انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

في تأخير إصدار شهادة الوفاة

عبد الامير عسكر
عبد الامير عسكر

شاعر وكاتب عراقي

2 دقائق للقراءة
24 مشاهدة
في تأخير إصدار شهادة الوفاة
مشاركة:

تراجع أيها الساعي، قف عند السرير الأبيض، لا تبادر إلى غرفة الإصدارات، لا تفكر بنقر جداره الزجاجي، ليس هناك خبر، فهذا الطبيب بقرب الأجهزة، لم يغادر، فما عنده قد يكون تتمة سيرة دفء متبق.

ولماذا يتأخر كاتب الشهادات، قد لا يكتب شيء، قد يتأخر النبأ، قد لا يكتب التاريخ الآجل، قد يدقق في صفحة راحل سابق، وله أن يغلق سجل الممات ليوم آخر.

لا أعرف مالذي يقلق الكاتب، فما زال يقلب الأوراق، يعود إلى أرشيف الوفيات، يراجع الأيام، ثم ما إن حل الفجر، راح يفتح صفحة بيضاء من سجله الكبير، يكتب في الأعلى " يوم الثلاثاء"، ثم يضع ثلاث نقاط.

يترجل بعض السطور يضع واصلة ترقيم، ويترك قلمه يتدحرج دون غطاء حتى يستقر قرب عنوان اليوميات، عنوانه المعلق المفتوح في الأعلى.

فيبدأ في طواف الرفوف الثقيلة بالموت، بعد كل ارتحال وعودة إلى محل جلوسه؛ يحدق إلى هناك، خلف الزجاج الذي يحقق له معاينة مضاعفة، ولما لا يأتيه قادم، يلقي نظرة على بياض صفحته عما سوى عنونة مؤجلة.

وهناك في غفلة من الكاتب المعني بتأريخ المتوفين، حل البرد بعجل كما لو أنه مطارد، أو به لزوم القدوم، ليغادر الطبيب دون أية مفاوضة معه.

ولما عرف من عليه أن يعرف يقين الرحيل، تعثر، تثاقل، سلك ممشى خطأ، بل تأخر إلى غرفة الكاتب المترقب،

كمن يريد إيقاف ولادة تاريخ جديد.

فما به الناعي، فقد غدا فيصل تاريخين، ينتظر، يتكاسل، والقدر يدفع به إلى مواصلة الدرب المحتوم، الناعي لا ينكر حتمية القضاء، لما طال وقوفه أمام غرفة مخيفة بكل شفافيتها.

فكلما به الناعي، مطلب؛ وحيد، صغير، يسير، لو أن شهادة الوفاة تتأخر، كيما تشطب شهادة الميلاد.

وحدث أن الكاتب الذي طال انتظاره، جلس أخيرًا، كتب وكتب فكتب؛ تقرير يوم الثلاثاء؛ كله...

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٣:٢١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
سرد

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ: إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل…

· 7 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د