في زمنٍ سحيقٍ لم يُرصد في سجلات الكاربون، عندما كان الإنسان صياداً يطارد أوهامه في البراري الموحشة، لم يكن هناك معبدٌ يُرتل فيه الكهنة، ولا زمنٌ أسطوري تتدلى منه حكايات الآلهة. كان هنالك فراغٌ هندسيٌ بارد، وكائنٌ يتحرك خلسةً في تجاويف "ثقبٍ أسود"، أدرك مبكراً أن الكون مجرد شاشة عرض عملاقة، صفحةٌ معتمة لا تُضاء ولا تُقرأ إلا إذا تأمّلها "الساري"؛ ذلك المتفرج الجائع بشراهة للمعجزات.
هذا الكائن لم يمشِ على الأرض كالبشر، ولم يترك أثراً من غبار. بل إن الضوء نفسه هو من انحنى فوقه كقوس قزحٍ معدني، فصار هذا الكائن "علاقةً" متوترةً بين ما يُرى بالعين، وما يُصدّق بالوهم. سمّته القبائل الأولى "باثُ الرُّوح"، واعتقدوا أنه نيزكٌ هبط ليعيد ترتيب الفوضى، لأنه كان يلمع وسط عتمة الثقب الأسود وجهلهم المطبق. كان يقف أمام مراياه السرية هامساً لنفسه بسخرية رياضية:
أنا لم أبث الرُّوح يوماً، أنا فقط... ألمع. أنا لا أحمل سحراً مقدساً، لكني أُجيد صياغة المعنى من العدم، ولأُثبتَ ذلك للكون، سأبثُ الروح في جسد المِسَلَّة"."
لم تكن "المِسَلَّة" في حقيقتها أكثر من كتلةٍ حجريةٍ صماء، مجسمٌ يشبه فكرةً باليةً وثابتة. لكن الجمهور وهو أضخم وأعقد جهازٍ للتأويل الجماعي تكفل بالباقي. لقد حوّلوا الحجر البارد، بأمنياتهم وتوسلاتهم، إلى وعاءٍ من ذهبٍ روحي. وحين يثق الناس بالوعاء، فإنهم يبدأون فوراً بتفسير أي شعاع ضوء يمرّ عبر تجاويفه على أنه "قدرٌ محتوم" ورسالةٌ من السماء.
من أجل تمرير الخدعة، ابتكر كائن الثقب الأسود شخصياتٍ وهمية تدور حول المسلة لتُضفي عليها طابعاً ميثولوجياً مرعباً. ظهر "حارس العتمة الأعمى"، شيخٌ هرمٌ لا عيون له، وظيفته الوحيدة أن يجلس عند قاعدة المسلة، يدّعي أنه يسمع "طنين" الأرواح وهي تنزل في الحجر، بينما كان في الحقيقة يستمتع باهتزاز المُحوّل الكهربائي الذي يخزن طاقة الشمس نهاراً. وظهرت "جوقة المبصرين"، وهم مجموعة من الحراس ذوي الأقنعة النحاسية، يمنعون أي شخص من الاقتراب أكثر من اللازم لكي لا يرى أسلاك التوصيل، بحجة أن "الاقتراب" من النور المطلق يُذيب العيون.
في كل ليلة، عندما يهبط الظلام، كانت الأنوار تبدأ بالاستيقاظ. تدب طاقةٌ خفية في تجاويف المسلة، وتُطلق شعاعاتٍ ضوئية دقيقة تُخرج ما يشبه كتابةً عتيقة مسمارية على السطح الحجري، تظهر علامات تشبه "ألواح القدر" التي تُروى في ملحمة جلجامش، تواريخُ للأمم، وصايا للأجنّة، مراسيم للموت، ونبوءات لسنوات القحط العجاف والرخاء المستباح.
كانت الألواح تُكتب بالضوء على نحوٍ لا تكتمل فيه الرؤية المباشرة، بل يكتمل ببراعةٍ داخل عيون من يراقب. كان هناك جزءٌ ظاهرٌ من الكلمة، وجزءٌ يُستنتج من السياق، وجزءٌ أخير والأهم، يُستعار من رغبات الجمهور الدفينة وخوفهم. هكذا تُنجز الأساطير العظيمة وظيفتها؛ تجعلنا نرى ونؤمن أن الكتابة لا تأتي من الحجر أو الإله وحده، بل تأتي من عقلنا الجاهز دوماً لقراءة ما يريحه.
كان هذا الكائن النوراني يعتقد أو ربما كان يَتظاهر بالاعتقاد ليُسكت قلقه أن النور كافٍ ليصبح حقيقة. لكنه، وفي غمرة غروره الهندسي، نسي قاعدةً ميتاسريالية صارمة، لم يكن يعرف أن الحقيقة ليست مجرد "إضاءة" درامية؛ بل هي تتطلب دقة فلكية، وتتطلب أن يُحسبَ كل ما سيظهر بالملليمتر، لأن الوهم إذا زلّت قدمه، تحول إلى مهزلة.

