انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الأسئلة .. مُهلكة

نجمان ياسين
نجمان ياسين

أديب ومؤرخ عراقي

5 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
الأسئلة .. مُهلكة
مشاركة:

هو معلمنا ، تتلمذ على يديه خالي وأقرانه ، وتتلمذنا نحن والذين جاءوا بعدنا على يديه ، وتخرجت على يديه أجيال كما يحلو له أن يفخر في جلسات مقهى الحي العتيق .

أطلق عليه خالي لقب المتنبي ، وأسبغ عليه صفة الرجل الذي سبق زمنه في كشف المستقبل .

وقال شيوخ الحي العتيق :

- كافر وملحد ، يجدِّف بآيات الله ويفسد عقول الصبيان .

وكنا نسميه نحن الأولاد الصغار إبّان دراستنا على يديه – التراش – إشارة إلى كذبه وضحكه علينا ، بأحاديثه الغريبة .

اليوم إنتشر خبره كالنار في كبريت يابس .

واليوم جاءتنا الأخبار عن جنونه المريب الذي زلزل أرواحنا .

حكوا إنه إستهل جنونه بالرقص في الصف أمام التلاميذ .

وحكوا إنه يقف على باب منزله ويرقص أمام الناس .

وقالوا إنه يبدأ الغناء بغتة بين الضيوف الذين يزورونه ، ولا يكف عنه حتى بعد مغادرتهم منزله .

وقال خالي لصديقه " صوصي أبو الزمايل " .

- لماذا تفعل الدنيا هكذا بأصحاب العقول ؟ تصور يقولون إنه يجمع أولاده في حديقة منزله ويجبرهم على التعري في الشتاء والتقلُب معه على العشب دون إهتمام للبرد أو المطر !

قال " صوصي " :

- عقله الكبير أخذه إلى الجنون !

قال خالي بحزن :

- أخبرني أحد شيوخ حينا ، إن جده كان من المجانين المعروفين في الحي العتيق .

قال " صوصي " :

- أفهم ما تُلّمِح إليه ، ولكن تذكر كم كان مكتظاً بالأسئلة ! آخ من أسئلته التي أدارت رأسي وجعلت عينيّ تهجران النوم !

آخ من الدنيا التي فعلت بمعلمنا ، هذا الفعل الشائن !

أخرجنا في إحدى الشتاءات من الصف ، وقال لنا :

- درسنا اليوم في الهواء الطلق خارج جدران الصف ، علينا أن نقترب من الطبيعة لنفهم ، سنمضي حصتنا في مراقبة السماء ، ونتفكر ، كيف لا تسقط علينا ومن الذي أنشأها ورفعها لتكون بهذا الجمال المعجز ؟ انظروا إلى الطيور ، واسألوا كيف تطير ، تدبروا وفكروا ، لماذا يحدث هذا وبأي سر تطير ؟ تأملوا السماء تزدحم الآن بالغيوم والمياه تنحبس في قلبها، وإسألوا ، لماذا تريد الأمطار أن تهطل ، وماذا سيحصل لنا في الأرض إن كفت السماء عن إرسال المطر ؟

أدمت أسئلته رأسي الصغير ، وجعلت سحب الحيرة تتحرك في عيوننا المندهشة ، وبقينا ننظر إلى السماء والطيور مرة ، ونتطلع في وجوه بعضنا مرات لنعثر على إجابة شافية ، ولكن ومن دون جدوى .

قال خالي :

- الحق أن أفكاره مقلقة للكثيرين ، كأني به الآن أمامي ، يعلن إن قدر المتعلم أن يخدم الحمير ! أراه يضحك ضحكته الحلوة ويهمس كما لو كان يخاف أن يسمعه أحد غيرنا :

- شكراً لأن الحمير لا تقرأ ، وإلاّ لكانت مصيبة !

قال " صوصي " بصوت شبه مخنوق :

- كان يقول ، من المرعب أن يخدم العبقري الحمير !

عاد خالي ليقول :

- آخ من أسئلته ، هي التي أهلكته !

تطلع " صوصي " إلى الجالسين في حارات مجاورة في المقهى ، وأومأ لخالي موافقاً ، ثم قال بحذر شديد وبصوت واطئ لم يسمعه سوى خالي وسواي :

- يا ربي كم أحببت أسئلته ! أذكر قوله : أي حمار أسس السجون ؟ وأي نذل أوجد الجيوش؟ ومن هو المجرم الذي إخترع النقود ؟ دلوني على هؤلاء حتى أقطع حذائي على رؤوسهم !

