كانت الشمس تنحدر ببطء نحو المغيب، وتترك وراءها على الأرض المفتوحة مساحات شاحبة من الضوء. لم يكن في المكان ما يلفت النظر سوى امتدادات الملح التي ظهرت على سطح الأرض، كأنها بقايا بحر قديم جفّ منذ زمن، ثم نسيه العالم.
كان الجنود قد أنهوا يومهم الطويل، واتجهوا نحو مساحة الراحة. لم تكن أعمالهم كثيرة بقدر ما كانت غريبة؛ أعمال يخترعها الآمر حتى يمر الوقت، وحتى لا يبقى الفراغ مفتوحاً على أسئلة لا يريد أحد سماعها.
كانوا يتجرعون مرارة تناقضه بصمت، يفعلون ما يُطلب منهم، حتى حين لا يجدون في المطلوب معنى، فالعسكرية، كما اعتادوا أن يسمعوا: نفّذ ولا تناقش.
لكن حديث النفس لا يخضع للأوامر: إلى متى؟ وإلى أين نمضي؟ ولماذا؟
كانت الأسئلة تمر في الرؤوس مثل طيور خائفة، ثم تعود إلى أقفاصها قبل أن تصل إلى الشفاه.
الصمت كان أكثر أماناً. فالكلمة، في ذلك المكان، لم تكن مجرد كلمة؛ قد تصبح تقريراً، والتقرير قد يصبح تحقيقاً، والتحقيق قد ينتهي بشيء لا يعرف أحد كيف يبدأ، ولا كيف ينتهي.
كان الموقع معزولاً عن العالم، بعيداً عن المدينة بنحو خمسين كيلومتراً. لا شيء حوله سوى الأرض المالحة، وخيام متعبة، وبعض المعدات التي أكلها الغبار. وفي ذلك المكان لم يكن هناك صوت يعلو على صوت الآمر، إذ كان النقيب غانم قد تسلّم قيادة الوحدة قبل أيام قليلة فقط، كان حلمه القديم قد أصبح حقيقة؛ الرتبة على كتفه، والجنود يقفون أمامه، والأوامر تخرج من فمه فتتحرك الأجساد لتنفيذها.
كان يتبختر أحياناً أمام وحدته، كأنه يريد أن يقنع الآخرين، وربما يقنع نفسه، بأنه وُلد لهذه المسؤولية. لكن شيئاً آخر كان يسكن عينيه، كأنما هناك خوف خفي، كان يظهر ذلك عندما يواجه الضباط، ثم يختفي سريعاً خلف صرامة الوجه.
كان غانم يعرف في داخله أنه لم يكن أكثر شجاعة من الرجال الذين يقفون أمامه، ولذلك كان يتمسك بالرتبة كما يتمسك الغريق بخشبة: الرتبة جدار، والجدار يخفي ما وراءه.
مع حلول الظلام، أمر النقيب غانم بجمع الوحدة. اصطف الضباط والجنود أمامه، وقف الضابط الأقدم في مقدمة الصف، وأدى التحية، ثم قال:
ــ سيدي، الوحدة جاهزة.
أومأ غانم برأسه. ساد الصمت، كان صمتاً ثقيلاً، كأن الجميع ينتظر شيئاً لا يعرفون ماهيته. نظر النقيب غانم إلى الوجوه أمامه، ثم حاول أن يبدأ الكلام:
ــ اسمعوني جيداً... لدينا أمر يجب تنفيذه هذا المساء.
لم يتحرك أحد.
تابع:
ــ الخيام بحاجة إلى صيانة، ونحتاج إلى إبر وخيوط لإدامتها.
تبادل بعض الجنود النظرات، لذا قال الضابط المساعد بحذر:
ــ سيدي، هل تقصد الآن؟
نظر إليه غانم.
ــ نعم، الآن.
ــ لكن الظلام حلّ.
ــ أعرف.
ــ والمدينة تبعد خمسين كيلومتراً.
ــ أعرف ذلك أيضاً.
ــ سيدي، لا توجد وسيلة نقل مهيأة للذهاب والعودة في هذا الوقت.
التفت غانم إليه.
ــ هل سألتك عن الوسيلة؟
ثم قال بحدة:
ــ المطلوب واضح. الذهاب إلى المدينة وشراء ما نحتاج إليه.
عاد الصمت. كان كل وجه يخفي كلاماً، كانوا جميعاً يعرفون أن الأمر غير منطقي، لكن أحداً لم يكن يريد أن يكون أول من يقول ذلك.