لم تأتِ النهاية كطوفانٍ عظيم أو زلزالٍ غاضب، بل جاءت كحدثٍ تقني مفاجئ وصامت، كخيطٍ رفيع يبدأ بالاهتراء ببطء داخل نسيج معقد، حتى ينكشف الغزل بأسره.
في تلك "الليلة الموعودة"، ليلة الانقلاب الصيفي التي اجتمع فيها الآلاف لانتظار اللوح الأعظم، ارتفعت الإشارة. اشتعلت المسلة بوهجٍ خطف الأبصار بما يكفي لتتجمع حولها "الجماهير" المرتجفة كما لو كانت في طقسِ قيامةٍ طبيعي. كان الناس يصرخون بنشوة، يمزقون ثيابهم، يرفعون رؤوسهم الدامعة، ويبتسمون للمعجزة مبكراً... قبل أن يمنحوها حتى فرصة العرض.
لكن، عندما اكتمل السطر الضوئي الأخير... لم يكتمل المعنى...!
بدل أن تظهر النبوءة المنتظرة، ظهر عطلٌ برمجيٌ صغير؛ تاريخٌ رقمي لا ينسجم مع تاريخ الضوء الأول. بدأت الحروف السومرية تتداخل مع أرقام غريبة، والترتيب يتبدل بعشوائية مرعبة. أخذ النص يكرر نفسه في حلقاتٍ مغلقة كأنه سجينٌ مصابٌ بالخرف، يكتب ويمحو، يومض وينطفئ، وكأنه لا يعرف ماذا يريد أن يكون. في البداية، وكعادة البشر الخائفين من فقدان آلهتهم، حاول الجمهور، بقيادة "حارس العتمة"، إنقاذ الفكرة بالتأويل الأعمى.
صرخت امرأة: "إنها محنة! الآلهة غاضبة وتتلعثم"
وصاح شيخٌ آخر: "إنه اختبارٌ لإيماننا، النص يتفكك ليعيد تركيب أرواحنا"
وهتف الكهنة: "إنها رسالة عليا غير مفهومة، مشفرة لمن يمتلك البصيرة"
لكن، في صباح اليوم التالي، انهار مسرح العبث. جاء من أطراف المدينة "مدينة جامع السيليكون"؛ مُراقبٌ صارم، مهندسٌ جافٌ لا يكتفي بالدهشة ولا يسجد أمام الضوء المتقطع. تقدم بخطواتٍ ثابتة، متجاهلاً صراخ الجوقة، وبيده أداةٌ حديدية مدببة. ضرب قاعدة المسلة الحجرية فتشقق الغطاء.
حين تراجعت طبقات الأسطورة عن مكانها، وسقط الحجر المزيّف، ظهرت حقيقةٌ لا تشبه الميثولوجيا في شيء، حقيقةٌ تجعل القلب يتقيأ من فرط خيبته:
لوحات خلايا شمسية زرقاء داكنة قيد التنفيذ، بطاريات ليثيوم متورمة، حزم من الأسلاك النحاسية المعقدة، وشرائح مبرمجة دقيقة تنبعث منها رائحة البلاستيك المحترق.
لم تكن هناك روحٌ تُبث من السماء. كانت هناك تجربة هندسية أرضية بائسة تحاول أن تؤدي دور "القدر" الخالد أمام شاشة عرض حجرية.
سقطت الخدعة المأساوية لأن الحسابات الخوارزمية لم تكن دقيقة. لقد تمت برمجة مسارات الضوء وتوقيتاته على أساس تقديراتٍ مناخية غير مُحكمة لفصل الشتاء، وحين اختلفت زوايا سقوط الشمس، تعثرت نسب الشحن في البطاريات، وانخفض الفولت، فتبدلت مواقع العلامات الضوئية وهلوسَ المعالج الدقيق.
بدل أن تُنتج "الألواح" نصوصها من نظام ثابت وراسخ يشبه التنجيم الآلهي، خرجت من منظومة محتضرة ترتجل من الذاكرة العشوائية، تقترح نقوشاً مشوهة ثم تنسى أن الدقة، والدقة وحدها، هي شرطٌ رئيسي لكي تكون الإشارات ذات معنى مقدّس.
صارت المشكلة اكثر إيلاماً لأن الكائن النوراني، "باث الروح"، لم يستطع أن يكون قَدَراً. أدرك متأخراً أن النور الاصطناعي يمكنه أن يقنع الجماهير الغبية بلحظةٍ عابرة من النشوة... لكنه لا يمكنه إخفاء حقيقة أن المعجزة كانت مجرد تنفيذٍ تقني غير مكتمل.
