انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

شئ غير الحلم

قصي الشيخ عسكر
قصي الشيخ عسكر

قاص وروائي عراقي

3 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
شئ غير الحلم
مشاركة:

يبدو أنّ كلَ شيء حدث وفق ترتيب غريب مألوف في الوقت نفسه، ولا دخل للمصادفة فيه. أما أصل الحكاية فيعود إلى لحظة اندفع فيها كلبي الصغير نحو غابة قد أكون مررت بها يوما ما، ولم تلفت نظري. وجدت هناك حارسا أشقر في الخمسين من عمره، تغطًي تجاعيد جبينه. سألته إن رأى كلبا يدخل الغابة، فأجاب بلطف أني يمكن أن أدخل فأبحث.

عبرت البوابة فوقع بصري على أشجار سرو وصنوبر، والغابة التي تلوح لا نهاية لها، تكاد تغص بكلاب من مختلف الأشكال والألوان والأحجام.

لم تلتفت إليّ تلك الكلاب، بعضها يستريح تحت الشمس وأخرى تغوص في الماء، ومجموعة تأكل. أملت أن يستدل الكلب عليّ بحاسته المألوفة. أوشك النهار ينتهي وإذ يئست مسدت على رقبة كلب شبيه بكلبي الضال، حملته بين ذراعيّ وخرجت. كان الحارس كما ظننت في الكوخ الصغير عند مدخل البواب، أو هكذا خٌيًل لي.

اليوم التالي تركت الكلب في المنزل وقصدت الغابة ذاتها. وجدت رجلا في الثلاثين من عمره أسمر البشرة فظّ الملامح واقفا عند البوابة، سألت كأن الحارس قبله كان صديقي أو أنّ هناك رغبة تحثٌني لمعرفة خبره:

معذرة أين الحارس الذي كان يقف مكانك يوم أمس؟

أجابني بصوت أجشّ لا يخلو من بعض ملامح صوت سمعته أمس:

ليس هناك من حارس غيري، أنا أعمل هنا منذ عقد، ولم أغادر مكاني.

لكن أمس..

أشاح بوجهه عنّي مقاطعا:

يمكنك الدخول..

هذه المرّة شككت في أن أكون أحلم، بصري وقع على حشود من قطط مختلفة الاشكال والأحجام والألوان، قطط على الشجر وبين السواقي وأخرى تطارد فئرانا وقطط تهرب من لا شيء، أو تمارس الجنس. ألحت عليّ فكرة تسربت من أمس، فدنوت من قطة استأنست لراحة يدي فحملتها، ولم أر الحارس الفظّ الذي قابلته عند اجتيازي البوابة، فلعله يستريح في الكوخ، قلت من قبل إنها ليست المصادفة تجعلني أرى أشياء فأجد غيرها في اليوم التالي، وإذ دخلت البيت وجدته فارغا من كلب جلبته يوم أمس.

ذلك دفعني لتجربة جديدة. مغامرة. اكتشاف. حلم. حقيقة، أي شيء قصدت الغابة يوما وآخر، وفي كل مرّة أجد حارسا جديدا يدعي أنه كان منذ سنوات في المكان ذاته، فأدخل.. لا أحد منهم يمنعني، التقط حيوانا ولا أرى الحارس القديم الجديد عند خروجي، جلبت إلى بيتي أرنبا وسنجابا..أفعى ..ديكا.. ابن عرس، ثعلبا، وكل حيوان يتلاشى حالما أدخل البيت بصحبة آخر…

وهكذا

آخر يوم لم أجد الحرّاس الحارس ذاته، والحاجز اختفى، فدخلت المكان كما لو أن شيئا ما ينقصني. الغابة اختفت وحلّ مكانها امتداد لسهل فسيح لانهاية له، يعبق بالرمل والحصى. أشكّ في نفسي. لو كنت في حلم لما تغيّرت الأشياء. أحاول أن أنسى كلّ ما حدث فأعود إلى البيت من دون أي حيوان أحمله معي.

فجأة

وأنا أدير مقبض الباب سمعت نباحا ومواء وصريرا. أصوات متداخلة لحيوانات جلبتها معي اختفت ثمّ عادت. كانت تتطلّع فيّ بنظرات مبهمة، فتراجعت..

تراجعت وقد تبادر إلى ذهني الفرار.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٥ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:١٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الحمار الذي هو
سرد

الحمار الذي هو

زياد كامل السامرائي لم أُبذلْ جهداً كبيراً وأنا أعتلي إحدى تلال مدينتي التي أَلِفْتُها منذ صباي، ولم أتكاسل، رغم عطشي وجوعي المتكرر الذي اعتَدتُ عليه حين فقدتُ حمارَتي البيضاء بفعل قصف مدفعي، نُسِفَتْ معها أحلامي في ولادة جحش صغير كأمه، أبيضَ، ذو عينين كبيرتين لامعتين، يساعدنا في حمل أثقال الحياة…

· 4 د
الموت للمرة الثانية.
سرد

الموت للمرة الثانية.

كان الصمت ثقيلاً يُطاقُ بصعوبة، يتخلله صرير العجلات على إسفلت الطريق الممتد نحو الجنوب. عبد الله يشدّ بفرط عجلة القيادة، وعيناه المحمّرتان تنظران عبر الزجاج الأمامي بذهولٍ غائم، بينما يثقل كاهلَ السيارة خشبُ النعش المحمول ف الخلف.. نعشُ سارة. كلما اهتزت السيارة، سالت من عينيه دموع حارة تكتوي بها…

· 2 د
مَصْرَعُ مَكْتَبَةٍ
سرد

مَصْرَعُ مَكْتَبَةٍ

كانت مكتبة (خورشيد) كشكًا صغيرًا في أحد أركان العالم، كأنها قطعةٌ من الزمن عُزلت عن كل شيء. رائحة الورق المعتّق تعبق في الهواء، ممزوجةً برائحة الخشب العتيق، فتملأ المكان بعبق الأجداد وسِيَرهم المعلّقة بين طيّات الكتب والصور المصفرّة. وعلى الجدران التي شهدت خيبات آمال الأجيال الماضية، عُلّقت صورٌ…

· 3 د