انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

خياشيم العدم: طوفان سومر في حوض فايتر

نص ميتاسريالي

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

7 دقائق للقراءة
9 مشاهدة
خياشيم العدم: طوفان سومر في حوض فايتر
مشاركة:

على شاطئ بحر الملح، أقف. هذا البحر الخرف الذي لا يُحسن عدّ الغارقين في جوفه، ولا إحصاء القوارب التي ضلت طريقها، ولا أعداد السفن التي ابتلعها في غفلة من التاريخ. هنا، حيث ينتهي اليقين، أتشرّبُ يومي كما لو أنّه ماءٌ مكرّر المذاق:

 نفسُ الملح الخشن على الشفاه، نفسُ الضجيج الكوني البعيد الذي يطحن العظام، ونفسُ الخوف الخفيف الذي يلبسني كل صباح مثل قميصٍ مبلّل بالندى البارد.

لكن، حين أقترب من حافة الماء، لا يعود البحر بحراً. ينكمش المحيط الهائل، يتكثف، ينسلخ عن زبده الغاضب ليعود أنتِ؛ سمكتي العزيزة، سمكة "الفايتر". أنتِ مرآتي الصغيرة الملونة، المرآة التي لا تملك وجهاً بشرياً كي تبكيني أو ترثي لحالي، ومع ذلك، تفتحين في داخلي ما يشبه باباً أثرياً بلا مقبض، باباً يُفضي إلى غرف الروح المنسية.

أنا لا أراكِ يومياً فحسب؛ بل أسترجع من خلالك ومضات وجودي. كلما لاح طيفك، تتفتح بداخلي مشاهدُ متناقضة بلا ترتيب. أسترجع لحظات سعادتي، كأنني أتنفّس في زمنٍ آخر لم تطأه قدم الخطيئة. ألوانُكِ القزحية تتذكّرني قبل أن أتذكّرها، تسبقني إلى الفرح ككائن صغير يهرب من الظلام. ضحكةٌ منسية، وعدٌ قديم، ودفءٌ قصير كان يكفيني لمواجهة شتاء كامل.

ثم، وكما هي العادة في هذا الكون المختل، تأتي لحظات بؤسي. تأتي ثقيلة، أثقل من موجٍ غاضب يفاجئ الشاطئ، وأبطأ من دمعةٍ ترفض السقوط. يدخل الحزن دون أن يقرع الباب، يستقر في صدري ويطالبني بالضيافة. أحاولُ أن أتكلم معكِ حينها، لا لأنكِ تحتاجين إلى كلامي العاجز، ولا لأنكِ تفهمين أبجدية البشر المكسورة، بل لأنّي أنا، الكيان الذي ينهار بصمت، أحتاجُ إلى وسيطٍ لا يُصدر الأحكام، محكمة بلا قضاة ولا مطارق.

سمكتي لا تُبدي سوى الألوان. وجمالها ليس مجرد وصف نطلقه على الأشياء، بل هو اعترافٌ صارخ بصوتٍ داخلي، كأنّها تخرج من حكايةٍ قديمة لم تُكتب قط، وكأنها حورية بحرٍ ممسوخة تتكلم بلغةٍ بصرية لا نملك لها قاموساً. مع كل انبثاقٍ لظلٍّ من ظلالك تحت الماء، أشعر أني أعيشُ حياةً ثانية؛ متوازية ومزدوجة. حياةٌ أولى تُكتب على سطح الماء الهش، وحياةٌ أخرى تُمحى بوحشية في أعماقي.