وقف المدعي الفاشل أمام بطارياته المحترقة بعد انفضاض الجموع الباكية، سقطت هالته، ونظر إلى الوجوه التي تغيرت في ثوانٍ من مبهورةٍ ساجدة، إلى متشككةٍ حاقدة مستعدة للرجم. نظر إلى سماءٍ فارغة وقال بصوتٍ معدني يشبه الاعتراف، وهو لا يزال يحاول حماية شظايا كبريائه:
كنت أظن أن الضوء وحده، أي ضوء، يكفي ليصبح حقيقةً تعبدونها... لكنني تعلمت اليوم، أن الحقيقة تحتاج إلى دقةٍ كهربائية، لا إلى إيمانٍ أعمى...!
ثم انطفأت الإشارة الخضراء الصغيرة على اللوحة الأم، كمن يموت ببطء، وينتهي مشروعه قبل أن يكتمل.
ومع أن الجمهور بأسره رأى الخدعة بأم عينه، ورأى الأسلاك والبطاريات واضحةً تحت الشمس، فإن القصة لم تسمح لنا أن نخرج من هذا المعبد الميكانيكي بلا سؤالٍ قاتل. لأن الناس، وحتى بعد انكشاف العورة التكنولوجية للحقيقة، انقسموا كما ينقسم أي مجتمع مريض أمام معنى جديد وصادم.
صاح النصف الأول الذين كفروا بالمسلة:
"كانت خدعة! "لقد سرقوا صلواتنا بأسلاك النحاس
بينما همس النصف الثاني، الذين سجدوا للبطارية: "كلا... الآلهة استخدمت الأسلاك والمهندس لتمتحننا. لقد كانت رسالة تعليمية، والبطارية نفسها معجزة".
كلا الفريقين، المعارض والمؤمن، ودون أن ينتبه، أجاب عن السؤال الفلسفي الأقسى بطريقته الخاصة:
لماذا نحتاج دائمًا وبشكل مرضي إلى أن نُسمّي عجزنا عن الفهم قَدَراً؟ ولماذا نُعجب بشدة بكتابةٍ أو نصٍ ونعرف في قرارة أعماقنا المُظلمة أنها مجرد وهم رياضي، وخوارزمية تحاول أن تبدو نصاً منقذاً؟
وهكذا، نتهجّى ميتافيزيقيا النصّ بعجلةٍ ميتاسرياليةٍ مُسنّنة بالتناقضات، تنحرفُ بلغتها عن المسار المألوف نحو "الوحشية اللفظية" والشذوذ الدلالي؛ لتبني قاعدةً ذهبيةً مشفرة:
كلّما تعاظمَ الغموضُ الكوانتيّ، زادَ ابتهاجُ العقلِ الميكانيكي، وتكدّستْ بركةُ العبث.
في النهاية
عزيزي القارئ، لا تبتئسْ إن تقيأتَ المعنى، فأنت غيرُ ملزمٍ بفك شيفرة الرثاءِ الآتي:
أيُّها الوَلَهُ السَّاكنُ في الضَّلوع، السَّاكتُ في الأقوال لِمَ تَحرِصُ على العَثار؟ إنَّ الدُّنيا دارُ عِبْرةٍ، لا دارُ مُقامٍ؛ فَما ظَفِرْتَ بِشَيءٍ فاعْتَبِرْ، وما فـاتَ فاعتَذرْ.وإنَّ القَلْبَ إذا تَراءى لهُ الرَّجاءُ، تَوهَّمَ أنَّهُ دَواءٌ؛ وهو دَاءٌ مُقنَّعٌ بالعَزاء،فامْضِ على سُنَّةِ العَقلِ، خُذِ العِظةَ مِن كُلِّ شَدّةٍ، واجعَلِ السَّؤالَ سُلَّمًا، لا سَلاسلَ لِلجَبين،ولا تَجعَلِ الحُزنَ رُوحًا يَسيرُ معكَ؛ إنَّما هو ضَيفٌ يَطرُقُ ثم يَنصرِف،وإن نَطَقَتْ عَيناكَ بما لا يُنطقُ، فذَكِّرْها أنَّ البُكاءَ جَناحٌ لا مَقرَّ،واصبِرْ صبرَ مُتَأمِّلٍ لا صبرَ مُتَفَجِّعٍ؛ فكم مِن أَسىً صارَ عِلمًا، وكم مِن نَدمٍ صارَ دَربًا،وما الحِكمةُ إلّا نورٌ يُفرِّقُ بين فَواتٍ يُتدارَك، وذِهابٍ لا يُستَرْجَع،ومالَتْ شُعَابُ الوُدِّ في مقابرِ النظائرِ المُشعّة... فبتنا نعبدُ وثناً بطاريّتُه تنزفُ نحاساً أسود، ورُوحُه مُجرّدُ رمزِ عدمٍ 404 في سِجلّاتِ الآلهة...!







التعليقات