هو معلمنا ، تتلمذ على يديه خالي وأقرانه ، وتتلمذنا نحن والذين جاءوا بعدنا على يديه ، وتخرجت على يديه أجيال كما يحلو له أن يفخر في جلسات مقهى الحي العتيق .
أطلق عليه خالي لقب المتنبي ، وأسبغ عليه صفة الرجل الذي سبق زمنه في كشف المستقبل .
وقال شيوخ الحي العتيق :
- كافر وملحد ، يجدِّف بآيات الله ويفسد عقول الصبيان .
وكنا نسميه نحن الأولاد الصغار إبّان دراستنا على يديه – التراش – إشارة إلى كذبه وضحكه علينا ، بأحاديثه الغريبة .
اليوم إنتشر خبره كالنار في كبريت يابس .
واليوم جاءتنا الأخبار عن جنونه المريب الذي زلزل أرواحنا .
حكوا إنه إستهل جنونه بالرقص في الصف أمام التلاميذ .
وحكوا إنه يقف على باب منزله ويرقص أمام الناس .
وقالوا إنه يبدأ الغناء بغتة بين الضيوف الذين يزورونه ، ولا يكف عنه حتى بعد مغادرتهم منزله .
وقال خالي لصديقه " صوصي أبو الزمايل " .
- لماذا تفعل الدنيا هكذا بأصحاب العقول ؟ تصور يقولون إنه يجمع أولاده في حديقة منزله ويجبرهم على التعري في الشتاء والتقلُب معه على العشب دون إهتمام للبرد أو المطر !
قال " صوصي " :
- عقله الكبير أخذه إلى الجنون !
قال خالي بحزن :
- أخبرني أحد شيوخ حينا ، إن جده كان من المجانين المعروفين في الحي العتيق .
قال " صوصي " :
- أفهم ما تُلّمِح إليه ، ولكن تذكر كم كان مكتظاً بالأسئلة ! آخ من أسئلته التي أدارت رأسي وجعلت عينيّ تهجران النوم !
آخ من الدنيا التي فعلت بمعلمنا ، هذا الفعل الشائن !
أخرجنا في إحدى الشتاءات من الصف ، وقال لنا :
- درسنا اليوم في الهواء الطلق خارج جدران الصف ، علينا أن نقترب من الطبيعة لنفهم ، سنمضي حصتنا في مراقبة السماء ، ونتفكر ، كيف لا تسقط علينا ومن الذي أنشأها ورفعها لتكون بهذا الجمال المعجز ؟ انظروا إلى الطيور ، واسألوا كيف تطير ، تدبروا وفكروا ، لماذا يحدث هذا وبأي سر تطير ؟ تأملوا السماء تزدحم الآن بالغيوم والمياه تنحبس في قلبها، وإسألوا ، لماذا تريد الأمطار أن تهطل ، وماذا سيحصل لنا في الأرض إن كفت السماء عن إرسال المطر ؟
أدمت أسئلته رأسي الصغير ، وجعلت سحب الحيرة تتحرك في عيوننا المندهشة ، وبقينا ننظر إلى السماء والطيور مرة ، ونتطلع في وجوه بعضنا مرات لنعثر على إجابة شافية ، ولكن ومن دون جدوى .
قال خالي :
- الحق أن أفكاره مقلقة للكثيرين ، كأني به الآن أمامي ، يعلن إن قدر المتعلم أن يخدم الحمير ! أراه يضحك ضحكته الحلوة ويهمس كما لو كان يخاف أن يسمعه أحد غيرنا :
- شكراً لأن الحمير لا تقرأ ، وإلاّ لكانت مصيبة !
قال " صوصي " بصوت شبه مخنوق :
- كان يقول ، من المرعب أن يخدم العبقري الحمير !
عاد خالي ليقول :
- آخ من أسئلته ، هي التي أهلكته !
تطلع " صوصي " إلى الجالسين في حارات مجاورة في المقهى ، وأومأ لخالي موافقاً ، ثم قال بحذر شديد وبصوت واطئ لم يسمعه سوى خالي وسواي :
- يا ربي كم أحببت أسئلته ! أذكر قوله : أي حمار أسس السجون ؟ وأي نذل أوجد الجيوش؟ ومن هو المجرم الذي إخترع النقود ؟ دلوني على هؤلاء حتى أقطع حذائي على رؤوسهم !
ضحك خالي بمرارة ، وحاول " صوصي " أن يجاريه ، أمّا أنا فلم أستطع أن اضحك ، لأني حزين . حزين أنا يا دنيا اللؤم الغدارة ، حزين عليك يا معلمي الذي كنت أراه أكبر الكذابين ، وهو يقف في الصف ليخبرنا أن الإنسان سيصعد إلى القمر ، وسيأتي يوم يقطع الناس فيه ، تذاكرهم من " باب الطوب " بأسعار رخيصة ليسافروا إلى القمر للنزهة ، وكنت وبقية الأولاد، نتغامز ونتلامز ، وكان أهلنا يقولون :
- لا تصغوا إلى هذا الزنديق الذي يريد أن يلوِّث إيمانكم يا أولاد !
لكننا ، كنا نترك آذاننا مودعة عند معلمنا ، نلتقط بلهفة ودهشة أحاديثه عن الفيلة التي يصطادها الصيادون في الهند وإفريقيا بواسطة أقفاص ! ونعجب كيف يدخل الفيل إلى قفص ! لكننا ، نستاء من أهلنا عندما يصفون معلمنا بالأحمق !
وأراني الآن أجلس مع ثيابي الصيفية في شتاء صف المدرسة ، ارتجف وأصغي إلى معلمنا ، كلنا في الصف ، نصغي إليه وقد جمدنا البرد وأعاجيب حكاياته ، والدنيا صمت مطبق حتى أن بإمكان أي منا ، أن يسمع الإبرة إن سقطت على الأرض !
أين ذهبت أناقتك يا معلمنا القديم ؟ أين تلك البدلة اللّماعة البيضاء والقميص الأحمر المزدان بربطة عنق بيضاء ؟ واين ذلك المنديل الذي يجاور قلبك الرقيق الذي أمسكته ذات يوم عندما فاضت عيناك بالدموع حزناً على حياة العصافير المسكينة المهددة من الأفعى والقطة السمينة ذات المخالب القاسية ، عصافير شجرة منزل – حسينة الخبازة – الذي يجاور الخربة المنزوية في ركن قصي من ساحة مدرستنا ؟ وهل ما تزال تمتلك ذلك الحذاء الصقيل مثل وجه المرآة والذي حيَّر التلاميذ ، فقال بعضهم إنه مصنوع من جلد تمساح ، وقال آخرون بل هو مصنوع من روغان أصلي مجلوب من بلاد الإنكليز ؟!
حسافة عليك ، كيف رمتك الدنيا بسهام الغدر المسمومة وجعلتك تتمرغ في التراب ووحول عشب حديقة منزلك ، لتبدد كل ذلك الألق الآسر الذي أثارحسد – ابن الجلبي – وظهر في صوته الذميم حين رآك ، مزهواً ، في المقهى ذات مساء ، فقال وهو يغمز ويلمز :
- أُنظروا إليه ، إن هذا الزنديق يشبه الطاؤوس .
قال " صوصي " بنبرته الحزينة نفسها ، محدِّثاً خالي :
- يقولون إن زوجته قد تركته ولجأت إلى منزل أبيها ، مخلفة الأولاد معه !
علق خالي وعيناه تفيضان بالحزن :
من كان يصدق أن كل هذا سيجري لمعلمنا القديم ؟







التعليقات