انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الجرذ الذي ابتلع مؤلفه....!

قصة ميتاسريالية

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

6 دقائق للقراءة
29 مشاهدة
الجرذ الذي ابتلع مؤلفه....!
مشاركة:

في البَدْء الأعمى للكون، قبل أن تتخثر نقطة الحبر الأولى على بياض العدم، كان ثمة جرذٌ سمينٌ يكره أن يُترك وحده مع القمح. لم يكن القمح نباتًا بالمعنى الأنطولوجي الساذج، بل كان أبجدية خضراء متمردة، تكرر صوت حفيفها كأنها تسرد جملة لا نهائية من كتابٍ محرم. كان السمين يلعق حافَة السنبلة كل صباح، يتذوق مجازها، ثم يتظاهر بأن ذلك طقسٌ وثني لتبرير جوعه، يراقب بعينيه الواسعتين كالعدسات المحدبة، تشققات المعنى في جدار الواقع.

في الناحية الأخرى من المزرعة، وهي مساحة ود منسية على طاولة إلهٍ متعب، كان يتربص "الجرذ الخبيث". كان نحيلًا، شاحبًا، يشبه تمامًا سطرًا محذوفًا من كتابٍ يرفض الاعتراف بأنه يكتب نفسه. لم يكن الخبيث كائنًا بيولوجيًا يعتمد على المخالب والأسنان؛ بل كان كائنًا "تأويليًا". أدرك مبكرًا أن السلطة الحقيقية لا تكمن في التهام الأشياء، بل في إعادة تفسيرها.

بمنطق الفلاسفة السفسطائيين، انزلق الخبيث إلى حافَة المستنقع اللزج، وأقنع التماسيح النائمة هناك بأن السنابل ليست طعامًا بل هي "إشارات كونية"، وأن كل حبة قمح تحمل بين قشورها نفسًا صغيرًا، روحًا معلقة يمكن سحبها إلى قاع المستنقع الخانق. أقنعهم بجرّ المعاني إلى اليابسة على هيئة موجات متأخرة، كأن الزمن نفسه كان خياطًا أعمى يرقع ثوب الوجود بالحديد الصديء.

وهكذا، انحرفت طبائع الأشياء. صارت طرق التماسيح المدرعة تمر عبر صفوف القمح، لا لتأكل، بل لتجرب متعة "التفكيك". وهنا، تبرعم شيء ما يشبه الرعب الخالص. عندما كان الجرذ السمين يمضغ حبًا، لم يعد يسمع طقطقة القشرة المعتادة تحت أسنانه، كان يسمع صريرًا خافتًا، صرير قلمٍ يخدش الورق باستحياء! كأن سنابل القمح تشد خيطًا حريريًا داخل جهازه العصبي، وشيئًا ما داخل معمار مزرعة القمح يتشوه، يعيد ترتيب المشهد حوله، وكأن مؤلفًا مخفيًا يجرّ ديكور المسرح بعيدًا، تاركًا إياه يواجه فراغًا أبيض مكتوبًا سلفًا.

مع انقضاء اليلة الأولي من الخلق، كان القمح ينتج أثرًا مختلفًا على الطين الرخو. أثرًا يشبه حروفًا مسمارية مقطوعة، شيفرات لا يمكن قراءتها إلا ب تتبع ظل التماسيح الذي يمر فوق الأرض ببطءٍ جنائزي. ومن رحم هذا التزاوج العبثي بين الطين والنص، ظهر على حافَة المستنقع شيء لا يمكن تسميته بسهولة: "جيل جديد من جرذان ما بعد الطوفان"

الجرذ الذي ابتلع مؤلفه....!