عند هذه النقطة الفاصلة بين الوهم والواقع، أستدعي أساطير سومر. أستدعي الطوفان العظيم، كما لو أنّه "أنا" آخر يشاركني الجسد. أستدعيه لأنني أشعر أحياناً أن الحياة ذاتها طوفانٌ لا يكتفي بالهدم البسيط، بل يصرّ بسادية غريبة على أن يجعلني أعيش وأتنفس وسط أنقاضٍ مؤلمة، أنقاض مكتوبة بطريقتها الخاصة. طوفانٌ قادرٌ على تطهير المدينة الملوثة التي في داخلي، أو تحطيمها تماماً حتى الأساس. أقف أمام حوضك، وأخاطبك كأنك سفينة النجاة الوحيدة، أو حمامة نوح التي تأخرت في العودة. أقول لنفسي: إذا كانت الأساطير قد وُجدت لتُنقذ الإنسان الأول من الانهيار أمام قسوة الطبيعة، فهل ينقذني طوفانٌ جديد من قسوة نفسي؟ هل يمكن للطوفان، ولو جزئياً، أن يغسل داخلي؟

ثم أعود إليكِ. أهرب من طوفاني إلى عينين لا تُريانِ بوضوح، وإلى ذيلٍ يواصل الرقص ببراعة ضد فكرة السقوط.

أبدأ بالسؤال، كما يبدأ اليائسون الدعاء في فوضى محترمة:

 ما هو سر الجمال في زعنفتك الظهرية؟ إنها ليست إجابة سريعة، بل سؤال يتشعّب كالأمواج. هل جمالك في هيكلها المادي؟ أم في الطريقة التي تثيرين بها دوامات الحركة حولكِ؟ تبدو تلك الزعنفة كقوسٍ متمرد لا يثبت على حال، كخطٍّ مرسومٍ بريشة مجنونة على صفحةٍ من ماء تتحرك باستمرار، كالراية التي ترفض أن تُنكّس في معركة خاسرة. ألاحظ كيف ترتّبين الأمواجَ الصغرى حولكِ كي تصبح جزءاً من هيئةٍ واحدة، كأنها هندسةٌ إلهية تتظاهر بذكاء بأنها مجرد صدفة. في تلك الزعنفة الظهرية المتأهبة، أرى فكرةً في حياتي؛ فكرة تحاول أن تظل واقفة بشموخ رغم أننا نسقط ونتهاوى باستمرار. أرى فيها المعنى الذي يهرب منّي كلما حاولتُ إمساكه. وكلما ارتفعت زعنفتك، أشعر أنني أستطيع أن أرفع رأسي قليلاً أيضاً، حتى لو لم أغير شيئاً من بؤس الواقع.ثم... أدير ظهري للبحر وأحاور جان بول سارتر ورأسي مزدحم بالاسئلة:

أخبره أني أكره هذه الحتمية، أكره أن تُفسَّر حياتي في النهاية بأنها مجرد عبث عشوائي. أخبره أني حين أواجهكِ يا سمكتي، حين أراقب إصرارك على السباحة في حيز ضيق، أشعر أن كلمة "الاختيار" ليست مجرد شعار أكاديمي زائف، بل هي طريقةٌ حقيقية للبقاء. أسأله:

 إذا كنتُ لا أملك أدنى سيطرة على هذا البحر الكوني الهائج، فهل يمكنني على الأقل أن أختار كيف أُفسّر ما يحدث لي؟

يردّ سارتر بصوته المبحوح من داخل ذاكرتي:

 "إنك تُثبّت وجودك عبر المعنى الذي تمنحه لحريتك الخالصة".

لكنني أبتلع ريقي وأكتشف، في سريالية المشهد، أن المعنى قد يكون سكيناً ذات حدين أيضاً؛ سكيناً يسلخ الجلد ويجعل جُرحي أوضح، وأكثر إيلاماً،أترك سارتر يتلاشى في الدخان، وأستدعي ألبير كامو:

أقول لكامو وأنا أشير إلى الطوفان السومري الذي كان يثور في مخيلتي: "كيف تطلب مني أن أبتسم بينما الطوفان يزحف ليبتلع كل شيء؟ لماذا أشعر أني وحدي من يظل يركض لاهثاً خلف معنى مفقود"؟

يجيب كامو بوجهٍ صامتٍ ونظرة تخترق العبث:

 "العالم لا يشرح نفسه يا صديقي. أنت فقط الذي تواصل دفع الصخرة"

عندها، أحسّ أن مواصلة وجودي لا تعني بالضرورة أني أفهم سر اللعبة، بل تعني ببساطة أني أرفض أن أُسلم عقلي للانهيار المجاني.

