تقول الأسطورة إنَّ ملكَ كريتَ وقف يوماً على شاطئ البحر، رافعاً يديه إلى السماءِ.
قال:
"يا بوسيدون، يا سيدَ البحارِ، إن كنتَ قد اخترتني ملكاً على هذه الجزيرةِ، فأرسل إليَّ ثوراً يخرج من البحرِ، ليكون آيةً للناسِ جميعاً. وأقسم أن أقدمه قرباناً للآلهةِ."
لم يكد يتم دعاءه حتى ارتجَّ البحرُ، وانشقت أمواجُه، وخرج منها ثورٌ أبيضُ لم ترَ العيونُ مثلَه قطُّ. كان شامخاً، قوياً، يلمع جلدُه تحت الشمسِ كأنَّه قطعةٌ من الضوءِ.
خرج بوسيدون من بين الزبدِ وقال:
"خذ الثورَ، ولكن تذكَّر... إنَّه أمانةٌ قبل أن يكون هديةً. فإذا استقرَّ لك الملكُ، فأوفِ بوعدِك."
انحنى مينوس وقال بثقةِ الملوكِ:
"أعدك بذلك."
لكنَّ الإنسانَ كثيراً ما يهزمُ نفسَه حين يعجبُه ما ليس له.
كلَّما نظر مينوس إلى الثورِ، ازداد تعلقاً به. قال في نفسِه:
"أيُّ خسارةٍ أن يُذبحَ هذا الجمالُ! سأذبحُ ثوراً آخرَ، وما الفرقُ؟"
وذبح ثوراً عادياً، وأبقى الثورَ الأبيضَ في إصطبلِه.
في تلك الليلةِ، عاد البحرُ إلى الهيجانِ.
وقف بوسيدون على الشاطئِ وقال بصوتٍ يشبه هديرَ الأمواجِ:
"حين يخونُ الملكُ وعدَه، لا تعاقبُ الآلهةُ... بل يعاقبُه الوعدُ نفسُه."
وفي الصباحِ، تحطمت أبوابُ الإصطبلِ.
واندفع الثورُ في الجزيرةِ كالإعصارِ. هدم الأسوارَ، واقتلع الأشجارَ، وأفزع الناسَ، وداس الحقولَ. أرسل الملكُ فرسانَه، فعادوا جرحى. وأرسل قادتَه، فعادوا يحملون قتلاهم.
بنوا له الحظائرَ فحطمها، وأقاموا المتاريسَ فقفز فوقها.
ومع مرورِ الأيامِ، لم يعد أحدٌ يتحدثُ عن سببِ ظهورِ الثورِ، بل عن عددِ البيوتِ التي هدمها، وعددِ القرى التي مرَّ بها.
كان الناسُ يقولون:
"غداً سيهدأ."
لكنه لم يهدأ.
وقال آخرون:
"لقد اعتاد وجودَنا."
لكنه لم يعتدِ إلا على الخرابِ.
وقال بعضُ المنتفعين:
"لا تخافوا، إنَّ الثورَ يحرسُ المملكةَ."
لكنَّ الثورَ لم يكن يحرسُ أحداً. كان كلَّ يومٍ يوسِّعُ مملكتَه على حسابِ المملكةِ نفسِها.
جلس مينوس في قصرِه، ينظر من نافذتِه إلى الدخانِ المتصاعدِ من القرى، وهمس:
"ليتني ذبحتُ الثورَ يومَ كان تحتَ يدي."
لكنَّ الحكماءَ كانوا يعلمون أنَّ الوحوشَ لا تكبرُ في يومٍ واحدٍ، وأنَّ الخطرَ لا يبدأ حين يصبحُ أقوى من الجميعِ، بل حين يقرِّرُ الجميعُ تأجيلَ مواجهتِه.
وحين عجزت الجزيرةُ كلُّها عن الإمساكِ به، استدعوا هرقلَ.
جاء هرقلُ، ولم يحمل معه جيشاً، بل حمل يقيناً واحداً: أنَّ الوحشَ، مهما كبرَ، يبقى وحشاً، وأنَّ الخوفَ منه لا يروِّضُه.
وبعد صراعٍ طويلٍ، أمسك الثورَ من قرنيهِ، وثبَّتَه إلى الأرضِ حتى هدأ.
اقترب منه الملكُ وقال:
"لقد أنقذتَ كريتَ."
هزَّ هرقلُ رأسَه وقال:
"لا... لقد أنقذتُ ما بقيَ منها."
ثم نظر إلى مينوس وأضاف:
"تذكَّر أنني لم أهزمِ الثورَ، بل هزمتُ الخطأَ الذي تركه يكبرُ. أمَّا الثورُ، فقد وُلد يومَ خنتَ وعدَك."
ويروي الرواةُ أنَّ الأسطورةَ لم تمت مع كريتَ، بل أخذت تسافرُ من بلدٍ إلى بلدٍ، ومن زمنٍ إلى زمنٍ.
وفي كلِّ مرةٍ كان يظهرُ فيها ثورٌ جديدٌ، كان الناسُ يختلفون حول اسمِه، ولونِه، وصاحبِ الإصطبلِ الذي خرج منه، لكنهم كانوا يتفقون على شيءٍ واحدٍ: أنَّ الجميعَ ظنَّ في البدايةِ أنَّه قادرٌ على ترويضِه، وأنَّ الجميعَ اكتشفَ في النهايةِ أنَّ الوحشَ لا يعترفُ بصاحبِه.
ولذلك لم تعد الحكايةُ تتحدثُ عن ثورِ كريتَ وحده، بل عن كلِّ وطنٍ يظنُّ أنَّ بإمكانِه أن يؤجِّلَ الحقيقةَ، أو يساومَ على الوعدِ، أو يربِّيَ الوحشَ ليستخدمَه حين يشاءُ.
فالوحوشُ لا تُربّى.
إنَّها تكبرُ... ثم تختارُ هي أصحابَها.
وعندما يحدثُ ذلك، لا يعودُ السؤالُ:
"من أطلقَ الثورَ؟"
بل يصبحُ السؤالُ الوحيدُ:
"من يملكُ الشجاعةَ ليمسكَه، قبلَ ألّا يبقى وطنٌ يستحقُّ الإنقاذَ؟"