وُلدت هذه الأنسال نتيجة لمعادلة كيميائية لم تذكرها أية أسطورة سابقة، كانت لها عينان تتسعان لاستيعاب العمق السحيق للافق مثل عدسات الغواصين الباحثين عن حُطَام المجاز، وخطّ داكن على الظهر يشبه أثر شفرة جراحية غير مرئية تفصل بين الواقع والخيال، وذيل لا ينتهي إلا حين يقرر بوعيه الخاص أن يكون مجدافًا يضرب في بحر السرد،و فَوْقَ الحَاجِبِ،تَتَمَثَّلُ ثُلاثِيَّةٌ مَغْفِرَةٌ تُعَطِّرُهَا طِيبَةُ السِّتْرِ،وَرَحْمَةٌ تَسْقِيهَا رُطُوبَةُ العَفْوِ،ثُمَّ قَبُولٌ يُقِيمُ فِي القَلْبِ مَاءَ الوَصْلِ؛فَتَذُوبُ قَسْوَةُ الذَّنْبِ،وَتُطْفَأُ نَارُ النَّدَمِ،وَيُشْرِقُ الأَثَرُ كَأَنَّهُ وُلِدَ مِنْ جَدِيدٍ.

حين قفز الجرذ السمين ليتفقد هذا الجيل، اكتشف الحقيقة الأكثر إثارة للغثيان الوجودي:

 إن هذه الجرذان الجديدة لا تتصرف حيوانات محكومة بالغريزة، بل كـ "تعليمات برمجية" تتحقق بذاتها. الأنسال كانت تعرف خطوات القصة مسبقًا، كما لو أن الحبكة تُبث في دمائها عبر مشيمة السرد قبل أن تولد. فيصبح السمين، عند كل محاولة بائسة للهروب، مؤلفًا مضادًا؛ يحوّل فزعه إلى حركة تصحيحية مرتجلة، يعيد بها كتابة المسار أمامه ليتفادى السقوط في الهامش.

حين كان السمين يصارع قدره الورقي، استمر الخبيث في صعوده الديكتاتوري داخل الحبكة. لم يكن يقدّم مجرد مؤامرة كلاسيكية، بل كان يبتكر طريقة لزرع سلوكيات محددة داخل الكائنات، عبر مزيج قمح مهندس سيميائيًا، يلتهمه المستنقع، يتقيأه الطين، ثم تعيد الكائنات صياغته داخل أمعائها. بدا العالم وكأنه مختبر باثولوجي شاسع؛ البطل فيه مجرد عينة تحت المجهر، والراوي ليس سوى جهاز قياسٍ أصم.

وحين حاول الجرذ السمين، في لحظة يأس، أن يستجدي معنىً لما يفعله الخبيث، سمع صوتًا لم يكن موجات صوتية تتخلل الهواء، بل كان "صياغة أدبية" تتجسد في الفراغ. ظهرت أمامه كلمات باردة، تتدلى كجليد أسود:

 "لا تبحث عن التفسير، لأنك أنت هو التفسير". ثم تبددت الكلمات كالدخان، ليظهر مكانها سطر من الحكاية، سطرٌ كان مكتوبًا فعلًا قبل أن تقع عليه عينك ايها القارئ..!

في تلك اللحظة أدرك السمين أن الكلمات تتحرك فوق الأرض ككائنات زاحفة، كانت هي "الرعب الحق" بالنسبة لبطنه المندلق كالزبدة. رفع رأسه المشعر نحو السماء، فلاحظ أن الغيوم الرمادية لا تتحرك بفعل تيارات الرياح.!، بل بحركات ممحاة وقلم رَصاص تخدش القصة من الخلف.

هو لا يعرف كيف تجلّت له هذه المعرفة، لكنه أدرك يقينًا أن هناك "قارئًا" يقبع خارج هذا العالم يصدق ما يجري، وأن "تصديق القارئ" هو الوقود الحيوي الذي يحرك الأحداث. والخبيث، في حقيقته، لم يكن سوى طفيلي يسرق هذا الوقود عبر تقديم وعدٍ مزيف بـ "نهاية ثابتة لكل حلم".

بناءً على هذا الإدراك، اتخذ السمين قراره الأعظم:

لن يبحث عن نهاية، ولن يهاجم الخبيث كما يفعل الأبطال السذج في القصص الرخيصة. فالهجوم المباشر يعني الاعتراف بقواعد اللعبة والالتزام بخارطة المؤامرة. بدلًا من ذلك، استعمل السلاح الوحيد الذي لا يملكه الخبيث: "القدرة على تغيير زاوية الرؤية في عين الاعور ذو العين الطولية".