وأنتِ يا سمكتي العزيزة... لا تجيبين...!

لا تجيبين لأن إجابتك أسمى من أن تُحصر في قوالب الكلمات البشرية الركيكة. إجابتكِ هي الحركة المطلقة، ارتفاعٌ صغير ومفاجئ للزعنفة الظهرية، وتمايلٌ أنيق يجعل بؤسي الثقيل أقل يقيناً. كأنكِ تقولين لي بصمتك الملون:

 "المعنى لا يُقال يا سيدي... المعنى يُرى"

أجلس على الرمال المالحة، وأحاور نفسي أيضاً عن فجيعة الولادة،ما معنى أن نولد رغماً عنا؟ هل هي حقاً لحظةُ دخولٍ مبتهج إلى الضوء، أم أنها لحظةُ فقدٍ جماعي قاهر لبراءة العدم الأليف؟ هل الولادة وعدٌ بالخلاص، أم أنها عقوبة مؤجلة تُنفذ بالتقسيط المريح؟ هل معنى الولادة أن أكون حاضراً بقوة؟ أم أني مجرد نص أُفسّر وأُؤول من قبل الآخرين؟ أم أن الرحلة كلها تتلخص في أن أتعلّم كيف أتعايش مع العدم المرعب دون أن أرفع له راية الاستسلام الأبيض؟

ثم أرى في حركة ذيلك المتموج جمالاً آخذاً، جمالاً طاغياً لا يرحم ضعفنا، لكنه كريم في فيضه. جمال الزعنفة الذيلية يشبه وعداً إلهياً لا نقدر كبشر على إتمامه. بحركة واحدة منك، يُبدّدُ ذيلك المسافة الشاسعة بيني وبين رغبةٍ قديمة مدفونة بالنجاة. أفهم، ولو للحظة واحدة مسروقة من الزمن، أن الذيل ليس نهاية السمكة، بل هو استمرار دافق للحركة. أفهم أن نهاية الخط المستقيم لا تعني أبداً نهاية الدوران الكوني، وأن الحركة، حين تتجرد من الغاية، قد تكون شكلًا من أشكال الصلاة الصامتة. حين يتأرجح ذيلكِ، أشعر أن كل شيءٍ بدا لي صلباً وثابتاً في حياتي صار يرقص قليلاً، يتخلخل، حتى الخوف ذاته يفقد هيبته ويصبح أقل يقيناً.

أقدّر هذه اللحظة في سكرتي الوجودية الأخيرة. أكتب في داخلي "آخر سطر" على رمال الشاطئ:

إن هذا الكون، رغم كل أساطيره السومرية، ومفاهيمه المعقدة، وفلاسفته المنظّرين، يظلُّ صامتاً. صامتاً ببرود، مثل بحرٍ أعمى لا يتعمد إيذاء أحد، لكنه لا يهتم إن أغرقك. الكون لا يبالي مطلقاً بمعاناتي. أقولها الآن، وأنا أسمع صدى صوتي كما يسمع الغريقُ صدى أنفاسه الأخيرة تحت الماء. قولي هذا ليس شتيمة للسماء، بل هو حقيقةٌ عارية بلا غاية.

لكنّي، وهنا تكمن المفارقة، لا أستسلم للحقيقة وحدها...!

أعود إليكِ يا سمكتي، أقترب من حوضكِ أكثر. لا امل ان تُنقذيني من طوفاني، فالسفينة قد غادرت، بل كي أتعلم منكِ طريقة البقاء. أتعلم أن أعيش مع هذا "اللا اكتراث" الكوني دون أن أفقد القدرة الشخصية على التوهّج. أتعلم أن الصمت ليس تبريراً كافياً لليأس، بل إن الصمت أحياناً يخلي الساحة لشيء آخر أكثر بلاغة: اللون...!

