انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مخاتلة

مهدي علي ازبيِّن
مهدي علي ازبيِّن

قاص وأديب عراقي

5 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
مخاتلة
مشاركة:

يسير في مدينة هامدة، منازلها حزينة، تبكي سكونًا، تذوي صمتًا، الإسفلت يتوسّد الطرقات، ينتظر عجلات أو أقدامًا تطؤه، تصحّيه.

يدفع باب السياج الموارب بقدمه، يتجه إلى الباب الداخلي يرفسه، يتسمّر عند بروازه، بصره يجول على الجدران والزوايا، ساكن منظره يحاكي تمثالاً، أو صورة يؤطرها الباب، تتفحصه امرأة عجوز، شبح هزيل يرتدي أسمالاً ملتصقة بجلده، أضلاعه نافرة، ذراعاه لوحا خشب مربوطان بوهن إلى جانبيه.

هيكل عظمي متوّج بشعر بلون التراب، ولحية غزاها الشيب تداعب التراقي، تقاطيع وجهه لا تنمّ عن تعبير، عيناه جامدتان لا ترمشان، متحجرتان داخل زجاجتين، هل هما طبقتان من دمع شفيف متجمّد على ضفاف زمن غابر؟ مقوس الظهر، يستدير بجسده حينما يروم تغيير زاوية النظر، عيناه ثابتتان وهو لا يستطيع أن يدير رأسه. غبار السنين يجلّله ليمحو ما تبقّى من ملامح، ميّت مع وقف التنفيذ، أو إنه عائد من قبره قبل لحظات، هل هو ميت وحي؟ أم حي وميت؟ تتشجع المرأة:

- ها بني هل تبحث عن أحد؟

-  ...........

لا يأبه، يدقّق النظر ببطء.

- هل أنت جائع ؟ سأضع لك بعض الطعام.

نظراته تحرث سطوح الجدران، تمسحها بهدوء، تحاورها، تسائلها. تنهض المرأة:

- استرح ، دقائق والطعام بين يديك.

واجم، ساكن، هل هو أصمّ؟ يغادر مخترقًا الأبواب. تأتي المرأة بالطعام، لا أحد يأكل؛ الزائر الغريب لا أثر له، تحاول اللحاق به.. ترد الباب تعود إلى مكانها، تنظر صوب برواز الباب، تتلفت متفحصة الجدران شاردة الذهن.. (تفجر رحم الأرض بما عبّئ فيها/ إنها تخرجهم؟ لا تلفظهم/ لأنهم أبناؤها وهي أمهم الرؤوم/ يخرجون هياكل هامدة- أموات/ هياكل تترك وفيها دبيب من حياة/ إنهم أشباه موتى/ هو فزاعة أو إحدى شخصيات الرسوم المتحركة/ هيكل عظمي يرتدي جلدًا طبيعيًا شاحبًا/ شاحب في كل شيء، حتى نظراته/ هل هو أبله؟).

يدفع الباب عنوة، تفزّ المرأة، يركل الباب، يقف تحت البرواز، يمسح الجدران، يقرأ شيئًا لا يعرف كنهه، قد لا يجيد القراءة، يتتبع الخطوط والصور بزجاج عينيه، المرأة تنقّل عينيها بينه وبين الجدران، تغصّ بالكلام:

- أخبرني من أنت؟ وماذا تريد؟

- ...........

يستمع لصمت الجدران، يحاورها؛ هل تردّ عليه؟ هنالك شيء مفقود يمنع الاتصال والتفاهم، يحول بينه وبين هذه الجدران العارية من أي شيء خلا ثقوب على فسيفسائها المتعب كأنها بثور، تنتأ منها مسامير متفرقة، يتوسطها مسمار كبير في الحائط المواجه، تتعلّق به صورة مائلة تهتزّ مع أي ريح تدخل الدار، تحار المرأة وهي تراه يعدّ الثقوب والمسامير:

- هل أنت تائه عن أهلك؟

يبحث، يسلّط شعاعًا واهنًا من عينيه على ذلك المسمار الكبير النابت في صدر الحائط، ترجوه بحنان:

-  هل تحتاج شيئًا؟

-  ...........

يظل يطرق.. يستدير، يتناءى عنها، يجر قدمين حافيتين تطآن الأرض متحاشيًا ضربها بعنف.

يطرق باب السياج، تتوزع الطرقات بين البيوت والأزقة الخاوية مرددة رجعها. يُستثار صوت باكٍ:

-  من هناك؟

-  أنا يا سيدتي، جاركم، من دخل بيتكم؟

-  أمره محيّر، لم يتكلم.

- صدمني عند ركن الزقاق، إنني أشبّه عليه.

    يصمت، يراجع ذاكرته:

-  إنه أبو عدنان صاحب هذه الدار قبل أن تسكنوه، لكن العجيب أن السلطات أبلغت أهله بوفاته.

 ينتفض:

-  سآخذ من يدلني على سكنهم الجديد، آمل نجد أحدًا من أهله؛ فأغلب الناس أخلوا المدينة ولجؤوا إلى القرى والأرياف.

يتركها، يهرول وهي تشيّعه، يبتعد، يتشظّى، يتداخل، يتلاشى.. تلج الدار، تفرك عينيها مسرنمة تبحر في الصورة مأخوذة.

