انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المغربية الحشّاشة

ماجد مطرود
ماجد مطرود

شاعر واديب عراقي

2 دقائق للقراءة
17 مشاهدة
المغربية الحشّاشة
مشاركة:

تُسمّي شارع (فان وسين بيك) بالشارع الصيني، وتُسمّي مكتبة (برميكا) بمكتبة المدينة. تجلسُ كلّ يومٍ وحيدةً في ساحة (دي كونيك) التي تُطلِق عليها ساحة الأفارقة.
في الساحةِ مقهى روّاده من الحشّاشين والسكارى الذين رموا ملابسهم الداخلية تحت المصاطب، ومحلاتٌ لبيعِ الهواتف الذكية، وصالوناتٌ لحلاقةِ الشعر الأفريقي، ومركزٌ للصليب الأحمر يهتمّ بعلاجِ المدمناتِ الحوامل والمتسكعات اللاتي يعشنَ (في الأسود)*.
وفي الساحةِ أيضًا صيدليةٌ كبيرة تبيعُ الأدوية الممنوعة وبعضَ حبوب الهلوسة، وفيها مركزٌ ثقافيّ صغير كُتِبَ على واجهته: "شبابُ التبتِ الرياضي"، وملعبٌ صغير لكرةِ السلة يعجُّ بشبابٍ آسيويّ وأفريقي.
جلست المغربية الحشّاشة منتصف الظهيرةِ على مصطبة، ومن خلفها تفردُ المكتبة ذراعيها. وبالصدفةِ لمحت اليافطاتِ المعلقة على واجهات المحلات مقلوبة الحروف كأنّها معكوسة في مرآة، فظنّت أنها سكرانة!
أدارت رأسها إلى جهة أخرى، فرأت امرأةً تجلس بجانبها تعزف على آلةِ الكمان، وودَّتْ لو تسألها عن قصةِ تلك الحروف المقلوبة، لكنّ الكلبَ الذي كان مسترخيًا على أنغامِ الآلة الحزينة كسر خاطرها؛ فلم تشأ أن تقطع هذه النشوة العظيمة. وشعرتْ بحرارةٍ لذيذةٍ تسللت إلى جسدها، فحاولتِ النهوض لكنها لم تستطع.. قدماها لم تُعينَاها.
اتّكأتْ على المرأة وكادت أن تسقطَ من هول المفاجأة؛ إذ اكتشفتْ أن العازفة وكلبها مجرد رسمٍ على ورق! صُعِقتْ للحظةٍ وراحت تتحسّس الملامحَ.. مرّرتْ أصابعها على المرأة، وعلى الآلة، ثمّ على الكلب، وتأكّدتْ أنّه مجرد ورقٍ رُسِم عليه المشهد كلّه، فتساءلتْ في سرّها: "هل يمكنُ أن يكونَ الرسم بهذهِ الواقعية الموغلة؟".
عادتْ إلى جلستها تنظرُ، وتسمعُ، وتفكرُ، وفي يدها كتابٌ استعارته قبلَ قليلٍ من المكتبة، يحكي قصةَ امرأة تنازلت عن مكانتها النبيلة وارتضت العيشَ في ورقة!
تيقنت المغربية الحشّاشة أنها داخل المشهد، فنامت.. أخذتها غفوةٌ عميقة وهي تحلمُ برسامٍ يرسمها نائمةً على مصطبةٍ من
زجاج.

بلجيكا/ 2016

ملاحظات:
*الاسماء المقوسة هي اسماء شوارع في مدينة انتويربن، باستثناء (پرميكا) فهي مكتبة في وسط المدينة تعتبر اكبر مكتبة في شمال بلجيكا
**عبارة (في الأسود): تعبير دارج في اللغة الهولندية (In het zwart ) يُقصد به العيش أو العمل في الخفاء دون إقامة أو أوراق رسمية.

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ آب ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

خميس الفلسطيني
سرد

خميس الفلسطيني

حين قابلناه لأول مرة فوجئنا بصغر سنه. كنا مجموعة شبان التحقنا متطوعين بدورة تدريب عسكرية. قدّمه لنا ضابط قطعت يده اليمنى في إحدى المعارك، على أنه المشرف على تلك الدورة الاستثنائية التي سوف تستغرق أشهر الصيف. أثنى الضابط على مواصفات ومهارات ذلك الشاب الصغير في القتال. يومها تساءلنا مندهشين: كيف تسنى…

· 4 د
الأسئلة .. مُهلكة
سرد

الأسئلة .. مُهلكة

هو معلمنا ، تتلمذ على يديه خالي وأقرانه ، وتتلمذنا نحن والذين جاءوا بعدنا على يديه ، وتخرجت على يديه أجيال كما يحلو له أن يفخر في جلسات مقهى الحي العتيق . أطلق عليه خالي لقب المتنبي ، وأسبغ عليه صفة الرجل الذي سبق زمنه في كشف المستقبل . وقال شيوخ الحي العتيق : - كافر وملحد ، يجدِّف بآيات الله ويفسد…

· 5 د
أوراق ذابلة 
سرد

أوراق ذابلة

دَعَكَ فروةَ رأسه حتى أدماها بأظافره. انتابه قلقٌ قاتل، وسار يبحث عن السراب ليمتلك كنوزه. لم يسمع ضجيج كلِّ شيء من حوله. كان هادئاً. همُّه الوحيد أن يبتعد كثيراً عن جدران الغرفة التي تضيق به. ولم يعد يميّز الألوان في الستائر والأثاث. كلُّ شيء أصبح غائماً يلتفُّ حول عنقه. الحرب التي يتلقّف منها…

· 3 د