في طريق عودتنا إلى البيت أمس، كان المساء قد بدأ يهبط ببطء، والمدينة، كعادتها، تجر وراءها نهارا طويلا من الغبار والضجيج والوعود التي لم تصل إلى أصحابها.
جلس ولدي إلى جواري في الميكروباص. كان وجهه منعكسا على زجاج النافذة، نصفه في الداخل ونصفه الآخر عالقا في الشارع. طوال الطريق كنا نسخر من أشياء كثيرة. من رجل يصرخ في هاتفه كأنه يخاطب دولة كاملة، ومن شرطي يلوح بيده للسيارات ثم ينسى إلى أين أشار، ومن بناية جديدة ارتفعت فوق أرصفة قديمة، كأن المدينة قررت أن تطيل قامتها من دون أن تصلح حذاءها.
ضحكنا كثيرا. لكنني كنت أعرف أن الضحك، في بعض المدن، ليس دليلا على الفرح. قد يكون مجرد طريقة متأخرة للتنفس.
بعد مسافة طويلة من السخرية، التفت إلي فجأة. لم يكن يضحك هذه المرة. نظر إلي كما لو أنه اكتشف شيئا في وجهي لم أكن أعرف بوجوده.
قال:
— كيف استطعت أن تبقى عاقلا في بلد يفتقد إلى العدالة؟
دخل السؤال في رأسي بهدوء، ثم أخذ يبحث عن مكان يجلس فيه.
نظرت إليه. كنت أستطيع أن أجيبه بكلام كثير عن الصبر، وعن الزمن، وعن الإنسان الذي يتعلم كيف يعيش وسط الحروب والأشياء التي لا يستطيع تغييرها. لكنني، لسبب لا أعرفه، شعرت أن كل تلك الإجابات ستكون نوعا آخر من الكذب.
قلت:
— ولماذا تظن أنني عاقل؟
ابتسم.
ثم صمتنا.
كان الصمت بيننا أوسع من مقعدي الميكروباص. شعرت، للحظة، أن السائق وحده كان يعرف الحقيقة، وأنه لذلك ظل يحدق في الطريق دون أن يلتفت إلى أحد.
في الخارج كانت المدينة تمر من النافذة مثل شخص يحاول الهرب من نفسه. محال مغلقة، واجهات مضاءة، أطفال يعبرون الشارع دون أن ينظروا إلى السيارات، رجل يحمل كيسا بلاستيكيّا فارغا، وكلاب تبحث في أكوام القمامة عن شيء يمكن أن يثبت أن هذا اليوم كان ضروريا. أما السؤال، فظل بيننا. ثم بدأنا نضحك. ضحكة صغيرة أولا، ثم ضحكة مكتومة، كأننا نخشى أن يسمعها الركاب. لم نكن نعرف ممن نخاف: منهم، أم من أنفسنا، أم من أن يكتشف أحد أننا وجدنا في العبث سببا للضحك.
قال لي وهو يحاول أن يمنع ابتسامته:
— ربما أنت فعلا مجنون.
قلت:
— هذا أفضل.
ثم عدنا إلى الصمت. كان الميكروباص يقترب من البيت، وكلما اقترب، شعرت أن شيئا ما يبتعد عنا. لم أعرف ما هو. ربما ذلك الجزء الصغير من العقل الذي ظل معنا طوال الطريق، مختبئا خلف الضحك.
عندما نزلنا، وقف ولدي لحظة على الرصيف ونظر إلى الشارع.
قلت له:
— هيا.
لكنه لم يتحرك.
سألني:
— أبي، هل تعتقد أننا سنصل يوما إلى مكان عادل؟
نظرت إلى البيت. كان بابه مفتوحا. ثم نظرت إلى المدينة خلفنا. ولم أعرف أيهما كان أكثر أمانا: أن ندخل، أم أن نبقى في الخارج.
دخلنا.
لكنني، حتى الآن، لا أعرف أي واحد منا دخل البيت أولا، وأي واحد بقي في الميكروباص، يضحك.







التعليقات