انسلخ السمين عن ذاته، وبدأ يراقب نفسه من الخارج، كأنه إله يراقب كائنًا داخل أنبوبة اختبار. صاغ في ذهنه المتقد جملة واحدة، قاطعة، وبصيغة الأمر. وبما أن هذا العالم يقتات على الكلمات، فقد سرى التغيير في عروق الطين الذي بدأ يلتهم نفسه. أطلق السمين صرخة لم تكن صوتًا، بل كانت "شرطًا لغويًا" ملزمًا لكل نسلٍ قادم:

"أن من تمردوا على غريزة التغذية، لايمكن ان يصبحوا شهودًا على النص"

فجأة، تحول القمح من فخ مميت إلى قناة اتصال حر. السنابل التي كانت ترسل إشارات استبعاد للتماسيح، صارت تبث شيفرات تحرر للأنسال. تعلمت الجرذان الجديدة كيف تعيش في ازدواجية اليابسة والماء، والأهم من ذلك؛ تعلمت كيف تتوقف عن كونها "كومبارس" يخدم حبكة الخبيث.

اضطرب الجرذ الخبيث. تهاوت إمبراطوريته التأويلية بعد أن فقد المكون الأهم للسيطرة: "توقيت الطاعة"

بدأت الأنسال بتحطيم القواعد الصلبة لفيزياء القصة، من غير معارك دموية، بل عبر تكسير منطق السببية ذاته. فكلما حاول الخبيث أن يُجبر التماسيح على ابتلاع صفوف القمح، أعادت الصفوف ترتيب نفسها لتشكل فقرات من نص مضاد، وكأنها شفرات أمان ضد الفيروسات السردية. التقت العيون الواسعة للأنسال بنصوص غائرة في أعماق الطين، حروف مشعة ما تراها العين إلا حين تكون متورطة فيها حد الغرق. هنا، تيقن السمين أن هذه الكائنات لا تُصنع بالهندسة الوراثية، بل بعملية "سردية" محضة تُغذي كريات الدم بالمعنى بدل الأكسجين.

حين بلغ الخبيث ذروة جنونه، واعتلى منبر القصة ليعلن للقراء أنه سيمنحهم الخاتمة المريحة التي ينتظرونها، باغته الفزع المطلق؛ اكتشف أنه فقد صوته. جملته لم تعد تخصه، بل صارت تُكتب ضده. كلما حاول رسم طريق في السرد، انشقّ طريق بديل يبتلعه. لقد طورت القصة مناعة ذاتية من المحتالين.

الجرذ السمين لم يهزم الخبيث بقتل جسده الفيزيائي، بل هزمه بفتح فجوة دائرية داخل معمار الحكاية. جعل النهاية غير قابلة للإغلاق، تتشظى إلى ما لا نهاية لتصبح مساحة تنفس للأنسال الجديدة ما بعد الطوفان.

انسحب ظل الجرذ السمين ببطء إلى داخل سطر جديد، سطر تقرأه أنت الآن بعينيك دون أن تشعر. ترك السمين رسالة أخيرة محفورة على سطح الطين، تقول:

"لا تجعلوا الخوف يكتمل، لأن الاكتمال هو الغاية القصوى للخبيث"

يتوقف النص هنا...هل تلاحظ أن الكلمات الأخيرة بدأت تتلوى وتنبض؟  الجرذ السمين لم يأكل القصة فقط، بل ابتلع المسافة الفاصلة بين الشاشة وعينيك. إنك الان لا تقرأ القصة يا صديقي... القصة هي التي تقرأك الآن، وتتذوقك لتقيّم ما إذا كنت دسمًا بما يكفي للهضم...!

مشاركة:

آخر تحديث: ٣١ آب ٢٠٢٦ في ٠٣:٠٣ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د