ضحك خالي بمرارة ، وحاول " صوصي " أن يجاريه ، أمّا أنا فلم أستطع أن اضحك ، لأني حزين . حزين أنا يا دنيا اللؤم الغدارة ، حزين عليك يا معلمي الذي كنت أراه أكبر الكذابين ، وهو يقف في الصف ليخبرنا أن الإنسان سيصعد إلى القمر ، وسيأتي يوم يقطع الناس فيه ، تذاكرهم من " باب الطوب " بأسعار رخيصة ليسافروا إلى القمر للنزهة ، وكنت وبقية الأولاد، نتغامز ونتلامز ، وكان أهلنا يقولون :

- لا تصغوا إلى هذا الزنديق  الذي يريد أن يلوِّث إيمانكم يا أولاد !

لكننا ، كنا نترك آذاننا مودعة عند معلمنا ، نلتقط بلهفة ودهشة أحاديثه عن الفيلة التي يصطادها الصيادون في الهند وإفريقيا بواسطة أقفاص ! ونعجب كيف يدخل الفيل إلى قفص ! لكننا ، نستاء من أهلنا عندما يصفون معلمنا بالأحمق !

وأراني الآن أجلس مع ثيابي الصيفية في شتاء صف المدرسة ، ارتجف وأصغي إلى معلمنا ، كلنا في الصف ، نصغي إليه وقد جمدنا البرد وأعاجيب حكاياته ، والدنيا صمت مطبق حتى أن بإمكان أي منا ، أن يسمع الإبرة إن سقطت على الأرض !

أين ذهبت أناقتك يا معلمنا القديم ؟ أين تلك البدلة اللّماعة البيضاء والقميص الأحمر المزدان بربطة عنق بيضاء ؟ واين ذلك المنديل الذي يجاور قلبك الرقيق الذي أمسكته ذات يوم عندما فاضت عيناك بالدموع حزناً على حياة العصافير المسكينة المهددة من الأفعى والقطة السمينة ذات المخالب القاسية ، عصافير شجرة منزل – حسينة الخبازة – الذي يجاور الخربة المنزوية في ركن قصي من ساحة مدرستنا ؟ وهل ما تزال تمتلك ذلك الحذاء الصقيل مثل وجه المرآة والذي حيَّر التلاميذ ، فقال بعضهم إنه مصنوع من جلد تمساح ، وقال آخرون بل هو مصنوع من روغان أصلي مجلوب من بلاد الإنكليز ؟!

حسافة عليك ، كيف رمتك الدنيا بسهام الغدر المسمومة وجعلتك تتمرغ في التراب ووحول عشب حديقة منزلك ، لتبدد كل ذلك الألق الآسر الذي أثارحسد – ابن الجلبي – وظهر في صوته الذميم حين رآك ، مزهواً ، في المقهى ذات مساء ، فقال وهو يغمز ويلمز :

- أُنظروا إليه ، إن هذا الزنديق يشبه الطاؤوس .

قال " صوصي " بنبرته الحزينة نفسها ، محدِّثاً خالي :

- يقولون إن زوجته قد تركته ولجأت إلى منزل أبيها ، مخلفة الأولاد معه !

علق خالي وعيناه تفيضان بالحزن :

من كان يصدق أن كل هذا سيجري لمعلمنا القديم ؟

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ آب ٢٠٢٦ في ١٠:١٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

سادنةُ الوقت.!!
سرد

سادنةُ الوقت.!!

(إنّ أكثر ما يخيف الإنسان ليس الموت، بل الشعور أنّ الزمن قد إنقلب عليه، فصار عدوّه اللدود الذي لايعرف كيفية الخلاص منه. ورطة شديدة القسوة جعلت الإنسان يبحث عن أوهام الخلاص،،)!! تؤمن (مريم جواد)الجريئة الأفكار الرافضة لكل معاني الخنوع والإستسلام ، بيقين لا يتزعزع، أن الوقت كائن حيّ.ليس مجازًا، ولا…

· 7 د
أعمار متأخرة!!
سرد

أعمار متأخرة!!

(الشيخوخة ليست حين يبيض الشعر، بل حين يكف الإنسان عن انتظار المفاجآت) ( ألبير كامو) حين استبدّت به لحظة جنون ،قرر تفريغ حياته قبل أن تفرغ منه. لم يعد يوقظ المنبه. تاركاً الصباح يتسلل إليه كما تتسلل رائحة الرطوبة إلى بيت مهجور. ينهض متثاقلًا، ليفتح النافذة، متفقداً الشارع المكتظ بإشارات الترقب…

· 7 د
اصرار مرتبك 
سرد

اصرار مرتبك

في رمضان، وبعد الانتهاء من الافطار مباشرة، اعتدت التوجه الى المسجد الجامع، كانت قدماي تقوداني عبر شارعٍ خالٍ من المارة، موحش، اضاءته خافتة ترتعش كجسدٍ مخرور، رائحة الهواء وخمة، وكأن المطر أنقطع تواً، وصوت الرياح وهي تحرك الاكياس البلاستيكية والاوراق.. فجأة، لمحت شخصاً يجلس على الرصيف، متكئاً بظهره…

· 3 د