تحت شجرةِ الفراشةِ الملونة، حيث تتدلى عناقيدُ الضوءِ كأجراسٍ صامتة، يتوقّفُ الزمنُ لحظةً، يَحبسُ أنفاسَهُ كي لا يقطعَ سِرّيهما المتدفق في عروقِ الغيب.
الوردةُ... والظلُّ... عاشقانِ أزليان، لا يكتملُ تكوينُهما إلا حين يتلامسانِ برقةٍ موجعةٍ على حافةِ الوادي السحيق. الوردةُ تقفُ في مكانها، ثابتةً ومرتجفةً في آنٍ واحد، كأنها تُؤلّفُ نفسها من خيوطِ الضوءِ المنسوجةِ في رحمِ الفراغ. بتلاتُها الملساءُ تحاولُ قولَ شيءٍ غيرِ مباح، لغةٍ لم تخلقْ بعدُ لتنطقَ بها ألسنةُ الطين.
أما الظلُّ، فكان يلتفُّ حولها، ينعطفُ وينحني كما لو أنه اعترافٌ طويلٌ وممتدٌ، اعترافٌ لا يعرفُ كيف ينتهي، ولا من أين بدأ. لكنّ الفراشةَ التي تُسافرُ بخفةٍ ما بين المعنى والريح، كانت أجنحتُها غارقةً في دوّامةٍ من العمل؛ دوّامةٌ تدورُ فيها ألوانُ أجنحتِها كعقاربِ ساعةٍ لا تتوقّفُ عن طحنِ الثواني. وكلما اقتربَ الظلُّ من لونٍ أكثرَ دفئاً، تذكّرا فجأةً أنّ لكل لحظةٍ في هذا الوجودِ فاتورةً باهظةً، ولكلِ اشتياقٍ جدولًا صارماً، وأنّ عاشقَينِ، مهما كانا واضحَين كالشمس، يحتاجان أحيانًا "إذنًا" من الوجودِ ليمارسا حقهما في البقاء.
قالت الوردةُ وهي تُنصتُ بخشوعٍ لنبضِ الظلِّ الممددِ عند جذورها:
تخيّلْ أنني أعرفُ مواعيدَ غيابكَ سلفاً... ثم أختارُ، بكاملِ حريتي ورغبتي، أن أُزهرَ رغمها، وأن أفتحَ صدري لرياحِ الانتظار...!
أما الظلُّ فكان يردُّ ببطءٍ شاعريّ، يتمددُ وينكمشُ مع حركةِ الشمس:
وتخيّلي أنتِ أنني لا أملكُ جسدًا يحتوي أوجاعي... ومع ذلك أظلُّ حاضرًا وكثيفاً في كل مكانٍ تكونينَ فيه، أُعانقكِ دون أن أخدشَ عطرَكِ...!
ثم تعبثُ الدوامةُ، تأخذُ الفراشةُ استراحةً قصيرةً من لهاثِ الوجود، وتعبثُ بشعرِ الوردةِ تمازحها. تهبطُ فوق أغصانِ شجرةِ الوردةِ الملونة، وتستقرُّ كعلامةِ ترقيمٍ حاسمةٍ بين سطرينِ مضطربَين. نقطةٌ صغيرةٌ تقولُ بصمتٍ: "هنا... يجوزُ التنفّس"
تتسلّلُ الفراشةُ من دوّامةِ العملِ والمادةِ إلى مساحةٍ خفيفةٍ من الروح، وتتحول أجنحتُها الشفافةُ إلى ستارةٍ مسرحيةٍ تنكشفُ ببطء، ليرى الظلُّ المشهدَ، ويكتشفَ برعبٍ ولذةٍ أنّ المشهدَ يراهما أيضًا، ويحصي عليهما نبضاتِ العشق.
عندها يستعيدُ العاشقانِ طقسَهما السرّي:
"المناغاةُ الشاعرية"
هي ليست مناغاةً لتبادلِ أصواتٍ خرساء، بل لاستدعاءِ ذكرى غافية. كلماتٌ تُقال بلسانِ الوردةِ وظلّها، ومعها تتبدّلُ اللغةُ نفسُها، تتخلى عن حروفها لتصبح ظلًا آخرَ يسبحُ في الفضاء.

تقولُ الوردةُ بصوتٍ يشبهُ الندى:
يا ظلّي... يا عاشقًا لا يرى نفسَهُ إلا حين يَلمسني... هل تتذكّرُ اليدين؟ يدي حين كانت تكتبُك بحبرِ الشوق... وظلُّك حين كان يقرأني بشغفِ الأعمى المبصر؟
يجيبُ الظلُّ، وصوتهُ حفيفٌ ناعم:
أتذكّرُ... الأيدي حين كانت تتصلُ، وتتشابكُ الأصابعُ في الظلام، وتصبحُ عهدًا سريًا معقوداً في خاصرةِ الأبدية. الحبُّ لا يحتاجُ دائمًا إلى قتالٍ وملحمة... بل يحتاجُ فقط إلى لحظةِ صفاءٍ نادرة، حيث يتطابقُ الباطنُ مع الظاهر.
