انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

شجرة بتول

إلى توفيق بائع الكتب في شارع الحبوبي الغائب منذ 25 عام

عمار كشيش
عمار كشيش

شاعر وأديب عراقي

4 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
شجرة بتول
مشاركة:

​– أمي.

كاد يسألها، لكن ما الجدوى؟ خمنها فضيحةً، وبذاك ستحطمه صرخةُ الأمومة المرتعبة، وإن كانت تشوبها الرحمة.

– ماذا تريد؟ أنتظر جوابك؛ البصلة صارت فحماً في الزيت!

ظل السؤال يدوي في داخله مثل طائرٍ مذعورٍ. خلال الليل لا يستطيع أن يستكين. يمسك قلماً ويخربش بعصبية.

في النوم، سأل والدته عن أسرار القبلات ومدى تأثيرها: «كيف يقبلك أبي؟ وهل القبلات خطرة قبل الزواج؟».

–..، لا، ليست خطرة.

وأشارت إلى الملابس البيضاء المعلقة تحت الشمس. بعد أن استيقظ، سألها: «ما تفسير اللون الأبيض؟». قالت: «هو اللون الأسود»، وأشارت إلى شالها المعلّق بمسمارٍ قرب الباب. قال: «ربما كانت نسبة الخطورة 80%، أما الـ 20% الباقية فهي نجومٌ تصلي من أجلنا، أنا وبتول».

تنهض أمه وتصلي. كم يودّ أن يطلب منها أن تدعو له! الله يحبها. مضى وامتطى الأرجوحة، وشاهدها تأتي إليه مكسوةً ببدلةٍ بيضاء. سألها:

– هذا اللون الأبيض خاص بأي مناسبة؟

قالت:

– تأنقتُ لك يا عادل، غسلتُ وجهي بالدموع، وضعتُ المكياج وخرجتُ من البيت، وحجتي أمام أمي أني سأشتري عصير الرمان.

جاء الليل، ومع سؤاله الشائك تخيل النجمات حشداً ذبيحاً. هو الآن مع أخته التي تكبره بأعوامٍ، يبسطان كفيهما فوق الجمرات المتأججة. وجد فرصةً لطرح سؤاله المؤرق:

– هل القبل وحدها تصنع أطفالاً؟

– ... لا أدري، ولكن غالباً لا. ويبدو أنها نسيت السؤال سريعاً، وتحدثت عن مزهريتها التي سقطت في النهر وهي تضحك. قالت:

– حاولت رسمها...

حاول أن يقول لها: «هل تستطيعين رسم سؤالي بالألوان المائية؟» وصمت. أكملت حديثها عن السواقي، وهذا قاده إلى الساقية الفارغة من الماء التي يلتقي فيها مع بتول، وكلاهما مسكون بعرق العمل الصباحي.

هز قلمه، حاول أن يكتب، وكتب، ثم حرق ما كتبه أمام النهر وتساءل: «هل يمكن أن يتخذ من النهر صديقاً يهرع إليه ويشكو له سؤاله؟». وتخيل: «ماذا لو أن هذا النهر دمعةٌ سريةٌ لآلامه، ويظهر أمام الناس نهراً عادياً؟». اقترب منه، إنه صديقٌ مخلصٌ وقويٌّ، وليس مثل والدته؛ ربما تعاقبه أو يفتك بها عن طريق هذا السؤال.. خاطبه:

«شممتُ رائحةً عميقةً في قماش بتول، كان القماش محتفظاً برائحة جسدها. حاولتُ أن أرسم وردةً صغيرةً على عنقها، فأشارت بقوة: توقّف، ما زال الوقت مبكراً».

صباحاً، يذهب إلى المزرعة وهو حذرٌ. عرف أن لدى إخوة بتول شكوكاً بشأن علاقته باختهم.

– ما هي علاقتك مع راعية الغنم؟

– راعية الغنم؟

– لا تجعل من نفسك غبياً.

– أنا غبي جداً.

– أنت تافه جداً، سأذلّك.

– ماذا تفعل؟

– تتحداني؟

– بتول...

وقبل أن يكمل، باشره بضربةٍ قويةٍ.

– هي الآن مقيدةٌ إلى الشباك، وإذا حدث الذي أتوقعه سأطبخكما سوياً، تخيلني أنا مالك النار.

– لن تستطيع، هي أكثر براءةً منك.