في آخر النهار، عندما تبتلع الشمس أشعتها وأبتعد قليلاً عنكِ، ألاحظ أني أودّعكِ ، وأغلق باباً وأودّع نسخةً قديمة منّي؛ نسخة ساذجة كانت تظن وهماً أن الألم يجب أن يُفهم أولاً كي يُحتمل. أكتشف الآن أن ما يسندني ويجعلني أحتمل وطأة الوجود ليس الشرح، ولا التحليل الفلسفي، بل هو الجمال الصغير الذي يرفض أن يتلاشى. هو اللون. ألوانكِ يا سمكتي العزيزة هي سجّلي الأخير الذي أدوّن فيه بقائي. حين لا يبالي الكون بأسره، يظلّ الجمال وحده قادراً على جعل صمت العالم مفهوماً، بطريقةٍ أخرى.

ولذلك، سأعود غداً....!

أتعثرُ كل صباحٍ في نفس الممرّ الذي يقودني إلى الماء، كأنّ البحر عادةٌ يوميةٌ تُعيد ترتيب خوفي داخل صدري. أجيء متأخراً قليلاً، لا أعرف لماذا، لكنني حين أراكِ، يتأخر كل شيء آخر، بل ويتوقف التوقيت، ويتحوّل المكان إلى جملةٍ طويلة لا تنتهي. يومياً حين تلوّحين بألوانك كرايات نصر صغيرة... أسترجع سعادتي المسروقة، وأستقبل بؤسي بشجاعة، وأحاور الفلاسفة داخل مقهى صدري المزدحم، ثم أسمح للبحر، بكل بساطة، أن يكون بحراً... وللحياة أن تبقى محاولة مستمرة، حتى لو لم يكن هناك أحدٌ في الأعلى يهتمّ.

أعود غداً وأنا أعلم يقيناً أن الكون لا يبالي. أعود لأنني أريد "سمكتي العزيزة" أن تبالي...!

أنتِ الطوفان المصغر الذي لا يغرقني، بل يغسلني. وأنتِ النجاة التي لا تحتاج الكلام لتثبت حضورها. أنتِ سؤال الظهر والذيل، كزينة بصرية في حوض زجاجي، وكمعنى حيّ يتحرك، يرفرف، ويقاوم. وحتى لو كان الكون الواسع لا يبالي قط بمعاناتي الإنسانية الضئيلة، فأنا، على الأقل، سأظل أبالي بالجمال الذي تمنحيني إياه ،انت ياهذا الكائن الصغير؛ الجمال الذي وحده له القدرة الخارقة على الاستمرار...!

مشاركة:

آخر تحديث: ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٤٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مخاتلة
سرد

مخاتلة

............ قصة قصيرة مهدي علي ازبيِّن يسير في مدينة هامدة، منازلها حزينة، تبكي سكونًا، تذوي صمتًا، الإسفلت يتوسّد الطرقات، ينتظر عجلات أو أقدامًا تطؤه، تصحّيه. يدفع باب السياج الموارب بقدمه، يتجه إلى الباب الداخلي يرفسه، يتسمّر عند بروازه، بصره يجول على الجدران والزوايا، ساكن منظره يحاكي تمثالاً،…

· 5 د
تحت الرماد
سرد

تحت الرماد

اسمُهُ يوسف الساري. شاعرٌ عرفته المقاهي الثقافية في زمنٍ بعيد، حين كانت المدن لا تزال تؤمن بالشعر كما تؤمن الأمهات بالدعاء. في أواخر الثمانينات، كان اسمه يتردد بين دفاتر الشباب، وقصائده تُنسخ بخط اليد على أوراق المحاضرات، وتُتداول كأنها رسائل سرية بين عشاق مجهولين. يكتب كما لو أن اللغة خُلقت لأجله…

· 7 د
عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي
سرد

عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي

عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي بولص آدم لم أكن أهتمّ لجرحٍ ما عندما كنت طفلًا، بقدر ما كان الذهاب إلى مستوصف سكك حديد الموصل كابوسًا! أعود إلى بيتنا باكيًا من شدة الألم، مصابًا، وأغادر الشارع الملعب المحاذي للخط المتري للقطار. يفصلنا عنه سياج من قضبان خضراء متراصة، جنبًا إلى جنب، يمتد طوال الخط. كانت…

· 6 د