انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

النقطة

مقطع من رواية

احمد غانم عبد الجليل
احمد غانم عبد الجليل

قاص وروائي عراقي

8 دقائق للقراءة
24 مشاهدة
النقطة
مشاركة:

 السماء الخريفية غامضة دومًا، غيومها القاتمة تتوعد بغيثٍ غزير لكنها لا تفضي إلا برذاذ خفيف بين الحين والآخر، كمن يتكتم على أسرار يتردد في بوحها لأيٍ كان، خشيةَ افتضاح أمره، فيظل يتجرع مرارة أساه وحيدا.

في مثل هذا الجو الضبابي، الذي لا يلوح في أفقه شيء محدد، وجدتُ نفسي منقولًا إلى مبنى وزارة التخطيط، اضطر إلى الجلوس خلف مكتب داخل غرفة صغيرة يكاد لا يطأها ضياء الشمس، قريبة من غرفة الفراشين، دون أن يقصدني مراجع ولا موظف، ولا تُمرر إليّ معاملة أو ورقة روتينية أطلع عليها أو أمهرها بتوقيع، من حقي فقط التدخين وطلب الشاي والقهوة طيلة ساعات الدوام.

في أول يوم وجدتُ نسخة من صحيفة "الثورة" مر نحو شهرين على صدور عددها فوق مكتبي، صفحتها الأولى تتضمن الأحكام الصادرة بحق مجموعة كبيرة من الرفاق (المتآمرين). حدّقت فيها كما فعلت من قبل مراتٍ ومرات، ثم وضعتها في الجارور الخاوي مثل قبر بانتظار مواراة جثة تحت الثرى، ثم رفعت رأسي فانتبهت الى صورة كبيرة للرئيس الجديد، تطالعني في تهكم مستفز، ذات الاستفزاز الذي أطل من قسمات وجهه ونبرة صوته وهو يعلن عن وجود مؤامرة ظلت خفية عن العيون لسنوات، تمكنَ من الكشف عنها بمجرد تقلده منصب الرئاسة، وبدوري كنت على وشك أن أكون من ضمن المتهمين في قضية لم أكن أعرف عنها شيئًا قبل الإعلان عنها.

قررتُ بدء الكتابة أثناء أوقات الدوام التي تتمادى ساعاتها إلى سنوات من عمري، أهجس دنو نهايته لحظةً إثر أخرى، فقد كنت في أمس الحاجة إلى الفضفضة قبل أن يخنقني الخوف الكامن في أوردتي، أو أن يسمم الدم المتدفق في عروق جسدي الذي شاخ دون وعي مني عقودًا، إلا أني أدرك عاقبة خط جملة واحدة، فاستعضتُ عن الورقة والقلم بالتدوين في ذهني، وإن تزاحمت الأحداث التي مررتُ بها حتى صرت مثل المعلق بين الأرض والسماء.

لا أظن أن بإمكانهم استنطاق أفكاري أيضًا داخل أي غرفة تحقيق، في حال تم إلقاء القبض عليَ، كما أتوقع أن يحدث في أي وقت من ليلٍ أو نهار، إلا أن جلَ ما أخشاه أن يقودني تتابع السرد غير المكتوب إلى متاهة الجنون في نهاية المطاف، لكن ربما يكون ذلك أفضل، فإن حصل وفقدت عقلي قد أنجو من هول ما يمكن أن أواجه، لأن ليس على المجنون حرج، ومع ذلك لا أضمن أن يكون جنوني حجة كافية لإنقاذي من لوثة الجنون الأكبر التي تسود البلاد.

 تبدو لي الآن كما لو كانت قنبلة على وشك الانفجار، أو أنها مربوطة بسلسلة كهربائية على امتداد حدودها ومدنها، شوارعها وأزقتها الصامتة في أذنيّ، رغم ما تصطنع من حركة طبيعية ضمن الإيقاع اليومي المألوف، كما لو أنها تضع ذات قناع التصنع الذي يكسو ملامح وجهي حتى عندما أكون وحدي في هذه الغرفة الخانقة، وكأنهم قرروا حجب الهواء عنها بأوامر عليا كي يختبروا مدى قدرتي على الاحتمال، وأنا لا أعرف مخابئ كاميرات المراقبة التي ربما تحوطني من كل جانب من أجل استقراء تعبيرات الغضب أو التمرد التي يمكن أن توقعني بالجرم المشهود دون دراية مني، حتى عدد السجائر التي أدخنها قد تكون بحد ذاتها إشارة إلى شيء من النفور من قيودي التي ألقتني وراء هذا المكتب، موظف بلا وظيفة، وإن تجرأت على طلب إجازة لربما تم تفسير ذلك على أنه نوع من التخاذل أو التقاعس ومحاولة للهروب من أمر حزبي وواجب وطني لأحد المعزولين عن ولائم السلطة…