في تلك اللحظة، تقدم الضابط عبدالله، كان أقل الضباط رتبة، لكنه كان أكثرهم تردداً في أن يترك عقله خارج المكان، وقف أمام غانم وقال:
ــ سيدي...
رفع غانم عينيه إليه.
ــ نعم ملازم عبدالله؟
ــ الظلام قد حل.
قالها عبدالله ببساطة، دون تحدٍّ، كأنه يذكر حقيقة لا تحتاج إلى تفسير.
أجاب غانم:
ــ وما المشكلة؟
ــ الطريق طويل، والمكان معزول، والظلام سيحل، فكيف سيتم خياطة الخيم.
ــ مهمتكم تنفيذ الأوامر، لا تقديرها.
تردد عبدالله لحظة، ثم قال:
ــ سيدي، نحن لا نرفض الأمر، لكن الأمر غير منطقي، ثم الصباح رباح كما يقولون.
تغير وجه غانم.
ــ هل أصبحتَ تتحدث باسم الوحدة؟
ــ لا سيدي.
ــ إذن تحدث عن نفسك.
ــ أتحدث عن الإنسان الذي سيركب في الظلام خمسين كيلومتراً بحثاً عن إبرة وخيط.
ساد الصمت مرة أخرى. نظر غانم إلى بقية الجنود، كأنه يبحث عن عين تؤيده، فلم يجد إلا عيوناً تتجنب النظر إليه.
قال:
ــ أنت تعرف معنى الأمر العسكري؟
ــ أعرفه سيدي.
ــ وتعرف أن مخالفة الأمر لها تبعات؟
ــ أعرف.
ــ فلماذا تواصل الكلام؟
أجاب عبدالله بهدوء:
ــ لأن أخطر ما في الأمر ليس أن نطيعه خارج نطاق العقل، بل أن نفقد القدرة على السؤال.
لم يتحرك أحد. كانت الكلمات قد خرجت من فم عبدالله، لكنها بقيت معلقة في الهواء.
قال غانم:
ــ أنت ترى نفسك حكيماً؟
ــ لا سيدي.
ــ إذن ماذا ترى نفسك؟
رفع عبدالله عينيه إليه.
ــ جندياً يحاول أن يفهم.
ابتسم غانم ابتسامة قصيرة باردة.
ــ وهل الجيش مكان للفهم؟
أجاب عبدالله:
ــ إذا لم نفهم، فكيف نعرف ما الذي نحميه؟
تغيرت ملامح غانم.
ــ كفى.
لكن عبدالله لم يتراجع.
قال:
ــ سيدي، أحياناً يكون الظلم في الأمر نفسه، وأحياناً يكون في اعتيادنا عليه.
حدق غانم فيه.
ــ ماذا تقصد؟
ــ أقصد أن الإنسان قد يصل إلى مرحلة يبرر فيها ما لا يمكن تبريره، فقط لأنه اعتاد عليه.
كانت الجملة الأخيرة أثقل من المكان كله. لم يجب غانم، استدار ببطء، ثم قال لمساعده دون أن ينظر إلى عبدالله:
ــ تشكيل لجنة تحقيق مع الضابط عبدالله لعدم إطاعته الأوامر.
ارتفعت همهمة خافتة بين الصفوف، لكنها ماتت سريعاً.
عاد الملازم عبدالله إلى مكانه، ولم يتكلم أحد. تفرق الجنود بعد دقائق، لكن شيئاً من الكلام ظل عالقاً بينهم.
تلك الليلة لم يذهب أحد إلى المدينة، وبقيت الخيام تنتظر إبرها وخيوطها. في ساعة متأخرة، هبت ريح باردة على الموقع، فبدأت إحدى الخيام ترفرف بعنف. انشق طرفها القديم، واتسع الشق قليلاً، فدخل منه ضوء القمر.
استيقظ أحد الجنود، خرج من خيمته، ووقف أمام الشق. ظل ينظر إليه طويلاً، كان هناك خيط واحد متدلٍ من الحافة الممزقة، يتحرك مع الريح، مد الجندي يده نحوه، ثم تركه. وفي الجهة الأخرى من الموقع، كانت خيمة النقيب غانم مغلقة بإحكام.
أما الضوء، فكان يواصل دخوله من الشق الصغير، كأن الظلام مهما أحكموا إغلاقه، يترك دائماً خيطاً واحداً للحقيقة.








التعليقات