ولدي عامر،
عندما سافرت أوكلت لي مهمة إغلاق الباب الخارجي وإطفاء المصابيح.
في هذا المساء، وفي أي مساء آخر، حين أعود إلى البيت أرتمي منهكاً على سريري.
أتأمل صورتك على جدران الحائط، فيعتصرني الألم.
أحس بأنني متعب جداً، وأنني بحاجة إلى أن أنام حتى أنهض مبكراً.
لم أتخلف يوماً عن الدوام الرسمي.
سبق وأن قلت لك، وأقولها مراراً وتكراراً:
الوظيفة حاجة لا ترف.
البارحة نمت مبكراً لأن أعصابي متوترة.
أصوات الموظفين الذين يتشاجرون بين فترة وأخرى على الأعمال المناطة بهم تجلب الصداع.
لا شيء في دهاليز سمعي سوى هذه الأصوات، كأنها قرع طبول لرقصة غجرية.
رحت في إغفاءة طويلة.
لم أغلق الباب الرئيسي بوضع القضيب الحديدي في الرتاج.
استيقظت مذعوراً.
كابوس مخيف سيطر على دماغي وأربكني.
وددت أن أختفي في فراشي.
تذكرت بأنني لم أغلق الباب الرئيسي.
دفعني الفضول أنظر إلى الشارع الذي كان نصف مضاء.
شاهدت شاباً ملتصقاً على باب الشقة المقابلة لمنزلنا، شقة الحاج محمد.
حسبته يتبول.
وآخر قادم يترنح... يخور، يطرق برأسه الأرض كأنه ثمل.
دخلت وأغلقت الباب.
وبدأت أنظر عبر فتحة صغيرة في أعلى الباب.
رأيته يحاول كسر القفل بالمدية التي يحملها.
فقد كلفني الحاج محمد قبل سفره هو وعائلته إلى خارج القطر أن أحافظ على شقتهم ريثما يعودون.
داعبت شاربي وصحت بصوت جهوري لا يخلو من الحشرجة: "فر هارباً!"
ركضت وراءه مسرعاً حافي القدمين بسروال طويل.
دلف داخل الزقاق المجاور الذي كان أكثر عتمة.
كان الجو بارداً والمطر النازل من بيت السماء خفيفاً يصيب الجسد برعشة.
أصرخ... لا أحد يسمع صراخي.
فوجئت بمجموعة كلاب سائبة يقودها كلب أبيض ممتلئ يبحلق في وجهي.
والكلاب الباقيات من ورائه تتدافع لافتراسي.
اهتزت أعضائي كسعف النخيل.
التصقت بالحائط الخلفي لمنزل مهجور بجانبه مساحة واسعة موحشة تمتد إلى مسافة كلها مطبات امتلأت بمياه آسنة خلفتها الأمطار الغزيرة.
لا أعرف ماذا أفعل.
أتساءل: من أين أت هذه الكلاب المسعورة؟
كنت خائفاً. كان لهاثي يصعد أعلى السطوح إلى السماء.
لا أحد يسمعني، يساعدني.
الهواء النقي يختلط مع زفير الكلاب المسعورة.
استسلمت تماماً.
أدركت أن كل شيء قد انتهى وأنني ميت لا محالة.
تنهشني الكلاب بمخالبها وتمزق أحشائي.
بعد موتي سوف يتحدث الأقرباء عني قليلاً... بعدها يتجاهلونني تماماً.
فأمضي، وأركن في رفوف النسيان.
أحسست باحتباس شديد في مثانتي.
معها سال بولي على سروالي ونزل على قدمي الحافية.
وفي فمي ما يشبه الطعم المر.
وأنا صامد مرتبك أمام الكلب الأبيض منتظراً منه الهجوم.
لا أعرف بالضبط من أين يبدأ؟ من ساقي أم من بطني؟
تاركاً سروالي يغادرني إلى الأرض.
خال لي أنني رأيت هذا الكلب من قبل.
في يوم ما قفز على وجهي وأخافني وأنا أرمي بعض النفايات في الحاوية.
حاولت التخلص من هذا الوضع الصعب.
وضعت أطرافي الأمامية على الأرض بعد تقويس ظهري.
زمجرت وأطلقت نبحتين قويتين.
وإذا بالكلاب تدير ظهرها.
وبقي الكلب الأبيض يراقب حركاتي ويداعب لسانه.
نظرت إلى الكلاب.
البعض منها انشغل يأكل حيواناً متفسخاً تدخل رائحته أنفي.
وأخرى بدأت تلوط بجواري لا يهمها وجودي.
تساءلت: لماذا لم تعضني؟
ربما تعتبرني حماراً... حيث تربطهم صداقة حميمة في المزابل.
فعلاً كنت حماراً.
لأنني تركت منزلي مفتوحاً في منتصف الليل وركضت وراء لص يحمل سكيناً جارحاً.
الكلب الأبيض لازال واقفاً أمامي يطلق أصواتاً خفيفة واطئة.
ربما يكلمني بلغته التي لا أعرفها؟
انتفضت من جديد.
أمسكت بسروالي ورفعته من الأرض بارتباك شديد.
دعكت شعري، ووضعت أطرافي الأمامية على الأرض وقوست ظهري.
وبدأت أصرخ صراخاً قوياً كمن ينفجر فيه ينبوع خفي.
تحول صوتي إلى عواء ذئب.
دخل الرعب إلى الكلاب.
فر قائدهم من أمامي مسرعاً وانطلقت الكلاب وراءه.
وإذا بوالدتك توقظني.
قالت بارتباك: "ما هذا الصوت الذي تطلقه؟
نحن لم نعتد على سماعه منك سابقاً... إنك تحلم!!"
ولدي العزيز لقد أطلت عليك.
لا تفكر بما كتبته لك.
تسلح بالصبر.
يقول (اوسكار وايلد)
"من يعيش أكثر من حياة يقاسي أكثر من موت"
وداعاً








التعليقات