اجتمع رجال القرية فوق جثة كشفها الجفاف، كانت ذاكرتي تحتفظ بمشهد، لا يبرحها منذ الطفولة، مر ببطء شديد ووضوح لا يشوهه صوت الرجال من حولي.
كنا صبية ننتشي بأجواء ربيعية ساحرة، حقول خضراء يمتد فيها الزرع، ونخيل مترامي الأطراف يتاخم أهوارا فسيحة.
يومها كانت تجمعنا لعبة ( أم حجيم ) المحببة، كنا فريقين وكل منا يقيد رجله اليسرى بيده اليمنى، وقد حددنا الهدف، نخلة عظيمة يسعى كل منا أن يصلها قبل الآخر، وكنا نستريح جميعا بصنع سهاما من سعفها، ونخبئها لحين تغّيير اللعبة، قطع لعبتنا رجلُ، يركض بأقصى سرعته، حررنا أرجلنا وركضنا خلفه.
دخل الرجل إلى أحد مضائف القرية، متوجهاً نحو ( كوز ) ماء، يقع داخل حجرة طينية مسقوفة بسعف النخيل، كانت يده ترتجف، كأنها ريشة في مهب الريح، وهو يكرع الماء والعيون معلّقة عليه، حدّق في وجوههنا بمزيج من الابتسامة والخوف، ورسائل لم نفهمها يومها، رحت أتأمله، وكأني أريدُ لصورته أن ترسخ أبداً في ذاكرتي، كان شاب أسمر يرتدي بَذّة رسمية، يرخي ربطة عنقه الحمراء ويحل أزرار قميصه، لم يسترح، بل واصـــل ركضه السريع، واختفى في الأهوار، التي كانت ملاذا للمعارضين الفارين من الملاحقات اليومية.
حين وصلت مجموعة تطاردة، تحمل البنادق والمسدسات، تجمع بين الزي الشرطي والمدني، كنا قد استبدلنا لعبتنا بسهام صنعناها سابقا من سعف النخلة؛ صرنا نطارد المجموعة، وكلنا يقين أننا بفطرتنا نشاغلها عن ملاحقة الرجل ذي ربطة العنق الحمراء، أرعبنا أزيز الرصاص فوق رؤوسنا، فهربنا نختبئ بين البيوت، كم تملكنا الخوف يومها! إذ خِلنا بأننا أصبحنا مطلوبين، لكن شيئا في داخلي أشعرني أني ماعدت طفلا.
بعد أيام، تناقلت الألسن: أن ذلك الرجل المُطارد قد قُتل في عمق الأهوار، وعلى الأغلب قد دفن تحت نخلة، التي حظيت بعنايتهم، شاهقت ملامسة السماء، لتصبح علامة فارقة في المنطقة.
ومع إقامة السدود الترابية، التي جففت الأهوار، اتخذ المقاومون من تلك النخلة نقطة رصد، فأضحت مصدر رعب للطغاة، وكلما انحسرت المياه، انتشرت فسائلها لتصنع غابة مقاومة، وهذا ما حيّر أهل القرية.
كانت الضجة تزداد من حولي، وأصوات الرجال تعلو، وأغلبها يحدد هوية الجثة وفق الرواية التي يعيدها خيالي بوضوح، وكأن المشهد قد مر البارحة، وفي النهاية اتفق الرجال على أنها تعود لصاحب البَذّة الرسمية، وربطة العنق الحمراء، إلا رجل مسن يحيط به أولاده وأحفاده، ويتمم بثقة :لا لا..
كان يجلس القرفصاء، وابتسامة العارف تغطي وجهه، ثم وقف واتجه بنظره إلى المدى البعيد، وهو يسند براحتيه ظهره، بوقوفه صمت الحضور فجأة، وتوجهت الأنظار إليه، وبصوت حكيم أعلن أنه هو من يتحدثون عنه، وأن رصاصة أخطأته، فكمن حينها لعدة أسابيع في الأهوار بين البردي والقصب، وكان قد رفع ذراعيه الى السماء ملوحاً بكفيه، تهدج صوته، لكنه بلع ريقه وهتف : بيدي هاتين دفنت رفيقي تحت النخلة العظيمة.







التعليقات