لكنّ ميتاسريالية القصة لا تسمحُ ببساطةِ النهايةِ ولا باستقرارِ المشهد. ففي كل مرةٍ يذكران فيها "قصةَ عشقِهما"، يظهرُ ظلٌّ ثالثٌ... ظلُّ القصةِ نفسِها، كأنه كاتبٌ متلصصٌ يتخفّى خلفَ لحاءِ الشجرة. يتقدمُ ذلك الظلّ بخطواتٍ لا تُرى، ويهمسُ للوردةِ بلسانِ العارفين:
أنا أيضًا كنتُ عاشقًا ذات يوم، لكنني عشقتُ السردَ المتعب، ونسيتُ أن أعيش.
تلتفتُ الوردةُ إلى الذي يقرأُ الآن، تتخطى الجدارَ الرابعَ دون أن يشعر، وكأنها تنظرُ في عينيه مباشرةً لتقول:
هل ترى؟ نحن لا نعيشُ القصةَ كما تتوهّم... نحن نعيشُ كونَها تُحكى، نحن مجردُ أنفاسٍ في صدرِ النص.
ويضيفُ الظلُّ مؤكداً:
دوّامةُ العملِ كانت تصرخ: لا وقتَ للحب! لكنّ الاستراحةَ تعلّمنا الحقيقةَ العظمى: الوقتُ يمكنُ أن يترنّحَ، أن يسقطَ، وأن يُلغى تماماً.
وكأنّ الشجرةَ نفسَها قررتْ أن تُجازي حُبّهما العابرَ للأبعاد، تتحولُ الفراشاتُ إلى حروفٍ خفيفةٍ تسبحُ في الهواء. حروفٌ تطيرُ، وتلتفّ كالهالةِ حول الوردةِ والظل، وتكتبُ عليهما اعترافًا جديدًا لا يشبهُ الاعترافاتِ السابقة. تُدركُ الفراشةُ أن الحبَّ حين يتذكّرُ نزيفَ الأصابعِ على أوتارِ الوجع، لا يعودُ إلى الماضي فقط ليتباكى، بل يصنعُ حاضرًا مشعاً من الذاكرة، ويتركُ على شجرةِ الفراشةِ الملونةِ وشمًا وعلامةً لا تُمحى.
إنها استراحةٌ مقدسةٌ داخل دوّامة الذكريات. في تلك اللحظةِ بالذات، يتنفّسُ الزمنُ أخيرًا بملءِ رئتيه، وتستقرّ الفراشةُ فوق شجرةِ الورد، وتستقرّ الوردةُ فوق ظلّها، ويستقرّ الظلُّ داخلَ المعنى الأعمقِ للوردة. وكأنهما اكتشفا أنّ العاشقينِ في حقيقةِ الأمرِ ليسا اثنين فقط، بل ثلاثة: الوردةُ، والظلُّ، والقصةُ التي تجمعُ أشلاءهما.
لكن، وفوق شجرةِ الورد والفراشةِ الملونة، حيث كان الكلُّ يترنّمُ كأنهم يعزفون قصيدةً نمتْ وتبرعمتْ داخلَ وردة، انقلبتِ الجملةُ إلى قدرٍ مفاجئ ومفجع.
ما إن اكتملَتِ المناغاةُ، وبلغَ النشوةُ منتهاها... حتى انفتحتِ السماءُ كفمٍ جائع، على شكلِ علامةِ استفهامٍ سوداءَ عملاقة:
...! عاصفةٌ رعديةٌ جاءت، كاعتراضٍ كونيٍّ غاشمٍ على هذا الحبّ الخالص
ارتجفتِ الأغصانُ خوفاً، وانشقّ الهواءُ كقطعةِ قماشٍ مهترئة. وكان الرعدُ يدوّي كطبلةٍ وحشيةٍ لا يعرفُ من يقرعها في الفراغ غير أسماءٍ قَديمةٍ لآلهةِ الغضب.
ثم، من رحمِ تلك الشقوقِ السوداء، ظهرت زنابيرُ عملاقةٌ، تحملُ إبراً صدئةً تقطرُ موتاً، بملابسَ متوحشةٍ لا تنتمي لهذا العالم. كلُّ زنبورٍ كان يحملُ أسطورةً كاملةً من الشرِّ المحض؛ كانت جيوشًا من "الغرائزِ" البدائيةِ ترتدي أجنحةً معدنيةً حادة، مغطاةً بقشورِ سمكِ القرشِ المدرّعة.
حلّتْ هذه الكوابيسُ حول شجرةِ الورد كأنها تريدُ أن تمحوَ التعريفَ نفسَهُ، أن تلغي الماهية:
هل هذه شجرةُ حبٍّ وميلاد؟ أم شجرةُ فجيعةٍ ومقصلة؟
تقدّمتِ الزنابيرُ نحو الوردةِ بزمجرةٍ تصمّ الآذان. اقتربتْ من بتلاتِها الناعمةِ كأنّها تمسحُ ذاكرةَ الزهرِ بمخالبِ خنزيرٍ أمرَد، لا يعرفُ الرحمة. وحين اشتعلتْ أولى البتلاتِ من نارِ البرقِ اللاهب، سقطتِ الفراشةُ الصغيرةُ سقوطًا أرضيًّا مدوياً... تَبِعَها سقوطُ المعنى ذاتهِ في اتجاهِ الفراغِ السحيق.