بصعوبةٍ تخلص منه. كان عطشاناً لشفتيها. من الصعب أن يلتقي بها أثناء حضورها، لكنه ليس مستحيلاً، أما في غيابها فماذا يصنع؟ يلتقي بها في المخيلة والذاكرة. رسم شفتين جريحتين. شعر بالقلق.

اقتربت منه قائلةً:

– أنا حامل.

بادرها بالقول:

– سأحميك وأحمي ولدي، يخيل لي أنه ذكر.

– ماذا ستسميه؟

– آدم.

بعد صمتٍ، بادرت بالقول:

– الآن القبل ممنوعة خلال فترة الحمل.

– امنحيني وهج شفتيك.

– وهج جسدي في قميصك، كن حذراً حين تنزعه أو تغسله، واحذر أن يضيع منك.

– ماذا أفعَل خلال هذه الفترة؟

– اشتغل بالرسم والكتابة، تذكر قبلاتنا.

– أين ذهبتِ؟ خائفٌ على طفلنا آدم، خائفٌ عليكِ.

​من يخاطب الآن في وحدته؟

– عادل؟

– تفضل عزيزي.

– أعرني كتاب (فلسفة القبل الصوفية)، ربما حين أطلع عليه أتخلص من القلق.

– الكتاب ليس موجوداً عندي. قرأته منذ فترة، بعض كلماته على جدران ذاكرتي. الكتاب صعبٌ جداً في تلك المرحلة، ولا أدري كيف اختفى.

– أنا قلق، خائفٌ من إخوة بتول.

– مع الأسف، لم أتصورك هكذا.

– أرجو أن تفهمني، أنا وبتول زرعنا شجرةً جميلةً ومحرمةً.

– أنا الآن مشوشٌ فكرياً. مع استكان شاي وسيجارةٍ أستطيع أن أمدّ لك يد العون.

– عادل؟

– نعم يا عادل، لا تقلق، بتول ستنجب، وسينقذكم طفلكم. ستشير إليه وهو ملفوفٌ بالأبيض، وينطق...

​صمت قليلاً

– أرجوك لا تدوخني، هات لي استكان شاي ولنذهب للعمل وننشغل. بعد ذلك، خلال الليل، نكتب نصاً...

– ماذا يقول؟ ماذا يقول؟

– هكذا يقول الطفل: «أنا وُلدتُ من تلك القبلات البيضاء، أبارك أغنيات الرعاة، فيما الماء يغمر التراب، وسيخرج يديه، ويرفعهما ويهزهما كأنه على وشك الطيران».

– هل يطير خوفاً أم عشقاً؟

– هي محاولةٌ صعبةٌ أمام الصيادين، ولكن لا بد منها. ولنتهيأ لكتابة نصٍّ صوفيٍّ عن القبلة ونستعد للقتال من أجله.​

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مرافعات العفن في مرايا بابل
سرد

مرافعات العفن في مرايا بابل

لم تكن هنالك أرضٌ بالمعنى الترابي المقدس، بل كانت هُناك مدينةٌ تُدعى "جحيم الرؤية"؛ حاضرةٌ شُيّدت بواباتها من زجاجٍ أعمى لا ينفتح إلا حين تَرمدُ العيونُ من فرط التحديق في ظلماتها. وسط ساحتها الكبرى، حيث الهواء يتخثر كثمالة نبيذٍ أسود، انتصبت قبةٌ عظيمة شُيّدت من مرايا سديمية عتيقة، تعكس الوجوه قبل…

· 7 د
الملل..!!
سرد

الملل..!!

استيقظتُ في السابعة. لم يكن لديّ ما أفعله. وهذه ليست مشكلة كبيرة، فكثير من الناس لا يملكون ما يفعلونه. المشكلة أنني كنت أملك يومًا كاملًا. نظرت إلى الساعة. كانت السابعة ودقيقة. انتظرت قليلًا. أصبحت السابعة ودقيقة. جلست. كانت السابعة ودقيقة. ذهبت إلى المطبخ. وضعت الماء في الغلاية. انتظرت. كانت…

· 2 د
فيروس..!
سرد

فيروس..!

كان هناك فيروس واحد لم يُصب أحدًا. لم يكن ذلك لأنه ضعيف. بل لأنه كان يخاف. كان يعيش عالقًا على سطح مقبض باب في مستشفى قديم، يراقب الناس يمرون أمامه، ويقتربون منه ثم يبتعدون. كل الفيروسات التي عرفها كانت تحلم بالدخول إلى جسد جديد. أما هو، فكان يريد شيئًا آخر. كان يريد أن يعرف ماذا يوجد في الداخل.…

· 3 د