انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

اصرار مرتبك

اياد خضير
اياد خضير

قاص عراقي.

3 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
اصرار مرتبك 
مشاركة:

في رمضان، وبعد الانتهاء من الافطار مباشرة، اعتدت التوجه الى المسجد الجامع، كانت قدماي تقوداني عبر شارعٍ خالٍ من المارة، موحش، اضاءته خافتة ترتعش كجسدٍ مخرور، رائحة الهواء وخمة، وكأن المطر أنقطع تواً، وصوت الرياح وهي تحرك الاكياس البلاستيكية والاوراق.. فجأة، لمحت شخصاً يجلس على الرصيف، متكئاً بظهره على حائط أحسه بارداً لأحدى البيوت، امعنت النظر اليه وأنا أتقدم، رجل اربعيني، ذو ملابس رثة وشعر اشعث، لحية كثة، وفي يده حجارة يقلبها بلا مبالاة، كان منظره يوحي بأنه فاقد للإرادة والوعي.. ربما اضناه الزمان او عصف بعقله، شعرت ببرودة تسري في جسدي وارتعدت فرائضي خوفاً من ان يؤذيني او يوقفني حاولت ان اتجنبه بتغير مساري ببطء لكنه لمحني.. رفع رأسه ونظر الي بعينين زائغتين ارتبكت والحيرة قمطتني بقماطها المتين، خائفاً ان يلقمني بحجر يبقر رأسي وينهي حياتي، وقبل أن أتجاوزه بضع خطوات، نطق بصوت جهوري:

( مخبل! ) توقفت انفاسي لحظة لم ادر بماذا أجيب هل أخاف؟ ام اتعاطف معه؟

قـلت: بصوت مرتجف ولكن هادئ ( شكراً).. لم يقل شيئاً عاد ينظر الى الحجارة في يده، وكأنه لم يراني..

أشحت بنظري عنه وأسرعت الخطى نحو المسجد، وقررت الا أطأ هذا الشارع، مقرراً مجدداً في الايام القادمة..

في اليوم التالي، ولشدة انشغالي بتراكم المشاكل العائلية، وجدت نفسي أسيراً مطأطأً رأسي في الشارع ذاته دون وعي، اجادل أشباحاً في ذهني وأمضغ مخاوفي بصوت شبه مسموع، لمحته من بعيد، تملكني الخوف وعجزت عن التراجع، داهمتني فكرة مرعبة بأنه سيركض خلفي ان التفت راجعاً، حين صرت محاذاةً له، كرر الكلمة ذاتها بذات النبرة: ( مخبل! )

ارتعشت اطرافي، وترنحت في مشيتي كأنني ثمل، حتى تجاوزته بهدوء واستعادت دقات قلبي المتسارعة انتظامها.

في اليوم الثالث تذكرت الموقف فغيرت طريقي الى شارع آخر، هناك، رأيت  شبحاً قادماً باتجاهي، لم اتبين ملامحه في الظلام الشبه دامس، كان يسير مشمراً عن سواعده، يتمايل يمنه ويسره، ويجر نعليه على الارض محدثاً صوتاً رتيباً، كنا وحدنا في الشارع، وثمة قطط تموء في الزوايا، حبست أنفاسي ورحت اردد المعوذات والآيات في سري حتى اجتزته، تنفست الصعداء، لم يقل  لي شيئاً، ربما كان شخصاً آخر، فما أكثرهم في هذا الزمن التعيس!.

شوارع المدينة بعد الافطار تظل موحشة، فالناس يتأخرون في الخروج من منازلهم، ورغم الخوف، مضت عشرة أيام غبت فيها عنه.

اتساءل: ما الذي يدور في عقلي؟ بدأت أشك في قواي العقلية .. هل هو شعور بالذنب؟! شدني الشوق اليه وتملكني خلالها فضول غريب، وشوق غامض لزيارة  الشارع الاول تساءلت: هل ما زال هناك؟

تسلحت بالعزم والشجاعة، وعدت، رأيته في مكانه، سانداً ظهره الى الحائط، وبجانبه حجر كبير، أكبر من الحجر الذي شاهدته سابقاً، خمنت أنه يدفع به الكلاب الضالة، أمعنت النظر اليه عند اقترابي منه، لكنه لم يحرك ساكناً لزم الصمت هذه المرة، تملكني اصرار مرتبك، وأردت أن استفزه كما فعل معي..

نظرت اليه مباشرة، وقلت له: ( مخبل!)

تصلب في مكانه، ونظر اليً بملامح اندهشت لها، ثم أجابني بهدوء غير متوقع:

( شكراً !)

انطلقت مني ضحكة مجلجلة خرقت صمت الشارع، الرجل لم يكن يشتمني عندما يقول لي ( مخبل) عبثاً بل كان يصف حالتي عندما اسير أتمتم مع نفسي في الشارع والوح بيدي كالمخبول بسبب ما اعانيه من مشاكل اسرية.. اسرعت في سيري، بينما كانت نظراته المرتفعة تلاحقني بارتياح غريب.. من يومها تركت الجدال مع اشباحي عندما اسير في الشارع ..

مشاركة:
اياد خضير
اياد خضير

قاص عراقي.

آخر تحديث: ٣١ تموز ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

أعمار متأخرة!!
سرد

أعمار متأخرة!!

(الشيخوخة ليست حين يبيض الشعر، بل حين يكف الإنسان عن انتظار المفاجآت) ( ألبير كامو) حين استبدّت به لحظة جنون ،قرر تفريغ حياته قبل أن تفرغ منه. لم يعد يوقظ المنبه. تاركاً الصباح يتسلل إليه كما تتسلل رائحة الرطوبة إلى بيت مهجور. ينهض متثاقلًا، ليفتح النافذة، متفقداً الشارع المكتظ بإشارات الترقب…

· 7 د
الأُصَيفِر
سرد

الأُصَيفِر

لطالما فكر في السبب الذي حدا بجدته إلى أن تطلق لقب "الأصيفر" على عبد السلام عارف. من المستحيل أن تكون قد رأت الرجل. أما الصور فلا تُبديه أكثر ولا أقل صفرة من غيره. أتُراها سمعت بالحديث النبوي القائل: "إذا رأيتم الرجل أصفر الوجه من غير مرض ولا علة فذلك من غش للإسلام في قلبه؟" لماذا، إذن، "تبرطم"…

· 8 د
اللسان
سرد

اللسان

مرّ بي زميل من مروجي الألسنة في السوق الكبير الخاص بها، إذ رائحة السوق هي رائحتها اللذيذة، وسلم عليّ بحرارة، فرددت السلام عليه. وفي هذه الأثناء سمعت من يكلمني بصوت عالٍ، فإنتبهت له. قال: - أهذا لسان يا أخ العرب؟ وأشار الى اللسان الموضوع في حاوية ذهبية اللون. قال الإعرابي ذلك، وأخذ يقلب باللسان الذي…

· 4 د