انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

بقعة ضوء على صورة

نص مسرحي من فصل واحد

ماجد مطرود
ماجد مطرود

شاعر واديب عراقي

6 دقائق للقراءة
20 مشاهدة
بقعة ضوء على صورة
مشاركة:

الشخصيات
الرجل: خمسيني، يبدو أكبر من عمره بكثير، نحيل ومنحنٍ. صوته مجروح كأنه يخرج من تحت الركام. فقد عائلته في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.

الطفل: لم يبلغ الحلم (10 سنوات). مشرّد، ذكي ولمّاح، في عينيه خوف وضياع وتردد.

صوت المرأة: دافئ وحنون، كأنه قادم من ذاكرة بعيدة، يهيمن حسياً ودون حضور جسدي.

الراوي: صوت أجش جهوري ينطق ككاهن أو عارف.

الديكور
غرفة بائسة جدرانها متشققة، نافذة بلا زجاج تغطيها قطعة قماش تحركها الريح. باب مخلوع، كرسي قديم، طاولة عليها كأس بلاستيكي، فانوس خافت، وصورة عائلية.

الإضاءة
تتدرج بين الأزرق والرمادي الداكن. في لحظات الهدوء تصير الأضواء صفراء، ولكن مع القصف الشديد تتحول إلى الأحمر القاني.

المؤثرات الصوتية
ريح، حفيف أشجار، ووشوشة.. انفجارات، صفارات إنذار، صهيل خافت، عويل رجال، عواء، مواء قطط، ونهيق.. لكن عندما ينطق "صوت المرأة" تصمت كل هذه الأصوات وتتلاشى.

بداية العرض
(ظلام وصوت انفجار بعيد، ريح ووشوشة. ثم يظهر ضوء دخاني خافت، ويظهر رجل جالس على كرسيّ، منحنياً، يحمل صورة ويحدق فيها بصمت).

المشهد الوحيد
الرجل (بصوت منخفض وهو ينظر للصورة):
كانوا يقولون إن الحرب ستنتهي…
(يرفع رأسه ببطء):
لكنهم لم يقولوا ماذا سيحدث حينما تنتهي؟ لم يخبروا أحداً بحجم الخسارات، ولا بنوع الخسارات..
(ينظر للجمهور):
هل تعرفون ماذا يحدث للجنود الأحياء حينما تنتهي الحرب؟ هل تعرفون أي إحساس ينتابهم؟
(لحظة صمت، ثم يكمل):
لا يعرف الإجابة إلا من عاش المأساة..
(يتحرك ببطء متجهاً للنافذة. مع صوت الطائرات تنطفئ الأضواء، وبسرعة تشتعل مع أزيز الرصاص. وحين تحرك الريح الستارة يقول):
الحرب موجعة في النفس أولاً، وفي الجسد ثانياً، ثم تأخذ العمر كله وما تبقى من الحياة.. هذا البيت كان ممتلئاً بالضحكات، أما الآن فلا يتسع إلا للوحدة الموحشة، والمشاعر الحاضنة للحزن والبكاء.
(ينظر للصورة بأسى):
هذا يوسف… كان يريد أن يصبح شاعراً. قالوا له: "الوطن يحتاج البنادق والرصاص أكثر من الكلمات والدواوين!".. فترك كل شيء، ارتدى زي الجنود، وأخذ الطريق المؤدي إلى الحرب.. مضى ولم يعد!

(يتكئ للخلف بتعب):
في البدء كنت أعدّ القذائف: واحدة، اثنتان، ثلاث.. وألف قذيفة وقذيفة.. لكني تعبت، تعبت من العدّ.. كرهت الحرب وصورها وأناشيدها! كرهت القاتل واللون الكاكي، كرهت البارود ورائحته.. وصليت كثيراً لكي يحفظ الله أولادي، صليت حتى تعبت وعاتبت الله في سرّي لأنه لم يحفظ لي أولادي..

(ينظر للأعلى، يرى وميض المدافع ويسمع صوت الطائرات فيقول):
يبدو حتى السماء مشغولة بالحروب..

(طرق خفيف على الباب، يتكرر أقوى فأقوى. يتردد الرجل ويتكور على نفسه خوفاً، وكاد أن يسقط لولا أنه سمع صوت صبي من الخارج).

صوت الصبي: عمّو…؟
الرجل (بتثاقل): ادخل يا ولدي.. إن كان هذا الخراب يسمح بذلك.
(يدخل الصبي بحذر، ملابسه ممزقة وقدماه متسختان).
الصبي: هل عندك ماء يا عم؟
الرجل (يشير للطاولة): حتى الماء صار يختبئ منا.. إنه هناك يا بني.
(يتجه الصبي للطاولة، وأثناء شربه يرتعد جسده من صوت الرعد ووميض البرق، فيغطي رأسه بيده).
الرجل (يتأمل خوف الصبي، وتبتسم شفتاه بأسى متذكراً):

خائف من الرعد؟ هكذا كان "آدم" أيضاً.. كنا نسميه "الطري" لأن جلده كان ناعماً كجلد رضيع، يشبه قطعة شوكولاتة بيضاء.. كان يخاف من صوت الرعد والبرق!

يستدير إلى الجمهور وكأنه يكلم شخصا بعينه:
تخيل معي.. صبيّ يخاف من السحاب، فأرسلوه إلى المدافع والخنادق! تركوه يتقلب وسط برك الدم الآسنة..

