تُسمّي شارع (فان وسين بيك) بالشارع الصيني، وتُسمّي مكتبة (برميكا) بمكتبة المدينة. تجلسُ كلّ يومٍ وحيدةً في ساحة (دي كونيك) التي تُطلِق عليها ساحة الأفارقة.
في الساحةِ مقهى روّاده من الحشّاشين والسكارى الذين رموا ملابسهم الداخلية تحت المصاطب، ومحلاتٌ لبيعِ الهواتف الذكية، وصالوناتٌ لحلاقةِ الشعر الأفريقي، ومركزٌ للصليب الأحمر يهتمّ بعلاجِ المدمناتِ الحوامل والمتسكعات اللاتي يعشنَ (في الأسود)*.
وفي الساحةِ أيضًا صيدليةٌ كبيرة تبيعُ الأدوية الممنوعة وبعضَ حبوب الهلوسة، وفيها مركزٌ ثقافيّ صغير كُتِبَ على واجهته: "شبابُ التبتِ الرياضي"، وملعبٌ صغير لكرةِ السلة يعجُّ بشبابٍ آسيويّ وأفريقي.
جلست المغربية الحشّاشة منتصف الظهيرةِ على مصطبة، ومن خلفها تفردُ المكتبة ذراعيها. وبالصدفةِ لمحت اليافطاتِ المعلقة على واجهات المحلات مقلوبة الحروف كأنّها معكوسة في مرآة، فظنّت أنها سكرانة!
أدارت رأسها إلى جهة أخرى، فرأت امرأةً تجلس بجانبها تعزف على آلةِ الكمان، وودَّتْ لو تسألها عن قصةِ تلك الحروف المقلوبة، لكنّ الكلبَ الذي كان مسترخيًا على أنغامِ الآلة الحزينة كسر خاطرها؛ فلم تشأ أن تقطع هذه النشوة العظيمة. وشعرتْ بحرارةٍ لذيذةٍ تسللت إلى جسدها، فحاولتِ النهوض لكنها لم تستطع.. قدماها لم تُعينَاها.
اتّكأتْ على المرأة وكادت أن تسقطَ من هول المفاجأة؛ إذ اكتشفتْ أن العازفة وكلبها مجرد رسمٍ على ورق! صُعِقتْ للحظةٍ وراحت تتحسّس الملامحَ.. مرّرتْ أصابعها على المرأة، وعلى الآلة، ثمّ على الكلب، وتأكّدتْ أنّه مجرد ورقٍ رُسِم عليه المشهد كلّه، فتساءلتْ في سرّها: "هل يمكنُ أن يكونَ الرسم بهذهِ الواقعية الموغلة؟".
عادتْ إلى جلستها تنظرُ، وتسمعُ، وتفكرُ، وفي يدها كتابٌ استعارته قبلَ قليلٍ من المكتبة، يحكي قصةَ امرأة تنازلت عن مكانتها النبيلة وارتضت العيشَ في ورقة!
تيقنت المغربية الحشّاشة أنها داخل المشهد، فنامت.. أخذتها غفوةٌ عميقة وهي تحلمُ برسامٍ يرسمها نائمةً على مصطبةٍ من
زجاج.
—
بلجيكا/ 2016
ملاحظات:
*الاسماء المقوسة هي اسماء شوارع في مدينة انتويربن، باستثناء (پرميكا) فهي مكتبة في وسط المدينة تعتبر اكبر مكتبة في شمال بلجيكا
**عبارة (في الأسود): تعبير دارج في اللغة الهولندية (In het zwart ) يُقصد به العيش أو العمل في الخفاء دون إقامة أو أوراق رسمية.
المغربية الحشّاشة

آخر تحديث: ٦ آب ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٦ م






التعليقات