مع نهاية الدوام أزفر أنفاسي خفية، مخافة أن تُلمح شرارة التذمر في ملامح وجهي. أنقاد مع الموظفين نحو خارج المبنى، كما لو كنا مربوطين بحبل لا بد أن يعيدنا إلى ذات أماكننا في اليوم التالي، رغم أني كنت أهرع فيما مضى إلى كل اجتماع ومؤتمر ومهمة من مهام منصب جديد يلقي فوق كاهلي الكثير من المسؤوليات بهمة ونشاط من يريد تحقيق كل أحلامه في يومٍ واحد. حماس وجرأة يسوقها الانفعال نحو خطوات من التهور الأهوج ضمن مسيرة مضطرمة الحركة فقدت دفتها منذ زمن لم نعِ بدايته حتى وجدنا أنفسنا مقبلين نحو النهاية المحتومة لكل ثورة شهدتها بلادنا، مع أن كل شيء كان جليًا للعيان منذ السنوات الأولى لحكم الحزب القائد، بذريعة حماية مكتسبات الثورة من أعدائها ضمن جبهات الخيانة في الداخل والخارج...

كم رددتُ مثل هذه المفردات في صخب ثوري حاسم، دون أن أترك المجال لطرح أي رأي مغاير، يمكن اتهام صاحبه بالرجعية، وأنه من ذوي الأفكار الهدامة التي تحاول النيل من مسيرة ثورتنا المباركة...

 ذات الكلام الذي أسمعه من راديو السيارة. من حسن الحظ أني كنت قد اشتريتها من صديق لي قرر بيعها لقاء دين أصر على تسديده قبل سفره إلى الخارج، وما كنت أعرف أني سوف أحتاجها بهذه الصورة الملحة، بعد أن تم سحب سيارات الاستخدام مني، بالإضافة إلى الحارسين المداومين أمام باب البيت والسائق والمرافق. كان ذلك من ضمن العقوبة التي أعادتني إلى درجة  عضو فرقة حزبية لا بد لي من المواظبة على حضور اجتماعاتها، لعلي أنجو من مخالب التقارير الأمنية التي صارت سِمة المرحلة على نحو متزايد، ومن السخرية أني كنت من ضمن المؤمنين بما لها من ضرورة أمنية، كي يشترك الجميع في حماية ما حققت الثورة من منجزات، لا رجال الأمن فحسب، ومن ناحية أخرى فإن مثل هذه التقارير تعطينا فرصة الاطلاع على ما يجري حولنا أولًا بأول قبل أن نُفاجأ بما لا تحمد عقباه، لكني أيضًا وجدتها فرصة للدفاع عمن أستطيع إنقاذه من تهمة الخيانة، شرط أن أكون على معرفة وثيقة به وبكل خباياه، كما لو أني أدافع عن نفسي، دون أن أتسبب بأي إساءة إلى حساسية منصبي.

لعبة توازن كان الجميع قد اعتاد القيام بها حتى صارت من ضمن منهاجنا اليومي تقريبًا، وأيضًا دون دراية منا، وإن انتبهنا إلى بهلوانية ما يحدث فالذرائع والأعذار دومًا موجودة؛ نحن نعمل من أجل خدمة قضية كبرى وتحقيق أهداف سامية على مستوى وطن وأمة معرضة دومًا للمكائد الرجعية من قبل بقايا الاستعمار، كما أن أهدافنا (التحررية والوحدوية) الكبرى يجب أن تسمو فوق جلسات الأصحاب والمجاملات.

 لغو، لغو، لغو... كم أفقدَنا من رفاق وأصدقاء الصبا والشباب، المهم أن تمضي بنا سبل الثورة نحو الأمل المنشود، ولو أني في ذات المنصب الرفيع حتى الآن لداوَمت على ترديده في كل مجلس أكون فيه بلا كلل كي أنفذ من شبهة التعاطف مع أكبر شبكة خيانة تم الكشف عنها في عهد الثورة المجيد، ولا بد لي من ترديد كلمة (المجيد) بكثرة، نحو خمس وخمسين مرة لو استطعت، لأنجو بنفسي من تبعات تهلكة الرفاق ذات يوم تموزي لاهب الحماس المدَوي في الأرجاء، مبارِكًا ذبح الأضحية الجديدة، كي يكون ذلك بمثابة إعلان للبراءة من إثم أية شرارة (سوداء) يمكن أن تنوش مسيرتي النضالية التي نالها التصدع دون معرفة سبب محدد لذلك، فألقتني الصدمة إلى ما يشبه خرس لا ينجو منه صوت الهتاف بشعارٍ واحد من ضمن كومة الشعارات التي دأبنا على الجهر بها عاليًا في كل عهد، متحدين سياط السلطة، وأحدنا يود التضحية بعمره من أجل وطنٍ يغيب عني ضياؤه شيئًا فشيئًا، كما لو كنت أفارقه من غير أن أدنو خطوة واحدة نحو حدوده التي أعرف أني ممنوع من عبورها بأوامر قيادية كي أبقى أسير مصيدة ذات الشعارات الرنانة، بنبرة تغالب كل غصة بكاء قد تأسف على عمر مضى وجذوة تمرد انطفأت وما لها من وهجٍ جديد.

