية يبدو كأنه جاء ليشاركني وحدتي. أنظر إليه طويلًا، وأفكر: لعلّه هو الآخر سجين بيتٍ نسجه بيديه، ثم عجز عن مغادرته.

شيءٌ مالحٌ يتسلّل إلى فمي. إنها دموعي، تتساقط بغزارة، كأن عينيّ تحاولان إطفاء حريقٍ لم تستطع روحي احتماله. لكن أيّ ماءٍ يستطيع إخماد النار حين يكون مصدرها القلب؟

غرفتي تحاول مواساتي، تمدّ جدرانها نحوي كأذرع أمٍّ فقدت طفلها، تحتضنني بشدة، حتى أكاد أختنق في حضنها.

وأفكر في قسوة الحياة؛ أليست أشدّ أنواع العذاب أن يُحكم على الإنسان بالوحدة منذ طفولته، ثم يُطلب منه أن يكبر سليم الروح؟

لقد اعتدتُ الاحتماء بالورق والأقلام والألوان، كنت أظن أنني كلما رسمتُ جرحًا تخلّصتُ من ألمه، وكلما كتبتُ حزنًا دفنتُ شيئًا منه. لكن الأوراق اليوم صامتة، والألوان باهتة، والكلمات عاجزة عن إنقاذي من نفسي.

حتى ظلّي، ذلك الرفيق الذي لم يفارقني يومًا، ابتعد عني.أراه واقفًا في أقصى الغرفة، يحدّق بي بنظرةٍ ساخرة، كأنه يعرف عني حقيقةً أخشى الاعتراف بها.

أتساءل: هل أنا مصابة بلعنة الفراق؟ أم أن الوحدة قدرٌ كُتب عليّ قبل أن أولد؟ أم أن في داخلي شيئًا أشدّ ظلمةً من كل ما عشته؟

يبتسم ظلّي، ويدعوني إلى عالمٍ مظلمٍ خانق، عالمٍ لا ساعات فيه ولا نوافذ، يغرق في نومٍ ثقيل.

وتراودني فكرةٌ مرعبة…

لعلّ أكثر ما يخيف الإنسان ليس الظلام الذي ينتظره وإنما ذلك الظلام الذي يسكنه منذ سنوات، حتى يصبح مألوفًا كوجهه في المرآة.

أحدّق في ظلّي طويلًا، ثم أهمس:

أأنا التي أخاف أن أبقى وحيدة، أم أنني أخاف أن أكتشف أنني لم أكن يومًا برفقة أحد؟

وللمرة الأولى، لا يجيبني ظلّي.

كأنّه ينتظر مني أن أجيب عن السؤال الذي قضيتُ عمري أهرب منه.

مشاركة:

آخر تحديث: ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

ثَبَاتُ الرِّمَالِ
سرد

ثَبَاتُ الرِّمَالِ

صَاحِبُ العَيْنَيْنِ العَسَلِيَّتَيْنِ، وَالطُّولِ المَمْشُوقِ، وَالفِكْرِ الثَّاقِبِ... إِذَا تَكَلَّمَ جَعَلَكَ تَتَلَقَّفُ كَلِمَاتِهِ خَشْيَةَ أَنْ تَنْسَابَ مَعَ الهَوَاءِ فَلَا تَعُودَ. هُوَ "أَحْمَدُ". جَلَسَ "أَحْمَدُ" عَلَى تَلَّةٍ فِي صَحْرَاءَ تَمْتَدُّ عَلَى مَدِّ البَصَرِ. لَيْلُهَا…

· 3 د
الحقد الأعمى
سرد

الحقد الأعمى

الحقد الأعمى عندما اقتربتُ من مجلس العزاء في جامع القرية لتقديم التعازي والمواساة لأسرة الفقيد، لفت انتباهي المهوال الذي استقبلني بحرارة وبدأ في إلقاء أبيات شعرية تعكس معاني الكرم والجود والعطاء، مستحضراً بعض الصفات التي ورثتها عن والدي وأجدادي. لكن قبل أن يُكمل قصيدته، استوقفه أحد الحضور بجانبه…

· 5 د
رجل بلا نهاية!!
سرد

رجل بلا نهاية!!

قصة قصيرة نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم. في صباحٍ لم يكن مقتنعاً بأنه صباح، ذهب رجل إلى مكتبٍ لتأجير الموتى. كان المكتب يقع بين صيدلية تبيع الذكريات المستعملة ومخبز لا يخبز إلا لمن لم يولدوا بعد. وعلى بابه لافتة نحاسية كُتب عليها: «نؤجّر النهايات لجميع الأغراض، باستثناء البدايات التي لم تستوفِ…

· 5 د