الصيف يطرق ابواب المدينة .. طرق ابوابها القديمة المتهالكة ..
وقد طرق بابي هذا الصباح ..طرق غرفتي ..ودق اوتاده عند سريري ...
كنت اسبح داخل بركة من العرق المالح.. كان جسدي ينابيع تفرزه ترحيبا باله الفقر ..
عاد الصيف اخيرا.. وكأنني كنت انتظره منذ سنوات، زيارة رسمية للبطل الذي انتصر على المطر والسحب، والبرد بقوة الشمس..
الصيف الابدي الحارق عاد بقوة ..الاشياء التي لم تعد ترضخ لسلطان الزمهرير ..
لقد عاد اخيرا ..إنه الصيف ..الطفولة ..
وانا مرتبك سمعت نداء يخيفني ..
قال:--"الهواء المحتبس في رئتيك بدء يفسد.. يتعفن، يتحول الى غيوم لا تمطر غير القنوط واليأس..
وانت ماذا تفعل في زنزانتك المخيفة؟!
مهشم انت حد الموت، متداع لدرجة الذوبان متآكل من العظم إلى العظم ..
لم تأخذ بنصيحة من علموك ( إن السكوت من ذهب ) ولم تقفل فمك..
وتردم منابع تفكيرك وتذبح كلامك على صخرة الصمت..
كانت الكلمات تنزلق من فمك.. وهي تحمل نهايتك دون أن تفقه شيئاً مما يدور حولك.. تتحدث في المقهى على أناس بسطاء تأخذ الغيبة لا تترك شخصا يمر الا وتكلمت عنه كلام ليس له صحة..
سكت.. والصيف ضحك بوجهي.
تذكرت امس بمقهى "ابي سعد ".
الدخان معلق مثل غيمة سودة، والشاي يغلي، والتلفزيون يذيع اخبار لا تخلص.
وانا في لساني سكين.
"شفت ابن فلان؟ طلع حرامي"
"وسمعت عن فلان يبيع عرق؟.."
"والمعلم الفلاني؟ يبيع الاسئلة"
كل كلمة اطلعها، يرجعونها عشرة.
نبني بيوت من طين... ونهدمها بضحكة.
كنت اظن الغيبة تسلية.
ما كنت أعلم انها دين... ورب العالمين يسجله.
نمت وحلمت حلم ما انساه.
رأيت طابور طويل من أناس اعرفهم.
الذين اغتبتهم.. الذين أتهمتهم .. الذين ضحكت عليهم..
كل واحد يأتي الى لحدي، يفتح قميصه من الداخل؟ صدره مثقوب.
وكل ثقب... اقرأ الكلمة التي قلتها بحقه ...
أحدهم قال: "هذه الطعنة منك"
والثاني قال: "وهذه من كلامك "
صحيت والعرق يتصبب مني... والصيف واقف أمام راسي..
في اليوم التالي وصلت إلى المقهى، نفس الاشخاص.. نفس الوجوه..
بدأوا بالحديث " هل سمعت الاخبار؟"
قدمت يدي لقدح الشاي.. يدي ترجف.
شربت.. كان الشاي طعم دم.. مر..
رفعت راسي وقلت: "دعونا نسكت اليوم الحر يذبح"..
ضحكوا: "ما الذي اصابك اليوم صرت زاهداً؟"
لم اهتم إلى كلامهم ..سكت.. لأني فهمت متأخر:
الغيبة لا تأكل الميت... تأكل الحي الذي يتحدث عن الآخرين، كلام غير صحيح وغير لائق ..
خرجت من المقهى.. والشمس تحرق وجهي.
لكن الهواء... لأول مرة كان نظيف.
لان فمي اخيراً انغلق..
في الليل جلست وحدي، والصيف لازال يطرق الباب.
لكن هذه المرة يطرق الباب من الداخل.
النداء عاد: "اذا لم تذبح لسانك... لسانك سوف يذبحك"
ومن ذاك اليوم صرت احمل بجيبي حصاة.
كل ما يأتيني الشيطان ويحاول أن يجعلني اتكلم على احد...
أعض على الحصاة.
حتى اتذكر ان الكلمة قبل الخروج تجرحني انا اولا..
تعلمت درس قاسي:
(السكوت ليس ضعفاً.. السكوت سيف)
والذي لسانه طويل... عمره قصير.
حاليا من ادخل الى المقهى، اسمع سوالفهم وكلامهم عن الاخرين
وأنا اشرب الشاي.. وابتسم.
واذا أحدهم بدأ بالغيبة... اقوم واحاول الخروج مسرعاً..
لأنني عرفت شيء واحد:
الهواجس القاتلة لا تأتي من الخارج، تأتي من لسان لا يعرف السكوت ومن
قلب تعفن من كثرة ما تكلم على خلق الله..








التعليقات