انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

دموع بلا أقنعة

اياد خضير
اياد خضير

قاص عراقي.

2 دقائق للقراءة
20 مشاهدة
دموع بلا أقنعة
مشاركة:

عندما ينفض الليل عن المدينة صخب الباعة وأقدام العابرين، يعم السكون. يمضي طارق إلى النهر ويجلس على مصطبة إسمنت باردة تمتد بمحاذاة الماء. هناك يترك التأمل يأخذه بعيداً.

ماتت أمه فمات البيت معها. كان البيت قبلها يزهو بحركتها وحنانها. مرض الأب وانتقل لبيت الابن البكر، وبقي طارق يتسكع بين بيوت إخوته وأخواته.

في البداية كان يسمع: "اعتبره بيتك"، "تعال بأي وقت"، "أهلاً ومرحباً". 

وفي الزيارة الثانية والثالثة تغيرت الوجوه. صارت عابسة، تحاسب على كل حركة. 

غسل قميصه مرة، فصرخت زوجة أخيه: "خلصت التايد". 

في الشتاء صار يخاف من بخار الماء الساخن، كأنه ترف لا يستحقه.

علمته الأيام أن يرتدي أكثر من وجه. وجه للشارع يضحك، ووجه للبيت يصمت. تعلم أن يصافح بلا قلب، وأن يبتسم بأسنان صفراء متآكلة بينما عيناه لا تضحكان. تعلم أن يقول "أنا بخير" وهو ينهار، وأن يقول "أحبكم" وهو يرتجف من البرد.

صار ثقيلاً عليهم. يتملق كي لا يرمى في الشارع. لا يملك مالاً، ولا سقفاً، فصار الخضوع عملته الوحيدة.

دون كل هذا في دفتر قديم. كانت الدموع تنزلق ساخنة على خديه، وقلبه يعصره ألم الماضي الذي لا يمضي.

سكن أخيراً مع أبيه في غرفة صغيرة بالطابق الثاني في بيت أخيه. جزع من التسكع. لكن مرض الأب الذي أقعده الفراش، وكثرة طلباته أغاضت زوجة ابنه. في ليلة باردة أمرت زوجها أن ينتزع المفتاح من يد طارق وطرده. بقي الأب تحت سطوتها.

إلى أين يمضي؟ أغلقت كل الطرق. يراوده الانتحار للخلاص. لكن صورة الأب منعت يده، بكى حتى فقد التركيز، حتى صار رأسه ثقيلاً من التفكير.

تذكر صديقاً يسكن وحده، شكا له حاله. فتح له الباب ومنحه نسخة من مفتاح الشقة: "يخرج ويدخل متى شاء". صار أنيساً له، يعلمه الصبر والشجاعة. وكلما تذكر أباه بكى بحرقة.

لم تمض, أيام طويله حتى جاء خبر وفاة الأب. جن جنون طارق  ركض إلى مكان اقامة الفاتحة. رأى أخاه يرمقه بنظرات قاسية، خائفاً أن يفضحه أمام الناس. لم يحتمل. ضرب رأسه بالحائط وصرخ صراخ مبحوح، كعواء ذئب جريح. أمسكه الحاضرون بصعوبة. خرج من هناك وكأنه ناجٍ من قفص وحوش.

مضت السنون ثقيلة. نحت طريقه في الصخر، عائش على راتب بسيط. اعتكف عن الزواج، عقدته من وجوه زوجات إخوته لا تفارقه, كان يدعو: "يا رب انتقم من كل ظالم".

تحقق دعاؤه بعد سنين, سمع أن زوجة أخيه صارت طريحة الفراش، تصرخ كل ليلة من الألم, في البداية كان الجيران يهرعون، ثم اعتادوا الصراخ كما اعتادوا صراخ أبيه حين كان ينادي: " أريد  ماء... جيبولي أكل".

جلس طارق يقرأ الفاتحة على روح أبيه. لم يزد على كلمة واحدة: 

"الله يمهل ولا يهمل".

مشاركة:
اياد خضير
اياد خضير

قاص عراقي.

آخر تحديث: ٩ آب ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٥ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د