يدفع الباب الخارجي، يقف شاب عند البرواز، توجّه المرأة عنقها نحو الشاب المتسمّر:

-  خالتي، هل تفوّه بشيء، أخبرينا؟

تمسح عينيها بكم ثوبها، تتمتم وهي تقرأ في عيني الشاب تلك الأسئلة الحائرة:

-   تكلمي، أين ذهب، أي اتجاه سلك؟

- لم أعرفه، لم أره من قبل.

تستدرك:

-  إنك عدنان ابن من سكنوا هنا.

- نعم يا خالتي، أخذوا والدي قبل عقدين من الزمن كما أخبرني أهلي، وبعد عدة سنوات أرسلوا قصاصة تعلم عن إعدامه من دون أن نرى جثته، هو ميت منذ ذلك الحين، والآن يقول جارنا السابق أنه رآه عندكم، كيف يعود وهو في عداد الأموات؟ اقتادوه وأنا طفل صغير لا أعرف ملامحه.. كيف تصرف معك؟ ماذا طلب منك؟

تترقرق الدموع في عينيها المحمرتين المتورمتين، تتكسر الحروف على شفتيها:

-لم ينطق بكلمة واحدة، إنه يدقق في هذا الجدار ومكان هذا المسمار الكبير.

تتسابق دمعتان على ذقن الشاب:

-يا خالتي، يحمل هذا المسمار صورتي الكبيرة وصورة والديّ تحتها، إنها محل صورة هذا الـ..، سنذهب للبحث عنه، فقدناه قبل عشرين سنة وها هو يعود، هل نفقده ثانية؟

يخرج متطيّرا يمسح وجهه بكفيه، تحيطه ثلة من الرجال عند الباب، يحيّونه بقلق، يتفرقون في الاتجاهات، تلاحقهم المرأة ببصرها وصوتها:

- بشروني حين تعثرون عليه.

تشابك أصابعها على رأسها: "إنه يشبهه، الطول والملامح، الابن شاب يافع، الأب إنسان مهدود، إنه بقايا إنسان، يقتات على فتات ذكريات ممحوة".

تقرقر مكبرات الصوت من جامع قريب: "يرجى البحث عن شخص ملتح، رثّ الثياب، يتجاوز الأربعين؛ على من يجده، تسليمه إلى الجامع أو الإخبار عن محل وجوده، وله الأجر والثواب".

البيوت تتقافز والشوارع تتململ، تنعطف الأزقة وهي تتواصل فيما بينها لتؤدّي إلى الشارع الرئيس.. يعود عدنان أدراجه، يتحرك في كل اتجاه، يسير متقاطعًا، متداخلاً، يتنازع مع نفسه منشطرًا، الفقاعات تنطلق من عينيه، البيوت تنتفخ، تلتمع بأشعة متشظية، تتداخل ألوان الطيف تختلف نسبها، يلف، يدور، يبحث في الأماكن نفسها، يسأل كل من يصادفه: "إنه إنسان كبير الحجم، ليس إبرة في كومة قشّ".

الأمل في العثور عليه يتضاءل، يبتعد، يضيع، الأبنية تتموج برتابة، فقاعة كبيرة ترافقه، يتبعها، يصل سكن المرأة المزروعة على السياج:

-  بشرني، هل عثرتم عليه؟

تنفجر الفقاعة، يمسح عينيه:

-  ألم يعد إليك مرة أخرى؟

ينطلق في بحثه مجدّدًا..

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٢٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

بَيْنَ كَفَّتَي مِيزَان
سرد

بَيْنَ كَفَّتَي مِيزَان

بَيْنَ كَفَّتَي مِيزَان تشهق ذاكرتي عند رؤيتها مقبلة بخطواتها نحوي. أفرك عيني للتيّقن من صحة الرؤية. تجمعني الصدفة معها على طريق عام بعد فراق أفقدني سماع أي خبر عنها. أفغر فاهي: كأبله مصدوم من لقائنا المفاجئ بعد تلك السنين. أقف مذهولاً: احتراماً لعشقي القديم، ولتلك الصفحة النقية من حياتي. تكوّر…

· 3 د
عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي
سرد

عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي

عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي بولص آدم لم أكن أهتمّ لجرحٍ ما عندما كنت طفلًا، بقدر ما كان الذهاب إلى مستوصف سكك حديد الموصل كابوسًا! أعود إلى بيتنا باكيًا من شدة الألم، مصابًا، وأغادر الشارع الملعب المحاذي للخط المتري للقطار. يفصلنا عنه سياج من قضبان خضراء متراصة، جنبًا إلى جنب، يمتد طوال الخط. كانت…

· 6 د
تحت الرماد
سرد

تحت الرماد

اسمُهُ يوسف الساري. شاعرٌ عرفته المقاهي الثقافية في زمنٍ بعيد، حين كانت المدن لا تزال تؤمن بالشعر كما تؤمن الأمهات بالدعاء. في أواخر الثمانينات، كان اسمه يتردد بين دفاتر الشباب، وقصائده تُنسخ بخط اليد على أوراق المحاضرات، وتُتداول كأنها رسائل سرية بين عشاق مجهولين. يكتب كما لو أن اللغة خُلقت لأجله…

· 7 د