انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

صيّاد أبكته السمكة

بسام الطعان
بسام الطعان

قاص وروائي سوري

3 دقائق للقراءة
8 مشاهدة
صيّاد أبكته السمكة
مشاركة:

لم يكن الليل في مدينة كيل الساحلية يشبه ليالي المدن الأخرى. كان البرد ينساب في الشوارع، والغيوم تتجمع فوق البحر دون أن تفرغ دموعها. أمواج البلطيق تضرب الصخور بإصرار، كأنها تذكّره بأنه ما زال هنا… وأنها ما زالت هناك، في البعيد.

في ذلك المساء، عاد إلى الميناء بعد يوم طويل من الصيد دون أن يصطاد شيئاً، وكأن البحر يعاقبه على انتظار طال أكثر مما ينبغي.

جلس على الصخرة التي اعتاد أن يلجأ إليها كلما ضاق صدره، تلك الصخرة التي استمعت لأحزانه أكثر مما فعل أهل المدينة.

ظلّ يحدّق في البحر الذي يتنفس بعمق ويرسل أمواجه كرسائل لا يقرؤها سواه. هبّت نسمات دافئة من جهته، فشعر ببعض الراحة. أشعل سيجارة، ثم مدّ يده إلى جيبه وأخرج الرسالة التي قرأها مئات المرات… لكنه هذه المرة لم يقرأها، بل ترك عينيه تتبعان الأفق.

كانت قد أرسلت له رسالة قصيرة فور وصوله إلى تلك البلاد، كتبت فيها:

"سآتي إليك مثل غيمة، أحمل لك دفئي وحناني… لكنني لا أعرف متى. هل ستنتظرني؟"

منذ ذلك اليوم صار يقرأ الغيم كما يقرأ الغريب بلاده، وكما يقرأ العاشق وجه حبيبته. كان يفتّش في السماء عن ملامحها، وفي الريح عن صوتها، وفي الغيوم عن وعدها.

لكنها كانت تخدعه دائماً، تعده بالمطر… ولا تأتي. مثلها تماماً.

كان صيّاداً، لكن البحر كان يعيده دائماً إلى الشاطئ بشباك فارغة. فيجلس على الصخرة حزيناً، ضائعاً بين غيمة نائمة في البعيد… وسمكة لا تمنحه سوى البكاء.

في تلك الليلة أراد أن يداوي جرح غيابها، فمال نحو البحر وهمس كأنه يخاطبها: "بيني وبينكِ بحر من عتب… ومحيط من اشتياق".

وبينما كانت همساته تطير فوق الأمواج، رأى امرأة تتقدّم نحوه بخطوات هادئة، بثوب أبيض، كأنها حمامة انسابت من تواشيح الضياء.

ظنّ للحظة أنها هي، المرأة التي جعلته يكتب اسمها على كل منعطف من شرايينه. نهض فجأة، كأن قلبه يسبقه، وظلّ يحدّق فيها باندهاش.

وحين اقتربت، انطفأت دهشته، وبات مثل مدينة لا تؤجّل أحزانها.

رمقته المرأة الغريبة بنظرة غامضة وقالت:

ـ أأنت الصيّاد الذي ينتظر امرأة لا يعرف موعد عودتها؟

بعد أن خرج من دائرة الاندهاش أجاب:

ـ أنا الصياد الذي أبكته السمكة، والذي ما زال يصدّق الغيم.

رسمت أمامه ابتسامة هادئة، ثم مدّت يدها تصافحه وقالت:

ـ أحمل لك منها سلاماً… قالت لي: أخبريه إن مررتِ به، سنهمس أنا وهو في ليل قريب فوق أراجيح الوداد.

شعر للحظة أنه يسمع صوتها من خلفه. التفت سريعاً، فلم يجد أحداً. أراد أن يسأل المرأة إن كانت قد التقت بها، لكنه لم يجدها.

اختفت كما لو أنها لم تكن هنا قبل لحظات. ترك غيابها المفاجئ في قلبه لحناً حزيناً، جعله يتوه في دروب الحيارى. وبينما كان يحدّق في الأفق، بدأت قطرات المطر الأولى تتساقط.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ تموز ٢٠٢٦ في ٠٨:٣٥ م

مقالات ذات صلة

قصص قصيرة جدا
سرد

قصص قصيرة جدا

السقف سقف غرفتي ذو الندوب الكثيرة يشبه السماء المزدحمة بالنجوم،وحالما استلقي على سريري تقع عيناي على بقعة أراها تتشكّل بحبيباتها الصغيرة وفق مخلوق ما،بعض الأحيان أنظر إلى الصورة ذاتها بطرف عيني فأرى الغزال يصبح حيوانا آخر أو السمكة تتشكل بصورة دبّ،لكنّ كلّ شيء اختفى حين أعدت طلاء السقف الذي تعرّض…

· 1 د
أشياء لم تحدث
سرد

أشياء لم تحدث

اشياء لم تحدث!! قصة قصيرة نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم 2026 julay حين خرج سالم من منزله صباح الثلاثاء، لاحظ أن ظلَّه لم يخرج معه. توقف عند الباب، التفت إلى الخلف، فرأى الظل واقفًا في الممر، يراقبه ببرود، ثم أغلق الباب من الداخل. لم يشعر بالذعر. شعر بالإحراج. وصل إلى عمله دون ظل، فاستدعاه المدير…

· 4 د
حين خرج الثور من الإصطبل
سرد

حين خرج الثور من الإصطبل

تقول الأسطورة إنَّ ملكَ كريتَ وقف يوماً على شاطئ البحر، رافعاً يديه إلى السماءِ. قال: "يا بوسيدون، يا سيدَ البحارِ، إن كنتَ قد اخترتني ملكاً على هذه الجزيرةِ، فأرسل إليَّ ثوراً يخرج من البحرِ، ليكون آيةً للناسِ جميعاً. وأقسم أن أقدمه قرباناً للآلهةِ." لم يكد يتم دعاءه حتى ارتجَّ البحرُ، وانشقت…

· 3 د