الصبي (ينظر للرجل بحزن ويقول): أنا جائع يا عمو!
الرجل (يردف بسرعة): أنا أيضاً جائع، لكن جوعي يختلف عن جوعك؛ جوعي أنا لا ينتهي، إنه يشبه الشوق والحنين الأبدي..
(يرتاب الصبي قليلاً، وبعد أن يلمح الصورة بيد الرجل يقول):
الصبي: أهم أولادك؟
الرجل: بلى.. إنهم أولادي.
الصبي: أين هم الآن؟
الرجل: الحرب وحدها تعرف أين هم الآن..
الصبي (يبتلع غصته ويخفض رأسه): أبي اختفى أيضاً يا عم، لا أعرف أين.. أمي تقول إنه مسافر، ودموعها تسيل. تبكي كل يوم، وكل يوم تسأل الله أن يكون سالماً.. أما الناس فيقولون عن أبي إنه "مفقود".. ترى ما الفرق يا عم بين المسافر والمفقود؟

الرجل (يضع يده على كتف الصبي بأسى): لا فرق يا بني.. فكلنا مسافرون وكلنا مفقودون.. أما الأمهات فلا شيء عندهن غير البكاء والدعاء.. أحياناً يسافرن هن أيضاً مع المسافرين!

الصبي (بنبرة طفولية خائفة): لماذا لا نسافر نحن كذلك؟ ولماذا تحدث الحرب يا عم؟
الرجل (ينظر للصبي، ثم يلتفت للصورة مجدداً ويشير إلى رسمة الزوجة):
سؤال صعب يا ولدي، سؤال كبير، أكبر من كل المقابر (ويشير إلى أشياء الغرفة):
الحرب يا بني وحش لا يشبع، يأكل الأخضر واليابس. أتدري؟ إنه لا يحب الحياة، يعتبرها هدفاً عسكرياً، وحتى الحب والعطاء والأمل.. كل هذه الأشياء يعتبرها أهدافاً عسكرية! انظر، هذه زوجتي وهي أم أولادي، كانت شمعة تضيء البيت. لم تحارب أحداً، كانت تخبز فقط.. تخبز خبزاً لذيذاً وتوزعه للجميع. تشبع حين يشبعون وتجوع حين يجوعون.. وحين مات الأولاد في الحرب، ماتت وراءهم.. ماتت حسرة ولوعة! أخذت الحرب الخبز والمحبة وتركتني هنا وحدي.
الصبي: أنا أكره الحرب يا عم!
الرجل: وأنا ألعنها كل يوم! ألعنها حين أستيقظ وحيداً، ألعنها حين يقتلني صمت البيت، وأسبها ألف مرة حين لا أجد زوجتي بقربي ولا أسمع أصوات أطفالي.. وألعنها كثيراً لأنها تركتني حيّاً!

(فجأة.. يتوقف كل شيء. يحل صمت مطلق وإضاءة كاملة. ينطلق صوت امرأة دافئ).

صوت المرأة: لا تترك قلبك ينقاد إلى الحقد.. لا تترك عقلك يتشتت.. لا تنقاد إلى الحرب!
الرجل (يصرخ بمرارة ويأس): لكنها فعلت! أخذت كل شيء ولم يتبق غير الصمت! انظري، لم يبق غيري! أين يوسف؟ أين آدم؟ وأين صغيّرنا "يعرب" الذي عاد إلينا في كيس أسود، أتذكرين؟ كان الكيس يحمل رقماً مجهولاً وآية قرآنية.. أين أنتم جميعاً يا أعز الناس عندي؟ أين أنتِ يا أم الأحبة، يا شمعتي وحياتي؟

(تعود المؤثرات بضجيجها: ريح، رعد طائرات، صفارات إنذار، وأصوات مدافع).
الصبي (يركض نحو الرجل ويتمسك بثيابه، يلتصق به خوفاً وذعراً طفولياً):
أنا هنا يا عم! لا تصرخ.. لا تتركني! ليس عندي أحد سواك.. لا تسافر مثل أبي، لا تتركني وحدي في الشوارع.. إذا متّ أنت.. أين أذهب أنا؟ من يحميني من الخوف ومن أصوات المدافع؟ لا تمُت يا عم.. أبقَ معي رجاءً حتى يعود أبي!
الرجل (ينظر للصبي باستغراب وتأمل):
كم عمرك يا صغيري؟
الصبي (يمسح أنفه بيده): عشر سنوات.. وأنا لست صغيراً! اسمح لي الآن، سأذهب لألتقط شيئاً نأكله أنا وأمي..
(يركض الصبي للخارج. يعود الرجل للكرسي ويجلس ببطء).
الرجل: كنت أظن أن الحرب ستسرق عمري أولاً، لكنها سرقت أبنائي وزوجتي والأمان..
(يمسح الغبار عن الصورة ويضعها بعناية):
عليّ أن أبقى حيّاً.. ليس لأجلي، بل لأكون شاهداً على هذه المجزرة، ولأجل ذلك الصبي الذي ما زال يركض بحثاً عن أمل..

(تهدأ الأصوات، وتتجمع الإضاءة كـ بقعة ضوء شاخصة فوق الصورة فقط، ويخيم الظلام).

الراوي (صوت يأتي من الظلام):
في المدن التي أكلتها الحروب، لا معنى للأحياء ولا معنى للأموات.. فموتى الحروب لا يموتون تماماً؛ فهم أحياءٌ في كل حديث.. أما الأحياء في زمن الحرب فهم موتى حقيقيون يتنفسون الخراب.. هذا الرجل الجالس في الظلام مثالاً؛ فهو يموت في كل لحظة ينظر فيها إلى الصورة.. بلى، ينظر، يبكي، ويلعن الحرب!"
تختفي الأصوات، ويعمّ الظلام، وتبقى بقعة الضوء شاخصة بكل وضوح فوق الصورة).

[ستار / انتهت]

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٠١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د