على عادته، يفتح صديقي خالد باب السيارة ويغوص في جوفها ويستقر في المقعد الأمامي.. قال:
- ثمة سؤال شرس، بل كئيب، يدق أعماقي بعنف وحشي.. السؤال يبرز في خطوطه العريضة: ما هي الحياة؟! إنها حقاً حيرة عميقة تفتت دواخلي.
يقال إن الحياة فيض من أوهام انحدر من أزل غامض إلى أبد لا نهاية لغموضه.. وليست اللذة في كشف الأشياء الواضحة، وإنما هي في بحث الأسرار الجاثمة والتوصل إلى التأثير السائغ والنتيجة البارعة.
يقال إن الوظيفة تكبل الإنسان بقيود ثقيلة وهي محاولة للنيل من حريته وسجن مؤبد يغلف الإنسان بالروتين ويقتل فيه روح المبادرة والإبداع.. ورأي آخر يقول إن الوظيفة مجال للإبداع وطريق لكسب المعرفة والصداقة وأداء شيء نافع.
أما أنا فأقول: إن الوظيفة حاجة لا ترف، وقد تكون ترفاً مكتظاً بالمباهج، ولكني لم أوفق إلى شيء من ذلك، فهي عندي ضرورة لا لذة. ولما دفعتني الحاجة إليها، شعرت بانحدار يمض النفس ويضعف الحواس، فكنت في حاجتي إليها شبيهاً بمن يسكن إلى السرطان المزمن تهرباً من الحمى العارضة.
لست متوهماً يتخذ من خيوط الشمس حبالاً يتمسك بها وهو معصوب العينين، فقد بلغت خريف العمر من حياة مليئة بالأوجاع والآلام، ومتى بلغت الحياة الفناء فهي لا تتسع لضلالات النفس.
قد يحترق الشيء فيستحيل رماداً، ولكن الشمعة تذوب أولاً ثم يتجمع الذي ذاب فيها فيتجمد ثم يذوب ثانية، وما يضيع منها إنما هي الذبالة، وما الذبالة إلا من بعض الأقطان الرخيصة.
لم يكن صديقي خالد موفقاً في وظيفته، فالأحاسيس تزدحم في دماغه يتخللها السأم والكآبة بسبب العداء من مسؤوله الإداري الذي ركنه في عمل ممل. رمقني بعينين فاقعتين من شدة التعب.
قلت والألم يعصر قلبي:
- إن الحياة على ما فيها من محن وأكدار ليست هينة لا تستحق العناية والولاء. وحتى الذي فقد الأمل والرجاء منها، يتردد في عبور قنطرة آيلة للسقوط، ولكن الركض مع العاصفة خير من الارتعاش منها. والذي يجوب الصحراء قد يضل الطريق وقد يخدع بالسراب، فالخطأ والصواب لا بد منهما في الحياة، إنما الزلة شيء والعثرة شيء آخر. والذين يعرفون لا يتكلمون، والذين يتكلمون لا يعرفون، وليس من الحكمة أن يفضح الإنسان أسراره لا سيما في ظرف بلغت فيه مزاعم الزاعمين حد الإسفاف.
وفي اليوم التالي.. كان يوماً مشرقاً.
نظرت إلى خالد والابتسامة لا تفارقه، صفا الصوت في بلعومه. شيء ما في داخلي يوحي برحيل مسؤوله الإداري المقيت.. فأحسست بانزياح الظلام وسيطرة النور على حياتنا الجديدة.








التعليقات