***

وجه سلمى بكل صفائه المعهود لديّ، رغم ما مرت به، حطَ وسط كل هذه الفوضى مثل حمامة تهمس لي برسالة آتية من بعيد. صادفتها في الطرقة القريبة من غرفتي المعزولة، وكأني وباء يخشى النظام من سريان عدواه بين الجموع. مؤكد أنها عرفتني، رغم أن قسمات وجهها لم تظهر أي تعبير، إلا أني لم أستسلم لذلك التجاهل المستفز فأقبلت نحوها لألقي التحية، وكم رغبت باحتضانها أيضًا، ليس عن شوق جامح فحسب، بل لأننا صرنا نتشارك ذات محنة الإقصاء عن أحلامنا القديمة. سبقتني إليها قبل سنوات، منذ أن تم اعتقال زوجها في بداية السبعينات، ومن ثم تسليم جثته وشهادة مكتوب فيها أن سبب الوفاة ذبحة صدرية، رغم أنه لم يشكُ من أي أمراض من قبل، حسب ما أعرف.

 آخر ما كنت أتوقعه أن أكون في مثل هذا الموقف الغريب أمامها وأنا في هيئتي الجديدة، الموظف المعزول عن الجميع، بلا منصب محدد، بعد أن تقلدتُ منصب محافظ، ومن ثم مدير شركة من شركاتنا الوطنية الكبرى، ووكيل وزارة، كما كنت من المرشحين لتولي منصب سيادي مهم داخل القصر الجمهوري، أي من أصحاب القرار داخل أروقة الدولة، ولم أكن أعرف أن اتخاذ أي قرار لا يصدر إلا من غرفة واحدة، دون أن نمتلك إلا حق الموافقة عليه والهتاف بكل حماس لا يترك مجالًا للشك، ولا حتى للخيال، بالتخاذل أو الوهن في تنفيذ الرؤى القيادية سريعة التحول، بلا أن ندرك إلى أين يمكن أن تقودنا خطاها المؤطَرة بمباركة الجماهير دومًا.

 أجابت على سلامي باقتضاب، وبتعبير وجه صارم وحاجبين مقَطبين، العادة التي ألفتها عنها لدى الغضب أو الزعل، فابتعدتُ خطوات عنها كي لا أتعرض للإحراج أمامها أكثر.

رغبتُ بالتحدث معها، كما لو أني أحتفظ بأسرار لا طاقة لي على احتمال عبئها وحدي، ولا أعرف أحدًا سواها لأهمس بها أمامه، رغم ما يلجم لساني من خوف أن تتسرب كلماتي إلى الأسماع، حتى وإن كانت كلمات مواساة متأخرة لوفاة صديقي ورفيقي القديم، وكأن التغييرات الجذرية في أركان القيادة حدثت فقط من أجل أن أصادفها بعد كل هذه الأعوام.

لم أكن أعرف أنها تداوم معي في ذات المكان، ربما تم نقلها لأكثر من مرة بين عدة وظائف حتى انتهى بها المطاف هنا، كما لو كانت بانتظار رؤيتي، كوجه من ضمن الوجوه التي صارت تتحاشى النظر إليها حتى عبر شاشة التلفاز، وإن اضطرت إلى ذلك فسرعان ما تنتابها سخرية ممزوجة بالاشمئزاز من خدعة تملكت عقلها وزوجها المتوفى منذ بواكير الشباب، مثلما يخالجني ذات الشعور الآن، وكأني بهذا أعلن براءتي التامة مما كنت عليه قبل وقوعي في شرَك القاعة التي غنت فيها فيروز أجمل أغانيها قبل سنوات لدى مجيئها إلى بغداد.

 

***

 من رواية "نقطة في الذاكرة... رفاق النقطة" الصادرة عن دار الوصل للنشر والتوزيع.

مشاركة:

آخر تحديث: ١ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٨:١٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د