كانتْ أولَ الضحايا وردةٌ صغيرةٌ، لتوها تعرفتْ على فراشةٍ طفلة. صارت أجنحتُها، التي كانت تضجُّ بالألوان، مجردَ رقائقِ صمتٍ تلمعُ للحظةٍ أخيرة، ثم تُسحبُ من المشهدِ بعنفٍ مثل حرفٍ انقطعَ من نصٍّ لم يُكتبْ له أن يُكمل. رفرفتْ بجناحٍ مكسورٍ مرةً واحدةً فقط... ثم صارت علامةً وشاهداً على أن اللحظةَ الجميلةَ يمكنُ أن تُدْفَنَ أيضًا حيةً.
وفي الوقتِ الذي كانت فيه العاصفةُ تواصلُ ضربَها الهستيري، تراجعَ الظلّ... أولًا خطوةً مترددة، ثم خطوتين، ثم بدأ يذوبُ كأنه يتفككُ إلى ذراتِ ترابٍ من ورقٍ محترق. اختفى الظلُّ تدريجياً في طينِ الوادي، ذلك الطينِ اللزجِ الذي لا يحفظُ وجوهًا ولا أسماء، بل يحفظُ الانطفاءَ والعدم.
ومن طينِ الوادي، خرجتِ الأرضُ بوجهٍ جديدٍ كئيب. أصبحَ الوادي مستنقعًا مرًّا، سِباخًا علقميّةً، أرضاً بلقعاً لا يصلحُ فيها غناءٌ، ولا تتجرأُ فيها وردةٌ على التفتحِ بسهولة. صار كل شيءٍ "بعد" العاصفة أثقلَ وطأةً:
الهواءُ الذي يُستنشق، الانتظارُ الممتد، وحتى المعنى المتبقي من كلمةِ الظل...!
وقبل أن تتوقفَ الزنابيرُ عن طنينها الخبيث، وقبل أن تهدأَ السماءُ من رعشتها، انتهى المشهدُ بإعلانٍ طقسيٍّ جليل:
أن الحبَّ، حين يُهاجَمُ بضراوة، لا ينطفئُ ببساطة... لكنه يتحوّلُ إلى صلاةٍ سرية.
وعند آخر وخزةِ رعدٍ شقتِ الأفق، أطلقَتِ الوردةُ لعنةَ البركة. كان دعاءً سومريًّا موغلاً في القِدَم، تلَتْهُ بلسانٍ كهنوتيٍّ معقّدٍ ومجلجل، كما لو أن اللغةَ نفسَها قَفَلتِ البابَ على عينيها حتى لا ترى ما لا يُحتملُ رؤيته، وبدأت تتلو ترنيمةَ القيامةِ والعدم:
أيها الإلهُ المتسربلُ بالسَّبَخِ والبرق، يا صاحبَ صريرِ الوادي الأجردِ في ليلِ الهيولى...!
نستودعُكَ أجنحةَ الفراشةِ الغضّةِ في مَعبرِ الفناء،ونضرعُ إليكَ ألا تُكتَبَ دماءُ الوردةِ بحبرِ اللعناتِ الأُجاج، بل تُنقشَ على طِرسِ الرحمةِ السرمديّ.
يا إنانا.. يا ربةَ النزيفِ السماوي! حين تَشُقِّينَ حُجبَ الغسقِ بصرختِكِ المستعرة، أسدلي على ضحايانا المُهجّرةِ رداءً من طلّ، واحجبي غُبارَ الفجيعةِ الذي يبتلعُ شُموسَنا في بطنِ العتمة.
ويا مردوخ.. يا كابحَ جِماحِ الفوضى! حين تنصبُ ميزانَ التكوينِ ضدّ همهمةِ الخراب، أَعِدْ لظلّي كينونَتَهُ في سِفرِ الكلمات، ولا تذرهُ هباءً يتخبطُ في الطينِ الآسن.
أيها المسمارُ الكونيُّ الصَّلْد، الذي يثبتُ خيمةَ العالمِ في مهبِّ العدم..
أنا الوردةُ.. كنتُ حبًّا خالصاً، وسأبقى، حتى حين تكسّرتُ تحت نصلِ الرعد.
لا لأنّ كلّ شيءٍ انتهى..
بل لأنّ الرعدَ، حين يسكتُ أخيراً، يتركُ خلفَهُ وعداً معلّقاً في الأثير
أنّ الظلَّ لا بدَّ أن يعود، حتى وإن اضطرَّ أن يخبّئَ روحَهُ أولًا في طينٍ مُرّ.







التعليقات